الوقت - اختار علي فالح الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، الذي أجرى في الأشهر الأخيرة جولات عدة إلى دول المنطقة سعياً إلى توطيد العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي، المملكة العربية السعودية وجهةً لزيارته الدبلوماسية هذه المرة.
وفي هذا السياق، توجّه الزيدي يوم الأربعاء (14 أكتوبر) على رأس وفد رفيع المستوى إلى الرياض، لإجراء محادثات وتبادل وجهات النظر مع المسؤولين السعوديين حول العلاقات الثنائية، وسبل توسيع التعاون المشترك، وآخر مستجدات المنطقة.
وكان الزيدي قد أكد عشية الزيارة أن العلاقات العراقية السعودية تحظى بأهمية استراتيجية خاصة، وأن البلدين أحرزا تقدماً ملموساً في بناء الثقة وفتح قنوات التعاون.
وشدّد الزيدي كذلك على أن أمن العراق واستقرار السعودية جزءان من معادلة أوسع تتصل بأمن الخليج الفارسي واستقرار المنطقة، وقال إن بإمكان العراق أن يضطلع، عبر الحوار، بدور الوسيط في الربط بين القوى الإقليمية.
وبحسب بيان صادر عن وكالة الأنباء السعودية الرسمية، بحث الزيدي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان التطورات الإقليمية والتنسيق لتعزيز أمن المنطقة واستقرارها. وأفاد البيان بأن الزيدي أدان خلال اللقاء الهجوم على مطار الملك خالد الدولي واستهداف أماكن مدنية وحيوية في السعودية، وأكد أن الحكومة العراقية ترفض استخدام أراضيها منطلقاً لأي عدوان على السعودية ودول المنطقة.
كما أكد الزيدي التزامه بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة السعودية والدول الشقيقة. ومن جانبه، شدّد ولي العهد السعودي على حرص المملكة على تعزيز العلاقات والتعاون مع العراق في شتى المجالات، ولا سيما التنسيق الأمني.
وقبل الزيارة، كان مصدر حكومي عراقي قد قال لصحيفة «الأخبار» إن الزيدي سيتناول في رحلته القضايا الأمنية الحيوية والملفات الاقتصادية المتصلة بالأزمة الراهنة في العراق، كما سيبحث خيارات التحرك المختلفة في ضوء الاضطرابات الأمنية وتبعاتها.
وأضاف المصدر العراقي أن السؤال الجوهري يبقى مع ذلك: هل تستطيع بغداد أن تمضي في حوار متوازن يراعي أمن دول المنطقة وسيادتها، ومنها العراق، أم أن التنسيق الأمني مع الرياض سيتصدّر الأولويات دون أن تُحَلّ الخلافات القائمة؟
مخاوف من اتساع رقعة الحرب في اليمن
ولأن الزيارة تأتي في خضم تصاعد التوتر بين السعودية وأنصار الله في اليمن، يرى بعض الخبراء أن التشاور حول هذه التوترات وتداعياتها المحتملة على استقرار المنطقة، كان من أبرز أهداف زيارة الزيدي إلى الرياض.
وفي حديث لموقع «الوقت»، تناول السيد حسن هاني زاده، الخبير في شؤون غرب آسيا، دوافع الزيدي إلى زيارة الرياض في هذه المرحلة الإقليمية الحرجة، فقال:
«جاءت زيارة الزيدي إلى السعودية في وقتٍ بلغت فيه الحرب بين اليمن والسعودية ذروتها، ويُحتمل أن تتجاوز حدود البلدين. وقد أثار تضامن فصائل المقاومة العراقية مع الشعب اليمني مخاوف لدى المسؤولين العراقيين الرسميين، ومنهم الزيدي شخصياً، إذ يُرجَّح، لو دخلت دول أخرى لمساندة السعودية وضرب أنصار الله، أن تهبّ غالبية الشعب العراقي والمؤسسات غير الحكومية لنجدة اليمنيين.
وقد يصعّب ذلك على حكومة علي الزيدي مهمة كبح الفاعلين المحليين في العراق، ويحوّل البلاد إلى ساحة مواجهة بين السعودية والعراق. ولهذا اقترح علي الزيدي، خلال زيارته للسعودية ولقائه محمد بن سلمان، أن يتولى العراق الوساطة بين أنصار الله والحكومة السعودية، حتى لا تتسع رقعة الحرب».
سعي بغداد إلى الحياد
وأوضح السيد هاني زاده دوافع وساطة الزيدي بين الرياض وصنعاء، مؤكداً:
«من الطبيعي أن ينتهج العراق سياسةً وسطى متوازنةً، فهو من جهة بلد عربي مؤثر، ومن جهة أخرى تحكمه تركيبته المذهبية ونظرة غالبية شعبه العاطفية إلى أنصار الله الشيعة. ولهذا يساور رئيس الوزراء العراقي قلق بالغ من اتساع الحرب بين اليمن والسعودية. وقد طمأن الزيدي المسؤولين السعوديين خلال لقائه بهم إلى أن العراق سيحافظ على حياده، ولن يسمح لحركات المقاومة العراقية بأي عمل ضد السعودية. وعليه فإن أفضل الخيارات وأنسبها للحكومة العراقية هو إنهاء الحرب بين اليمن والسعودية، وبغداد تملك القدرة على الدخول في هذا الميدان، أي الوساطة بين السعودية واليمن».
الرياض لا تملك القدرة على الضغط على العراق
وردّاً على سؤال عمّا إذا كانت السعودية، في ظل التوتر الحالي في المنطقة ودعم فصائل المقاومة العراقية لأنصار الله، تنوي الضغط على حكومة الزيدي لمنع هذه الفصائل من مساندة صنعاء، أشار السيد هاني زاده إلى أن:
«السعودية ليست في موقعٍ يتيح لها الضغط على العراق لمنع الدعم الشعبي لأنصار الله، غير أن سياسة علي الزيدي وحكومته تابعة للسياسات الأمريكية، والبيت الأبيض لا يرغب في أن يصبح العراق ساحة مواجهة مع الرياض. ولذلك يجد رئيس الوزراء العراقي نفسه في وضع بالغ الصعوبة، إذ إن تفاقم الحرب ودخول بعض دول المنطقة، كتركيا وباكستان، لدعم السعودية قد يخلّف ارتدادات سلبية داخل المجتمع العراقي يصعب على حكومة الزيدي ضبطها».
ويجدر بالذكر أن التوترات بين فصائل المقاومة العراقية والسعودية ازدادت في الأشهر الأخيرة. فبعد الغارات الجوية التي شنّتها مقاتلات سعودية على مواقع تلك الفصائل، حذّر عدد من قادة المقاومة من مغبّة استمرار هذه الهجمات، وأعلنوا أنهم سيردّون على هذه الأعمال ردّاً حاسماً. وقد زاد هذا الوضع المخاوف من اتساع نطاق التوتر وما قد يترتب عليه من تبعات على أمن المنطقة واستقرارها. ومن هنا، كان أحد قادة الفصائل العراقية قد قال لصحيفة «الأخبار» إن على الزيدي أن يطرح مباشرةً، خلال مباحثاته، قضية الهجمات السعودية على مقار الحشد الشعبي.
