الوقت - يضيق الطوق الجوي اليمني على السعودية يومًا بعد يوم، وتتّسع معه، على نحو متصاعد، دائرة الكلفة الاقتصادية لهذا الحصار.
ويمضي قادة صنعاء، كما وعدوا، بجدّية في اتباع استراتيجية «المطار مقابل المطار». وقد غيّرت الضربات المتلاحقة التي شنّتها الحركة خلال الأسبوع الماضي على المطارات السعودية، من الرياض إلى جدة والدمام، معادلات الردع في هذا الميدان.
وتسعى الرياض إلى تحسين أمن مجالها الجوي واستئناف الرحلات الخارجية عبر تعزيز بنيتها الدفاعية، غير أن استمرار هجمات قوات صنعاء ما يزال يربك عمل مطاراتها، ويجعل العودة إلى الوضع الطبيعي أمرًا عسيرًا.
فقد توالت على المطارات السعودية حالات التوقف والاضطراب، وأُلغيت حتى الآن أكثر من 1000 رحلة. وعلى إثر ذلك، حذّرت الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي مواطنيها من استخدام المجال الجوي السعودي.
وقد حالت الضربات الصاروخية اليمنية عمليًّا دون إعادة فتح المطارات السعودية، حتى إن دولًا مثل الإمارات وقطر أعلنت تأجيل جميع رحلاتها المتجهة إلى السعودية إلى إشعار آخر.
كما علّقت عشرات شركات الطيران الدولية رحلاتها إلى الرياض. وتمتد موجة الإلغاءات لدى بعضها أيامًا معدودةً، ولدى بعضها الآخر أشهرًا، بل حتى العام المقبل.
وأظهرت مواقع تتبّع الملاحة الجوية أن معظم المجال الجوي السعودي بات خاليًا من الحركة. وأعلن موقع «فلايت رادار 24»، الذي يعرض مواقع رحلات الركاب مباشرةً، أن مطارًا واحدًا أو اثنين فقط من أصل 29 مطارًا مدنيًّا في السعودية ما زالا يعملان.
ووصفت مجلة «الإيكونوميست»، في تقرير لها، قرار المسؤولين السعوديين إبقاء مطار الرياض مفتوحًا رغم الهجمات الصاروخية بأنه قرار غير مدروس، وحذّرت من أن خيارات السعودية لمواجهة الضربات اليمنية محدودة، وأن إصرار الرياض على استمرار عمل المطارات في ظل هذه الهجمات خيارٌ متهوّر.
تحذيرات أنصار الله من تصعيد الهجمات على المطارات
يأتي هذا الاضطراب الواسع في منظومة الطيران السعودية بعد أقل من أسبوعين على بدء عمليات أنصار الله ضد المطارات السعودية، فيما يحذّر مسؤولو صنعاء كل يوم من أنهم سيوسّعون نطاق الهجمات على المطارات.
وأكدت وزارة الخارجية اليمنية يوم الثلاثاء أنه ما دام النظام السعودي لم يُنهِ احتلاله للأراضي اليمنية، فإن تثبيت معادلة الردع اليمنية أمرٌ لا مفرّ منه، وأن على السعودية، بوصفها «قرن الشيطان»، أن تدرك أن الأمن والاستقرار والسيادة إما أن تكون للجميع أو لا تكون لأحد.
وقالت الوزارة إنها تكرّر ما ورد في البيانات والتحذيرات الصادرة عن القوات المسلحة اليمنية ومركز العمليات الإنسانية بشأن حظر الملاحة الجوية في المجال الجوي السعودي، وتدعو جميع الشركات إلى الالتزام بها حفاظًا على سلامتها.
وحذّرت صنعاء كذلك من أن هبوط الطائرات المحمّلة بالمساعدات الإنسانية في مطار الرياض، يجب أن يتم أيضًا بإذن من أنصار الله. وهو تحذير يكشف أن قواعد اللعبة قد تبدّلت، وأن اليمنيين هم من يحدّدون الآن أيّ طائرة تهبط في الأراضي السعودية أو تقلع منها، وبأي إذن.
ابن سلمان في المأزق
أفادت مصادر عربية بأن غياب الطائرات المدنية عن المجال الجوي السعودي دليلٌ على النجاح اللافت للاستراتيجية اليمنية، وأن السعوديين، الذين لم يتوقعوا مثل هذه الظروف، وقعوا في ارتباك شديد وحيرة بالغة.
ويُعدّ هذا الوضع، بالنسبة إلى السعودية ومحمد بن سلمان، الذي يدّعي قيادة العالم العربي، إذلالًا سياسيًّا وهزيمةً ثقيلةً أمام صنعاء. ويدلّ سعيه إلى استمالة الدول الغربية، بل وجرّ الكيان الصهيوني إلى الحرب على اليمن، على أن السعودية تواجه تحديًا جسيمًا في مواجهة أنصار الله.
وقد بلغ الوضع من الخطورة بالنسبة إلى الرياض أن موقع «مرآة الجزيرة» أعلن أن ولي العهد السعودي، خشيةً من اندلاع انتفاضة داخلية وتمرّد المؤسسات العسكرية على أوامره، ينوي إسناد مسؤولية حماية المطارات السعودية وتأمينها إلى شركات أجنبية، وبخاصة شركة صهيونية.
وتزامنًا مع نشر هذا الخبر، أعلن محمد البخيتي، العضو البارز في أنصار الله، أن الحركة ستدعم أي إجراء ضد ابن سلمان داخل السعودية.
ضربات موجعة للاقتصاد السعودي
فرض استمرار الهجمات الصاروخية والمسيّرة اليمنية على المطارات السعودية، كلفةً اقتصاديةً واستراتيجيةً معتبرةً على الرياض.
وتكمن أهمية هذا السيناريو في أن السعودية تعتمد اعتمادًا متزايدًا على الاتصال الجوي المستقر لتنفيذ برامجها السياحية، واجتذاب الاستثمار الأجنبي، وتطوير قطاع الطيران، واستضافة الفعاليات الدولية.
ويظهر مثالٌ بارز على هذا الاضطراب في مؤتمر الطاقة لمجلس النفط العالمي في الرياض يوم الاثنين، إذ امتنع كبار مديري شركات النفط الكبرى، ومنها إكسون موبيل وتوتال إنرجيز وشل وشيفرون وبي بي، عن الحضور بسبب اضطراب الرحلات الجوية. ومن شأن هذا الوضع أن يعيق حضور المسؤولين السياسيين ومديري الشركات متعددة الجنسيات والمستثمرين إلى السعودية، وقد ينقل جانبًا من الفعاليات المهمة إلى المنافسين الإقليميين.
وتتجلى أبعاد هذا التهديد بوضوح أكبر عند النظر إلى الأرقام الرسمية لقطاع الطيران السعودي. فبحسب تقرير الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، دعم قطاع الطيران السعودي، باحتساب الآثار غير المباشرة والسياحة المرتبطة به، نشاطًا اقتصاديًّا يقارب 90.6 مليار دولار في عام 2023، أي ما يعادل 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وأسهم في توفير 1.4 مليون وظيفة. كما نقل هذا القطاع في العام نفسه أكثر من 713 ألف طن من الشحن الجوي.
ومن جهة أخرى، وبحسب الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، نقلت مطارات المملكة في عام 2025 نحو 140.9 مليون مسافر، بزيادة قدرها 9.6% عن العام السابق. وبلغ عدد مسافري الرحلات الدولية منهم 75.8 مليون مسافر، ومسافري الرحلات الداخلية 65.1 مليون مسافر. كما بلغ عدد الرحلات القادمة والمغادرة نحو 980 ألف رحلة، وتجاوز حجم الشحن الجوي مليون طن.
وعليه، فإن الحصار الجوي المحتمل قد تكون تبعاته أوسع من الحصار البحري، لأنه، فضلًا عن التجارة والنقل، يمسّ مباشرةً التواصل الإنساني والرحلات التجارية والسياحة والمكانة الدولية للبلاد.
ومن ناحية أخرى، إذا أفضت التهديدات الأمنية إلى اضطراب طويل الأمد في الرحلات، فستتجاوز كلفته على السعودية مجرد إلغاء الرحلات، وقد تضع استراتيجيتها الاقتصادية الرامية إلى التحول إلى قطب للسياحة والتجارة والنقل الجوي في المنطقة أمام تحدٍّ جدّي. وفي غضون ذلك، لن يكون مشروع «رؤية 2030» بمنأى عن تداعيات هذا الوضع، وقد أقرّ وزير الطاقة السعودي في مؤتمر النفط العالمي بأن هجمات أنصار الله الأخيرة وجّهت ضربةً جدّيةً إلى تنفيذ هذه الخطة.
وإجمالًا، يمكن عدّ ارتداد الأزمة اليمنية إلى الداخل السعودي إحدى نتائج سنوات الحصار والحرب على اليمنيين، وقد بلغت اليوم الرياض نفسها. وهكذا وجدت السعودية نفسها في وضع تواجه فيه، في آنٍ واحد، تحديات جدّية في أمن المطارات والمنشآت النفطية، وفي صون سمعتها الأمنية، وفي المضي في برامجها الاقتصادية، ولن يكون الخروج من هذا الوضع إلا بدفع أثمان باهظة.
