الوقت - باقتيادها غواصةً أمريكيةً مُسيّرةً بالقرب من مضيق هرمز، دخلت إيران واحدةً من أشدّ طبقات الحرب البحرية حساسيةً مع الولايات المتحدة؛ وهو حدثٌ يكتسي أهميةً بالغةً من الناحيتين العسكرية والاستخباراتية، حتى وإن تذرّعت واشنطن بـ “قِدم” هذه المنظومة و"تعطلها". وفي هذا الصدد، أوضح الموقع المتخصص “ذا وور زون” (The War Zone) أن استحواذ إيران على هذه المنظومة وهي في حالة شبه سليمة، يُعد مكسباً “لافتاً للأنظار”.
الإيقاع بمنظومة مائية فائقة التطور
إن المنظومة التي أُطلق عليها وصف “الغواصة الأمريكية المُسيّرة”، ما هي إلا مركبة غاطسة من طراز “دايف-إل دي” (Dive-LD) من إنتاج شركة “أندوريل” (Anduril) الأمريكية؛ وهي مركبة ذاتية القيادة يبلغ طولها نحو 5.8 أمتار، وتزن قرابة 3 أطنان، وتتمتع بقدرة على الغوص لعمق يصل إلى 6 آلاف متر. ويمكن لهذه المنظومة، حسب هيكلة تجهيزها، البقاء في عرض البحر لنحو 10 أيام، وتنفيذ قسم كبير من مهامها باستقلالية تامة.
وتكمن الأهمية القصوى في أن “دايف-إل دي” ليست مجرد غواصة استطلاع صغيرة. فبحسب تقرير “ذا وور زون”، صُممت هذه المنظومة لتنفيذ مهام معقدة، كجمع المعلومات، والاستطلاع والمراقبة، والتمهيد الاستخباراتي لمسرح العمليات، وحرب الألغام، بل وحتى التموضع الدقيق للمعدات تحت سطح الماء.
“عين أمريكا الغاطسة” في هرمز
تتجلى أهمية هذا الحدث بوضوح حين ندرك أن أمريكا دأبت في الأشهر الأخيرة، على توظيف المنظومات المُسيّرة تحت المائية في عمليات مسح الألغام البحرية حول مضيق هرمز. فهذه المعدات، بما تحويه من أجهزة سونار وكاميرات ومستشعرات متنوعة، قادرة على رصد الألغام وتوثيق مواقعها، مما يغني القوات الأمريكية عن الاقتراب المباشر من بؤر الخطر. ومن هذا المنطلق، لا يمكن تقزيم حادثة اصطياد هذه المركبة الغاطسة باعتبارها مجرد خسارة مادية لآلة بملايين الدولارات؛ إذ إن منظومةً كهذه قادرة على حصد معلومات دقيقة حول قاع البحر، والممرات الملاحية، والعوائق المغمورة، فضلاً عن الحالة البيئية البحرية. وقد صرحت مصادر أمريكية أن قواتها تستعين بمسارات قريبة من السواحل العمانية لتوجيه سفنها، وأن امتلاك خرائط دقيقة ومُحدّثة لقاع البحر يُعد أمراً بالغ الأهمية لضمان العبور الآمن للسفن العملاقة. وعليه، فإن مهمة هذه الغواصة لربما تجاوزت حدود كشف الألغام، لتشمل رسم الخرائط والاستطلاع تحت المائي.
اعتراف أمريكي خطير: “لقد أصابها عطل”
في معرض ردها على إعلان إيران قنص هذه القطعة البحرية الثمينة، سعت واشنطن جاهدةً للتقليل من شأن العملية. فقد صرّح مسؤول أمريكي لـ “ذا وور زون” أن هذه الطائرة المُسيّرة (الغواصة) قد تعرضت لخلل فني قبل أكثر من يوم من الإعلان الإيراني، وكانت حينها تمسح مياه المنطقة دعماً للعمليات الأمريكية. كما زعم المسؤول ذاته أن المنظومة المذكورة تنتمي لطراز أقدم، ولا تحمل في طياتها معلومات حساسة أو أنظمة سونار ورادار سرية. من جانبها، أقرت شركة “أندوريل” بوقوع حادثة فقدان إحدى مركباتها في المنطقة، مؤكدةً أن هذه المنظومة صُممت في الأساس للعمل في بيئات محفوفة بالمخاطر، بل ومُهيأة لاحتمالية فقدانها.
غير أن هذه التبريرات الأمريكية تثير تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت المنظومة قد مكثت في الماء لأكثر من يوم وكانت واشنطن تجهل موقعها، فكيف تسنّى للقوات الإيرانية العثور عليها وانتشالها شبه سالمة؟ وتشير بعض المصادر الأمريكية إلى أنه لم يتضح بعد حجم الجهود التي بذلتها أمريكا لاستعادة غواصتها، إلا أن وقوعها سليمةً في يد الإيرانيين يبرهن على أن القوات الأمريكية قد فقدت السيطرة على موقعها في مرحلة ما.
القيمة الحقيقية: ثراء المعلومات لا حجم التكلفة
لا ينبغي أن تُقاس قيمة هذا الصيد الثمين بثمن المنظومة فحسب. فما يفوق ملايين الدولارات أهميةً، هو ذلك الكنز المعلوماتي الذي يمكن لإيران استخلاصه من هيكل المنظومة، ومستشعراتها، وأنظمة اتصالاتها وملاحتها، وهندستها التقنية. وقد نوّهت مصادر أمريكية بأنه حتى وإن لم تعتبر واشنطن هذه المنظومة تقنيةً بالغة السرية من “الجيل القادم”، فإنها تظل منظومةً حديثةً وفعالةً في ترسانة البحرية الأمريكية، وسيكون سبر أغوار قدراتها وقيودها ذا قيمة كبرى لإيران وغيرها من الدول.
بل إن وسائل الإعلام تلك طرحت احتمالية إخضاع هذه الغواصة للفحص والتشريح من قِبل شركاء إيران الدوليين، ولا سيما روسيا والصين. ويكتسي هذا البعد من القصة أهميةً استثنائيةً بالنسبة لواشنطن؛ فالولايات المتحدة تعكف على تطوير ترسانة ضخمة من الأسلحة البحرية المُسيّرة، والمركبة التي اصطادتها إيران تندرج ضمن هذا المسار. كما أن هذه المركبة شكلت لبنةً أساسيةً في تطوير أجيال أضخم وأكثر تطوراً من الغواصات الأمريكية المُسيّرة.
مضيق هرمز: مختبر حرب الأعماق
من المنظور العسكري، تحمل العملية الإيرانية الناجحة الأخيرة رسالةً أعمق مفادها أن رحى الحرب في هرمز لا تقتصر على الصواريخ والسفن السطحية؛ بل إن ما تحت سطح الماء قد استحال ميداناً مستعراً للمنافسة الاستخباراتية. فبينما تسخر أمريكا المركبات الغاطسة لأغراض الاستطلاع، وكاسحات الألغام، ورسم الخرائط، والدعم الاستخباراتي، تسعى إيران لرصد هذه المنظومات واغتنامها متى ما سنحت الفرصة. ولذا، فإن بسط النفوذ على البيئة تحت المائية في هرم،ز بات يوازي في أهميته السيطرة على سطح الماء لكلا الطرفين.
ولإيران سوابق في الاستحواذ على معدات بحرية أمريكية مُسيّرة، لعل أبرزها ما جرى في عام 2022 حين احتجزت القوات الإيرانية مركبتين سطحيتين مُسيّرتين في البحر الأحمر لفترة وجيزة. غير أن الغواصة الجديدة التي اغتنمتها إيران تمثل طفرةً تكنولوجيةً مختلفًة كلياً، سواء من حيث طبيعة المهام، أو العمق العملياتي، أو القدرات الغاطسة.
نصر استخباراتي لإيران
وقد أجمع العديد من الخبراء على أنه حتى لو سلّمنا بالرواية الأمريكية القائلة بوجود خلل فني في المركبة التي اصطادتها إيران، فإنه لا يمكن غض الطرف عن الأهمية البالغة لنجاح هذه العملية. فها هي منظومة أمريكية حديثة تقع في قبضة إيران داخل منطقة بالغة الحساسية، بعد فقدان السيطرة عليها، ليتم نشر صورها على الملأ. وفي خضم مساعي واشنطن لتقليص مخاطر الوجود البشري المباشر في مهام الاستطلاع البحري عبر التعويل على التقنيات المُسيّرة، يأتي الاستحواذ على هذه المعدات ليثبت أنه حتى المنظومات المصممة لاقتحام البيئات المحفوفة بالمخاطر، قد تنقلب إلى كنز معلوماتي ثمين للخصم متى ما فُقدت السيطرة عليها.
في واقع الأمر، إن الأهمية الكامنة وراء اصطياد هذه الغواصة لا تنحصر في مجرد “إغراق غواصة أمريكية”، بل تتجلى في نجاح إيران في تحييد منظومة غاطسة حديثة وانتزاعها من متناول أمريكا في مسرح عمليات هرمز، مما يمنحها فرصةً ذهبيةً لدراسة وتشريح تقنية تعتمد عليها البحرية الأمريكية في صلب عملياتها.
