الوقت - قد يبدو الأمر غريباً، لكن في زمنٍ استولى فيه الهاتف المحمول على كل لحظة من لحظات حياتنا تقريباً، عادت هواية قديمة لتصبح من جديد ظاهرةً ثقافيةً تعمّ أوروبا: القلم الرصاص، والورق، وحلّ الألغاز!
في إسبانيا، تحوّلت كتب التسلية والألغاز الموجّهة للبالغين إلى ظاهرة حقيقية في سوق النشر. ومن أشهر نماذجها كتاب “موردوكو” (Murdoku)، وهو مزيج فريد بين لعبة السودوكو والملفات الجنائية، حيث يتعيّن على القارئ تجميع الخيوط والأدلّة للوصول إلى القاتل.
بلغت شعبية “موردوكو” حدّاً بيع فيه أكثر من 140 ألف نسخة في إسبانيا وحدها، بل إن بعض المكتبات باتت تنظّم مسابقات لحلّ هذه الألغاز. وفي كل ملف من ملفاته، يوضع المشتبه فيهم في جدول، ويتعيّن على القارئ، بالاعتماد على المنطق واستبعاد الخيارات الخاطئة، أن يكشف هويّة القاتل.
لكن “موردوكو” لا يمثّل إلا نجاحاً واحداً وسط موجةٍ أكبر؛ فدار النشر “بلاكي بوكس” أوصلت سلسلة كتب التسلية للبالغين التي تصدرها إلى مجلّدها الرابع عشر، وبحسب إعلان الناشر، فقد تجاوز إجمالي مبيعات هذه السلسلة 250 ألف نسخة. وتتنوّع محتويات هذه الكتب بين الموسيقى والسينما والأدب والرياضة والعلوم والثقافة الشعبية.
وحتى كتب الألغاز الجنائية نالت مكانةً خاصة في هذه الموجة. فسلسلة “موردل” (Murdel) تقدّم للقارئ ملفّاتٍ حول المشتبه فيهم والأسلحة ومسرح الجريمة، لتتيح له، من خلال مطابقة الأدلة، تحديد الجاني. كما دخلت نسخٌ من ألغاز أجاثا كريستي هذا السوق أيضاً، بحيث يجد القارئ نفسه، عملياً، في موقع المحقّق بدلاً من كونه مجرّد متابعٍ لقصةٍ بوليسية.
والنقطة الجوهرية هنا هي أنه لا يمكن اعتبار هذا الأمر مجرّد حنينٍ عابرٍ إلى الماضي. فالجيل الحالي يعيش أكثر من أي جيل سبقه في ظلّ الشاشات؛ من العمل والتعليم إلى التسلية والتواصل مع الآخرين. ولهذا السبب، أصبحت أيّ تسلية لا يحضر فيها الهاتف المحمول، ولا الإنترنت، ولا سيل الإشعارات اللامتناهي، تجربةً مختلفةً بالنسبة إلى كثيرين.
وفي الواقع، تُعدّ ظاهرة “كتب النشاط” جزءاً من عودةٍ أوسع للتسلية التقليدية (الأنالوجية): من حلّ الكلمات المتقاطعة والألغاز الصورية، إلى الرسم والحياكة والتطريز والكتابة على الورق. وتكمن جاذبية هذه الأنشطة في بساطتها؛ فلساعاتٍ معدودة، لا وجود للتمرير اللامتناهي، ولا لإشعارات وسائل التواصل الاجتماعي، ولا للخوارزميات التي تقترح باستمرار محتوىً جديداً.
والأكثر إثارةً للاهتمام أن الهاتف المحمول، بكل ما يملكه من قوة، لم يتمكّن من محو هذه الأنشطة تماماً. بل على العكس، بات جزءٌ من المجتمع يسعى، عن وعيٍ منه، إلى الابتعاد عن الشاشة؛ ليس إلى الأبد، بل من أجل استعادة السيطرة على جزءٍ من وقته واهتمامه.
ولهذا، يمكن اعتبار عودة الألغاز والكتب الورقية علامةً على إرهاقٍ ثقافيٍّ أعمق؛ إرهاقٍ من عالمٍ صارت فيه حتى بضع دقائق من الصمت والانقطاع عن شاشة الهاتف سلعةً نادرة.
وقد يكون، في نهاية المطاف، أغرب منافسٍ للهاتف الذكي ليس تقنيةً جديدة، بل ذلك الشيء الذي كنّا نظنّ أنه هُزم منذ سنواتٍ خلت: قطعة ورق، وقلم رصاص، ولغزٌ لم يُحلّ بعد.
