الوقت - تنعقد قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك بحضور قادة الصين وروسيا وإيران والهند، في خضم مساعٍ حثيثة تبذلها المنظمة ذاتها لتوطيد أركان دورها في عالم متعدد الأقطاب. وفي الوقت ذاته، غدا اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في مدينة آشفيل الأمريكية، بمبادرة من واشنطن، مسرحاً للتباحث حول إحكام طوق العقوبات المفروضة على إيران.
من فرض العقوبات على إيران إلى حرب الشرايين الاقتصادية
تتسم المرحلة الجديدة من حملة الضغوط الأمريكية ضد إيران، باختلاف جوهري عن العقوبات التقليدية. فلم يعد طموح واشنطن مقتصراً على استهداف الأفراد والشركات الإيرانية؛ بل غدا الهدف الأسمى يتمثل في الإطاحة باللاعبين الأجانب الذين يشرعون أبواب التجارة أمام إيران، وهذا تحول بالغ الأهمية.
في الواقع، لا تؤتي العقوبات المباشرة أُكلها إلا طالما عجزت طهران عن إيجاد مسارات بديلة لبيع النفط، وتحويل الأموال، والنقل، والتأمين، وتأمين السلع، والاستثمار. وعليه، تسعى أمريكا الآن لضرب “الحلقة الثانية”: البنوك، وشركات الشحن، والمصافي، والوسطاء التجاريين، والمؤسسات المالية الأجنبية.
بل إن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، لوّح بفرض عقوبات ثانوية جديدة أسبوعياً، وطالبت واشنطن الدول بتقليص علاقاتها الاقتصادية مع طهران. مما يعني أن بوصلة الضغوط تتحول من معاقبة إيران إلى معاقبة كل من يمدّ لها يد العون، ومن هنا، تتجلى الأهمية البالغة لمنظمة شنغهاي.
ما هي الغاية الحقيقية لإيران في شنغهاي؟
لا تبحث طهران عن مظلة أمنية من الصين وروسيا؛ فتوقعٌ كهذا من منظمة شنغهاي للتعاون يجافي الواقعية. غير أن القضية الأهم تكمن في حصد ظهير سياسي واقتصادي كفيل بالحد من تداعيات العقوبات الثانوية الأمريكية.
وتتطلع إيران إلى ثلاثة مستويات من التعاون:
المستوى الأول: السياسي
تحتاج طهران إلى وقوف الصين وروسيا سداً منيعاً أمام المحاولات الأمريكية الرامية لتحويل الضغط الاقتصادي الأحادي إلى إجماع دولي. وتكتسب هذه المسألة أهميةً مضاعفةً في ظل مساعي واشنطن الحثيثة لإقناع الاقتصادات الكبرى الأخرى بأن التعاون الاقتصادي مع إيران سيجلب لها أثماناً باهظةً.
المستوى الثاني: الاقتصادي
تسعى إيران جاهدةً للحفاظ على القنوات التي تتيح لها ضخّ نفطها وطاقتها وسلعها نحو الأسواق الآسيوية وتوسيع نطاقها، دون أن تضطر لتمرير هذه التبادلات عبر أروقة النظام المالي الخاضع لهيمنة الدولار وقبضة أمريكا. ويتزايد الثقل الديموغرافي والاقتصادي لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) بوتيرة متسارعة؛ إذ يشكّل أعضاؤها 42% من سكان العالم، و36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي استناداً إلى تعادل القوة الشرائية. ومنذ قمة “خماسية شنغهاي”، مضت المنظمة قدماً نحو توسيع مظلتها بضمّ أعضاء جدد، حيث التحقت بها الهند وباكستان عام 2017، وإيران عام 2023، وبيلاروسيا عام 2024. وقد توسع جدول أعمالها ليتجاوز إدارة الحدود، ليشمل التعاون الاقتصادي، والترابط، والتجارة، والاستثمار؛ مما يدلل على المكانة الحاسمة لهذه المنظمة في المسير نحو كسر الهيمنة المالية الغربية وتكريس التعددية القطبية.
وعليه، فإن التفاتة إيران نحو شنغهاي لا تقتصر على معضلة بيع النفط فحسب. بل إن الجوهر يكمن في خلق سلسلة متكاملة الحلقات: الإنتاج ← البيع ← النقل ← التأمين ← استلام الأموال ← التسوية ← استيراد السلع.
فإذا ما أقدمت أمريكا على سدّ إحدى هذه الحلقات، أُصيبت عجلة التجارة بالشلل. لذلك، فإن مبتغى طهران في شنغهاي لا يقف عند حدّ زيادة المشتريات النفطية الصينية، بل يمتد ليشمل ضمان “مناعة ومرونة” سلسلة التجارة الخارجية الإيرانية برمتها.
المستوى الثالث: الاستراتيجي
ترغب إيران في توجيه رسالة مفادها أن الضغوط الأمريكية لا تعني عزلتها. فعضويتها في منظمة شنغهاي للتعاون، وتواجدها المتزامن في آليات مثل مجموعة “بريكس”، يمنح طهران القدرة على نقل العمود الفقري لعلاقاتها الاقتصادية نحو الشرق والاقتصادات غير الغربية. غير أن ثمة نقطةً جوهريةً يجب التوقف عندها: منظمة شنغهاي لم تتبلور بعد كـ “تحالف مناهض للعقوبات”. ومن ثم، فإن نجاح طهران في أروقتها يبقى مرهوناً بمدى قدرتها على ترجمة التقارب السياسي إلى آليات اقتصادية فاعلة على أرض الواقع.
لماذا توجّهت واشنطن إلی “مجموعة العشرين” في التوقيت ذاته تحديداً؟
لا يمكن اعتبار هذا التزامن مجرد صدفة عابرة في صفحات التقويم. فمجموعة العشرين هي المنتدى الذي تصوغ فيه كبريات اقتصادات العالم، وبنوكها المركزية، ووزراء ماليتها، قراراتها الجوهرية في الشأنين المالي والاقتصادي. وإذا كانت مجموعة العشرين تمثّل لأمريكا ساحةً لتضييق الخناق على منافذ التنفس الاقتصادي لإيران، فإن شنغهاي تُمثل للجمهورية الإسلامية حاضنةً لتطوير مساراتها البديلة.
ترمي واشنطن إلى نقل الملف الإيراني من مربع “العقوبات الأمريكية” إلى دائرة “مخاطر التعاون مع إيران”، وهذا فرق له ما بعده. فإذا ما أدرك بنك صيني أو هندي أن التعامل مع إيران قد يعصف بإمكانية وصوله إلى الدولار، أو السوق الأمريكية، أو النظام المالي الدولي؛ فإنه قد يبادر من تلقاء نفسه لقطع التعاون، حتى وإن لم يكن ملزماً قانوناً بالانصياع للعقوبات الأمريكية.
وهذا هو مربط الفرس بالنسبة لأمريكا: ليس شرطاً أن تُذعن كافة الدول لعقوباتها، بل يكفي أن ترتعد من كلفة انتهاكها. وتشير التقارير الصادرة مؤخراً حول قمة مجموعة العشرين، إلى أن واشنطن تمارس ضغوطاً لدفع الدول نحو مزيد من الامتثال للعقوبات المفروضة على إيران، ملوّحةً بعصا العقوبات الثانوية.
غير أن معضلة أمريكا الكبرى تتلخص في الصين. وهنا تتجلى نقطة الاصطدام الحقيقية بين شنغهاي ومجموعة العشرين. فإذا ما أرادت واشنطن تطبيق سياستها الجديدة بحذافيرها، فسوف تجد نفسها آجلاً أم عاجلاً وجهاً لوجه أمام الصين؛ لكون الأخيرة إحدى أهم الشرايين المتبقية لتجارة الطاقة الإيرانية. وبناءً عليه، تصطدم الاستراتيجية الأمريكية بمعادلة بالغة التعقيد: المزيد من الضغط على إيران ← المزيد من الضغط على مشتري النفط الإيراني ← الضغط على الصين ← احتدام التنافس الأمريكي الصيني.
ولا تملك واشنطن ترف غضّ الطرف عن هذه السلسلة المتشابكة. ولهذا السبب، لا تعد قمة مجموعة العشرين بالنسبة لأمريكا مجرد اجتماع مكرّس لمناقشة الشأن الإيراني، بل هي اختبار لمدى قدرة واشنطن على توظيف سطوة الدولار المالية ضد اقتصادات لا تدور بالضرورة في فلك سياستها الخارجية.
بل إن التقارير الحديثة أكدت أن التنفيذ الصارم لسياسة العزل الاقتصادي لإيران، دون الدخول في صدام مع الصين بصفتها المشتري الأول للنفط الإيراني، سيكون ضرباً من العسر؛ سيما وأن بكين صرّحت برفضها الانصياع لركب العقوبات الأمريكية الأحادية.
الهند: لاعبٌ محوريّ عصيّ على التنبؤ
ثمة متغير مهم آخر في هذه المعادلة، ألا وهو الهند. فالهند تسجّل حضورها في منظمة شنغهاي وفي مجموعة العشرين على حد سواء. وهذا يعني أن نيودلهي تقف عملياً على طرفي المعادلة، غير أنها في السنوات الأخيرة، وتحت وطأة احتدام التنافس مع الصين وروسيا والضغوط الوافدة من واشنطن، باتت تميل لتعزيز روابطها الاقتصادية مع الغرب.
ومع ذلك، لا تُعد الهند حليفاً لإيران ولا للولايات المتحدة بالمفهوم الكلاسيكي للتحالف. فبوصلة المصالح الهندية هي التي تحدّد مدى اصطفافها مع واشنطن، أو موسكو، أو بكين، أو طهران في كل ملف على حدة. فالهند متعطشة للطاقة، ولمسارات العبور (الترانزيت)، وللوصول إلى آسيا الوسطى. ولتحقيق هذه الغاية، يكتسب الممر الإيراني، لا سيما ميناء تشابهار، أهميةً مفصليةً، في الوقت الذي تحرص فيه نيودلهي على صون علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا.
وعليه، فإن إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن تستخلصها طهران من أروقة قمة شنغهاي تتجلى في التساؤل التالي: كيف السبيل لتحويل الهند من مجرد لاعب مراقب إلى تُرس فاعل في آلة الشبكة الاقتصادية غير الغربية؟ فإذا ما تحقق هذا السيناريو، ستغدو الضغوط الأمريكية أشدّ تعقيداً؛ لأن الشبكة الاقتصادية الإيرانية لن تظل حبيسة المحور الصيني الروسي.
ما الذي تصبو إليه روسيا؟
عند تحليل هذه المسألة، ينبغي ألا نختزل الدور الروسي في بوتقة العلاقات الوثيقة والتحالف الثنائي بين البلدين، بل إن لموسكو، في جوهر الأمر، مصالح حيوية في عدم الانجرار وراء ركب العقوبات المناهضة لإيران. فروسيا نفسها تقف في صدارة الأهداف التي تصوّب نحوها سهام العقوبات الغربية، وقد راكمت على مدار سنوات خبرات واسعة في شقّ مسارات بديلة للتجارة والمدفوعات وتصدير الطاقة. ومن ثم، يمكن أن يأخذ التعاون الروسي الإيراني طابع نقل تجارب “المقاومة الاقتصادية” في وجه جدار العقوبات.
لکن لروسيا مصلحة جيوسياسية أعمق؛ فإذا نجحت أمريكا في تطويع أدواتها المالية لتكبيل التجارة الإيرانية مع الصين وروسيا، فإن هذا النمط قد يُشهر في وجه موسكو ذاتها في قادم الأيام. ومن هذا المنظور، فإن مقاومة العقوبات الثانوية المفروضة على إيران لا تمثّل لروسيا مجرد “شأن إيراني”، بل هي معركة للحفاظ على مساحة المناورة الاقتصادية للدول غير الغربية في مواجهة هيمنة النظام المالي الأمريكي.
وبناءً على ما تقدم، فإن القمتين تعرضان، في واقع الأمر، نموذجين متباينين للنظام العالمي: ففي شنغهاي، تسعى الصين وروسيا لرسم ملامح عالمٍ تتوزع فيه مقاليد القوة الاقتصادية والسياسية بين أقطاب عدة؛ أما في مجموعة العشرين، فلا تزال أمريكا تستميت لإثبات أن سطوة الدولار، والسوق الأمريكية، والشبكة المالية الغربية، قادرة على توجيه بوصلة سلوك الدول الأخرى، حتى في ظل عالم متعدد الأقطاب.
وهنا تتشكل مفارقة في غاية الأهمية: تمتلك أمريكا ترسانةً عسكريةً وماليةً جبارةً، لكنها تقف في حاجة ماسة لتعاون الآخرين لإنفاذ عقوباتها. وفي المقلب الآخر: تملك الصين وروسيا القدرة على معارضة أمريكا، لكنهما تفتقران حتى اللحظة إلى القدرة الكافية لإيجاد بديل كامل وشامل للنظام المالي والتجاري الغربي.
لذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين “الشرق والغرب” بمفهومها الكلاسيكي، بل إن رحى المعركة تدور حول تساؤل جوهري: من يملك القدرة على رفع فاتورة “عدم الامتثال” لسياسته على كاهل الآخرين؟
القضية المحورية ليست إيران، بل “هندسة ما بعد العقوبات”
في المحصلة، لا ينبغي اختزال أهمية هاتين القمتين في إطار دعم الصين وروسيا لإيران أو مساعي أمريكا لمعاقبتها؛ فالقضية أعمق من ذلك بكثير. تختبر أمريكا فرضيةً مفادها أنه حتى وإن ولّت إيران وجهها نحو الشرق، فإنه لا يزال بالإمكان الاستعانة بسلاح الدولار، والسوق الأمريكية، والعقوبات الثانوية، لرفع كلفة هذا التحول.
وفي المقابل، تستميت إيران لإثبات إمكانية ربط اقتصادٍ يرزح تحت وطأة العقوبات بشبكة من الشركاء الشرقيين، ومسارات تجارية بديلة، وعملات غير غربية، وآليات تفلت من قبضة واشنطن. ولهذا السبب، يجب النظر إلى منظمة شنغهاي ومجموعة العشرين كساحتين لمعركة واحدة: المعركة على مستقبل النظام الاقتصادي العالمي.
