الوقت - تأتي زيارة الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى العاصمة “بيشكيك” في خضم ظروف بالغة الدقة، حيث دخلت الضغوط الاقتصادية الأمريكية على طهران منعطفاً جديداً. فقد أعلنت واشنطن عن عزمها فرض عقوبات ثانوية مستحدثة تستهدف الشبكات المالية المرتبطة بإيران، لتطال حتى البنوك والمؤسسات المالية التي تتعامل معها. وفي ظل هذا المشهد، تكتسب عضوية إيران في منظمة تعاون شنغهاي أهميةً مضاعفةً تفوق أي وقت مضى.
وقد حطّ بزشكيان رحاله في بيشكيك يوم الاثنين للمشاركة في قمة قادة منظمة تعاون شنغهاي واجتماع “شنغهاي بلس”؛ تلك القمة التي تجمع تحت مظلتها قادة كل من الصين وروسيا والهند وإيران، إلى جانب سائر الدول الأعضاء.
وفي هذا السياق، يرى الكثيرون أن منظمة شنغهاي قادرة على مدّ يد العون لإيران لتخفيف وطأة العقوبات الأمريكية. وفي حقيقة الأمر، لا تقف “شنغهاي” عند حد كونها “درعاً واقياً من العقوبات”، بل تتجاوز ذلك لتخلق “شبكةً بديلةً” لإيران؛ شبكة تتحرر فيها قطاعات التجارة والطاقة والنقل والاستثمار، وجزء من التبادلات المالية، من قيود التبعية المفرطة للنظام المالي الأمريكي والدولار.
منظمة شنغهاي… الجذور والنشأة
أبصرت منظمة تعاون شنغهاي النور في عام 2001، غير أن جذورها تمتد إلى مجموعة “خماسية شنغهاي” التي تشكلت نواتها في عام 1996 بمشاركة الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان. وفي عام 2001، انضمت أوزبكستان إلى هذا الركب، ليتم الإعلان رسمياً عن تأسيس “منظمة تعاون شنغهاي”. انصبت الأهداف الأولى للمنظمة في قوالب أمنية بالأساس، متضمنةً مكافحة الإرهاب، والتطرف، والانفصالية، والتهديدات العابرة للحدود. غير أن المنظمة سرعان ما تطورت تدريجياً، متجاوزةً عباءتها كآلية أمنية في آسيا الوسطى، لتغدو منظومةً أوسع نطاقاً للتعاون السياسي والاقتصادي وقطاعات الطاقة والنقل.
ففي عام 2017، انضمت الهند وباكستان إلى عضويتها، ونالت إيران العضوية الكاملة في عام 2023، ولحقت بها بيلاروسيا في عام 2024، ليصبح قوام المنظمة اليوم عشر دول أعضاء. ويحمل هذا التحول في طياته أهميةً استثنائيةً لإيران؛ إذ لم تعد طهران مجرد عضو مراقب أو شريك في الحوار، بل أضحت عضواً كامل العضوية، ينخرط بفعالية في صميم آليات المنظمة.
من منظمة أمنية إلى منصة اقتصادية
لا تزال منظمة شنغهاي بعيدةً عن كونها حلفاً عسكرياً على غرار “الناتو”، ولا تحكم أعضاءها معاهدات دفاع مشترك لصد الهجمات. ومع ذلك، يظل الهاجس الأمني أحد الركائز الأساسية لعملها؛ حيث يُعد التعاون في مكافحة الإرهاب، والتصدي للتطرف والانفصالية، ومحاربة الجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود، من أبرز ميادين نشاطها. لکن كفة الاقتصاد قد رجحت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مكتسبةً أهميةً بالغةً.
فقد تبلورت داخل الهيكل التنظيمي لـ “شنغهاي” آليات للتعاون الوثيق في مجالات التجارة، والاستثمار، والنقل، والطاقة، والزراعة، والصناعة، والجمارك، والشؤون المالية. بل وتنشط فيها لجنة متخصصة تعكف على زيادة حصة العملات الوطنية في التبادلات التجارية بين الدول الأعضاء.
ورقة إيران الرابحة: تجارة متحررة من قيود الدولار
من أبرز الوظائف الجوهرية لمنظمة شنغهاي، هو التوجه الحثيث نحو التجارة الخالية من الدولار. فقد تبنت المنظمة منذ سنوات برنامجاً يهدف إلى تعزيز استخدام العملات الوطنية في التبادل التجاري بين أعضائها. وفي عام 2022، تم إقرار خارطة طريق لهذا المسار، حيث انخرطت البنوك المركزية والمؤسسات المالية التابعة للدول الأعضاء في رسم آليات للدفع والتسوية تنأى عن التبعية المطلقة للدولار. وفي هذا المجال، سجّل البنك المركزي الإيراني في عام 2023 حضوره الأول في اجتماع اللجنة المتخصصة المعنية بهذا الشأن. وعليه، فإن منظمة شنغهاي تُمثل لطهران بوابةً لتوسيع آفاق التجارة باستخدام الريال، واليوان، والروبل، والروبية، وغيرها من العملات المحلية.
ومن زاوية أخرى، إذا نجحت إيران في تحويل قسم أكبر من تجارتها نحو دول كالصين وروسيا والهند وباكستان ودول آسيا الوسطى، واستعانت بالتوازي مع ذلك بالعملات الوطنية وآليات التسوية الإقليمية وشبكات النقل غير الغربية، فإن قدرة واشنطن على فرض عزلة اقتصادية خانقة عليها ستتراجع بشكل ملحوظ.
الأهمية المزدوجة لـ “شنغهاي”… ثقل اقتصادي ووزن سياسي
تحتضن الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي ما يقرب من نصف سكان العالم، ويُقدر إجمالي ناتجها المحلي بأكثر من 23 تريليون دولار. كما تستحوذ هذه المنظومة على مساحة شاسعة من رقعة أوراسيا، وما تزخر به المنطقة من موارد طاقة وثروات معدنية وصناعية. وهذا التموضع يعني بالنسبة لإيران الانخراط في سوق آسيوية عملاقة. فالصين اليوم تقف على رأس الشركاء التجاريين لإيران، في حين تبرز الأهمية الاستراتيجية لروسيا في قطاعات الطاقة والنقل والتعاون الاستراتيجي.
وتمثّل الهند بدورها سوقاً متعطشةً للطاقة وشريكاً حيوياً في مشاريع العبور الإيرانية. كما أن باكستان ودول آسيا الوسطى قادرة على لعب دور محوري في دفع عجلة التجارة الإقليمية لطهران. بناءً على ذلك، يأتي الحضور الإيراني في أروقة “شنغهاي” ليتوج ويكمل سياسة “التوجه شرقاً” التي تنتهجها طهران.
علاوةً على ذلك، تتمثل إحدى أبرز المزايا التي تجنيها إيران من “شنغهاي”، في الموقع الجغرافي لدولها الأعضاء. فإيران تتربع على نقطة التقاطع الاستراتيجية التي تربط الخليج الفارسي بآسيا الوسطى وروسيا والقوقاز وشبه القارة الهندية. ومن شأن مشاريع ضخمة، كممر “الشمال-الجنوب” الدولي، وشبكات السكك الحديدية الرابطة بين إيران وآسيا الوسطى، فضلاً عن التناغم مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، أن تضاعف من الأهمية الجيواستراتيجية لإيران في شرايين النقل الأوراسية.
وتُولي منظمة شنغهاي ذاتها اهتماماً بالغاً بتوسيع نطاق التعاون في قطاع النقل وربط المشاريع الإقليمية الكبرى، حيث أعلنت دعمها لدمج مبادرة “الحزام والطريق” بالمشاريع الأوراسية وممر “الشمال-الجنوب”. ويُعد هذا المعطى بالغ الأهمية بالنسبة لإيران؛ فكلما ترسخت مكانة الدول كشرايين عبور حيوية، زادت صعوبة إقصائها وتهميشها من شبكة التجارة الإقليمية.
وعلى الصعيد السياسي، صرّح وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي في يوليو/تموز 2026 برفضهم القاطع للإجراءات الاقتصادية الأحادية والقسرية، معتبرين أنها تضرب في صميم التعاون الاقتصادي الدولي. بل وفي مارس/آذار 2026، أصدرت منظمة تعاون شنغهاي بياناً رسمياً إثر هجمات عسكرية استهدفت إيران، شددت فيه على سيادة إيران وأمنها ووحدة أراضيها. وخلاصة القول، إن منظمة شنغهاي لا تُمثل لإيران مجرد سوق واعدة فحسب، بل هي منبر سياسي قوي يصدح بصوتها.
