الوقت - عن عمر ناهز 79 عاماً، توفي مساء اليوم الاثنين في القدس، الفنان التشكيلي الفلسطيني، سليمان منصور، بعد مسيرة فنية امتدت لأكثر من 5 عقود، ارتبطت خلالها أعماله بالأرض والهوية والذاكرة الفلسطينية.
ويُعدّ منصور أحد أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية الفلسطينية، واشتهر على نطاق واسع بلوحته "جمل المحامل" التي أنجزها للمرة الأولى عام 1973، وتصوّر رجلاً فلسطينياً مسناً يحمل مدينة القدس على ظهره، قبل أن تتحول هذه اللوحة مع مرور السنوات إلى واحدة من أبرز الأيقونات البصرية الفلسطينية.
ومن بين أبرز أعماله أيضاً "عروس الوطن"، و"ابنة القدس"، و"صبرا وشاتيلا"، و"طقوس تحت الاحتلال"، و"ذاكرة الأمكنة".
وحضرت في أعماله شخصيات الفلاحين والنساء بالثياب المطرزة، وأشجار الزيتون والبرتقال، والقرى الفلسطينية، إلى جانب رموز المفتاح والسجن والحواجز ومفردات الحياة اليومية تحت الاحتلال.
وفي مقابلة سابقة مع "الميادين الثقافية" عام 2023، تحدث منصور عن ارتباط فنه بالناس والقضية الفلسطينية، مؤكداً أنه لا يستطيع إنتاج شيء منفصل عن مجتمعه، وقال: "أنا واحد من الناس، وآمالهم هي آمالي".
كما رأى منصور (1947 – 2026) في المقابلة نفسها أن الفن التشكيلي الفلسطيني لا يمكن فصله عن السياسة والقضية، معتبراً أن مجرد كون الفنان فلسطينياً يجعل فنه مرتبطاً بهذا الواقع، حتى لدى من يحاولون الابتعاد عن العمل السياسي. وشدد على ضرورة بقاء الفنان على صلة بالمجتمع والناس، حتى لا يصبح فنه خالياً من المعنى.
وخلال الانتفاضة الأولى، شارك منصور في تأسيس جماعة "نحو التجريب والإبداع" التي اعتمدت على استخدام المواد المحلية في العمل الفني استجابة للمقاطعة الاقتصادية. واتجه منصور حينها إلى استخدام الطين، فيما استخدم فنانون آخرون مواد طبيعية مثل الجلد والحناء، في تجربة هدفت إلى التعبير عن روح الانتفاضة والاعتماد على الذات.
وُلد سليمان منصور في بير زيت وقضى جزءاً من طفولته ومراهقته في مدرستين داخليتين في بيت لحم وبيت جالا. وكان قد وصف بير زيت في مقابلته مع "الميادين الثقافية" بأنها "جنّتي كطفل"، مستعيداً ذكرياته في أرض عائلته وبين عيون المياه وأشجار الزيتون التي تركت أثراً طويل الأمد في تجربته.
عمل منصور مدرّساً للفنون ورسّاماً للكاريكاتور السياسي، كما شارك في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، و"غاليري 79"، ومركز الواسطي للفنون في القدس، والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين. وأقام خلال مسيرته معارض فردية في رام الله ونيويورك والشارقة والنرويج والقاهرة، كما ساهم في توثيق الأزياء والتطريز الشعبي الفلسطيني.
ونال الراحل عدداً من الجوائز خلال مسيرته، من بينها "جائزة فلسطين للفنون التشكيلية" عام 1998، و"جائزة اليونسكو - الشارقة للثقافة العربية" عام 2019، و"جائزة النيل للمبدعين العرب" عام 2025.
وفي عام 2024، أنجز للمتحف الفلسطيني جداريته الدائمة "على جناح ملاك" مستخدماً الطين والتبن والحناء.
وقبل أيام من رحيله، أطلقت "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" و"مركز يبوس الثقافي" في القدس كتاب "على درب الغول، سيرة غيرية: مذكرات سليمان منصور"، الذي أعدّته رنا عناني استناداً إلى مقابلات مطوّلة أجرتها معه بين عامي 2020 و2023.
ونعت جهات رسمية وأهلية، إلى جانب مثقفين وفنانين، الراحل منصور، حيث وصف الرئيس الفلسطيني محمود عباس رحيله بأنه "خسارة كبيرة للفن والثقافة الفلسطينية"، فيما أكدت وزارة الثقافة الفلسطينية أن تجربة منصور الفنية "شكّلت جزءاً من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية".
كما نعته جامعة بيرزيت، مذكرة بعلاقته الخاصة بالجامعة، وبكونه من أبناء بيرزيت، وبأعماله الموجودة ضمن مجموعة متحف الجامعة، وكذلك "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى".
من جهته، قال التشكيلي الفلسطيني، نبيل عناني، ناعياً منصور: "عشت مع سليمان سنوات طويلة من الصداقة والعمل والفن"، مؤكداً أن الراحل سيبقى حاضراً في أعماله وفي الذاكرة الفلسطينية.
