الوقت- نقلت وكالة تاس للأنباء عن نائب رئيس الوزراء الروسي، مرات خوسنولين، يوم الخميس، أن على موسكو النظر في إنشاء خط سكة حديد جديد يربطها بالمحيط الهندي؛ وهو مسار يهدف إلى الحد من المخاطر الناجمة عن احتمال تعطل الملاحة عبر مضيقي البوسفور وهرمز. وأشار إلى أن هذا المسار البديل يمكن أن يمر عبر تركمانستان وإيران وأفغانستان وباكستان.
ممر بدأ عام 2000
لا تعني تصريحات خوسنولين بدء مشروع جديد كليًا، بل تأتي في إطار "الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب" (INSTC)، وهو مشروع وقّعته روسيا وإيران والهند عام 2000. ووفقًا لوكالة تاس، يمتد الممر من سانت بطرسبرغ في روسيا إلى ميناء مومباي الهندي، بطول يقارب 7200 كيلومتر، رابطًا البلدين عبر شبكة من خطوط السكك الحديدية والطرق البرية والبحرية التي تمر عبر إيران وأذربيجان وبحر قزوين.
بدلًا من الإشارة إلى إنشاء ممر جديد كليًا، تبدو تصريحات خوسنولين محاولة لتوسيع الممر الحالي بإضافة فرع بري على الطريق الشرقي عبر آسيا الوسطى، بهدف تقليل اعتماده الكلي على الطريق الحالي عبر إيران وأذربيجان.
لماذا الآن؟
ازدادت أهمية هذه المشاريع بالنسبة لروسيا بشكل ملحوظ بعد فرض عقوبات غربية واسعة النطاق في أعقاب الحرب الأوكرانية. بحسب صحيفة "موسكو تايمز"، ينظر الكرملين إلى هذه الممرات كوسيلة لتعويض تراجع التجارة مع أوروبا وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الأسواق الآسيوية، ولا سيما الهند، التي تُعدّ من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم.
كما يعكس إشارة خوشنولين إلى مضيقي البوسفور وهرمز اهتمامًا استراتيجيًا. فمضيق البوسفور هو الممر البحري الوحيد لروسيا من البحر الأسود إلى أعالي البحار، ومنذ اندلاع الحرب الأوكرانية، فرضت تركيا قيودًا على مرور السفن الحربية عبر هذا الممر. في المقابل، يُعدّ مضيق هرمز أيضًا من أهم الممرات للتجارة العالمية وصادرات الطاقة من الخليج الفارسي، وهو عرضة باستمرار للتوترات الأمنية الإقليمية. لذا، تسعى موسكو إلى إنشاء طريق بري بديل يقلل من اعتمادها على هذين الممرين الجيوسياسيين.
لا تزال هناك عقبات
على الرغم من التقدم المُحرز، لا يزال ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب غير مُفعّل بالكامل. بحسب "مركز أبحاث الخليج الفارسي"، لم يكتمل مشروع خط سكة حديد رشت-أستارا في شمال إيران إلا بنسبة 75% تقريبًا من حيث البنية التحتية. ويُعدّ عدم اكتمال هذا الخط، الذي يُطلق عليه برنامج "محور آسيا" الروسي اسم "الحلقة المفقودة" في ممر الشمال-الجنوب، العقبة الأبرز.
وقّعت إيران وروسيا عقدًا في يوليو/تموز 2023 لإنشاء خط سكة حديد بطول 162 كيلومترًا يربط بين مدينتي رشت وأستارا، قرب الحدود مع أذربيجان، إلا أن المشروع لا يزال قيد الإنشاء، وقد تأخر تشغيله.
وتعود هذه التأخيرات بشكل رئيسي إلى مشاكل مالية وفنية. ووفقًا لمركز ستيمسون، فقد حرم عدم اكتمال خط سكة حديد رشت-أستارا إيران من عائدات نقل نحو 7 ملايين طن من البضائع و600 ألف مسافر سنويًا. إضافةً إلى ذلك، تم إخراج ما يقارب نصف عربات الشحن والركاب البالغ عددها 900 عربة من الخدمة بسبب نقص قطع الغيار.
كما تشير دراسة نُشرت في مجلة "ناشونال إنترست" إلى أن تكلفة التنفيذ الكامل لممر الشمال-الجنوب تتجاوز 38 مليار دولار، ومن المُستهدف تشغيله بالكامل بحلول عام 2030. إلا أن العقوبات الغربية، والقيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي، وظروف التمويل غير المواتية في روسيا، تُشكل تحدياتٍ جسيمة أمام تطوير هذا الممر، فضلاً عن البنية التحتية لموانئ بحر قزوين.
في ظل هذه الظروف، تبدو خطة توسيع الممر إلى المحيط الهندي عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان أقرب إلى رؤية طموحة منها إلى مشروع قيد التنفيذ؛ إذ لم يكتمل المشروع الرئيسي بعد، فضلاً عن أن أفغانستان، باعتبارها إحدى نقاط الوصل في هذا المسار، تفتقر إلى بنية تحتية متطورة للسكك الحديدية، وتُعاني من مشاكل أمنية وسياسية واسعة النطاق.
الحاجة إلى تمويل مستدام
ووفقًا لوكالة رويترز، صرّح خوسنولين بأن قطاع البناء في روسيا بحاجة إلى تمويل طويل الأجل، مُضيفًا أن القطاع لديه القدرة على جذب استثمارات جديدة تُقدّر بنحو تريليون روبل سنويًا. بحسب قوله، إذا تم تأمين هذه الأموال خلال السنوات الخمس المقبلة، فسيكون من الممكن زيادة القدرات الإنتاجية وتسريع تنفيذ مشاريع البناء. وتُظهر هذه التصريحات أن تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى، بما في ذلك خط السكة الحديد المقترح إلى المحيط الهندي، يعتمد بالدرجة الأولى على الحصول على تمويل مستدام وطويل الأجل.
هرمز: فرصة لاستعادة الميزة الجيوسياسية لممر الشمال-الجنوب.
تأتي إعادة تخطيط هذا المسار في وقتٍ بلغت فيه الأزمات الأمنية في مضيق هرمز والبحر الأحمر ذروتها، ما أدى إلى تصاعد التنافس بين ممرات النقل الرئيسية. ففي السنوات الأخيرة، كلما تصاعدت التوترات العسكرية في الخليج الفارسي أو باب المندب، عادت قضية أمن سلاسل التوريد العالمية إلى الواجهة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار تركيز المسؤولين الروس على ضرورة إنشاء مسارات بديلة مجرد قرار تقني أو اقتصادي، بل هو جزء من تنافس جيوسياسي للسيطرة على طرق التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى تقديم ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب كبديلٍ موثوقٍ به لمشروع "ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، وهو مشروعٌ صُمم بدعمٍ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، ويهدف إلى ربط الهند بموانئ الخليجية، ومن ثم، عبر شبكة سكك حديدية، بموانئ البحر الأبيض المتوسط وأوروبا. من وجهة نظر روسيا، لا يقتصر نجاح الممر الاقتصادي بين إيران وأوروبا (IMEC) على تقويض مكانة الممر الشمالي-الجنوبي التقليدية فحسب، بل قد يُحوّل جزءًا من التجارة بين آسيا وأوروبا عبر طرق خارجة عن نفوذ موسكو.
في ظل هذه الظروف، فإن أي تصاعد في انعدام الأمن في مضيق هرمز، رغم أنه سيرفع تكاليف النقل والتأمين لجميع الطرق في المنطقة على المدى القصير، قد يُعزز في الوقت نفسه حافز الدول لتطوير طرق برية متنوعة وتقليل الاعتماد على المعوقات البحرية. من هذا المنطلق، تسعى روسيا إلى زيادة مرونة الممر الشمالي-الجنوبي عبر استحداث فروع جديدة، بما في ذلك الطريق المقترح عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان، وجعله خيارًا أكثر جاذبية للشركاء الآسيويين، ولا سيما الهند، في منافسة مع الممر الاقتصادي بين إيران وأوروبا.
مع ذلك، لا تقتصر الميزة الاستراتيجية لروسيا على إنشاء طريق بديل، بل ترتبط أيضًا بالاستفادة من الموقع الجغرافي لإيران. وخلافًا للاعتقاد السائد، لا يعتمد الممر الشمالي-الجنوبي كليًا على موانئ الخليجية؛ بل إن ميناء تشابهار المطل على بحر مكران، والواقع خارج مضيق هرمز، يوفر وصلة إلى المحيط الهندي دون المرور عبر هذا الممر الاستراتيجي الحرج. وتكتسب هذه الميزة أهمية مضاعفة في ظل تصاعد التوترات الأمنية في الخليج الفارسي، وقد تُقلل من المخاطر الجيوسياسية لهذا المسار مقارنةً ببعض الخيارات البديلة.
من جهة أخرى، إذا ما طبقت إيران، استجابةً للأزمات الأمنية أو ارتفاع تكاليف حماية الشحن، سياسة فرض رسوم أعلى على المرور عبر مضيق هرمز أو تكاليف متعلقة بتوفير الأمن والخدمات البحرية، فإن تكاليف النقل على الطرق التي تعتمد على موانئ جنوب الخليج الفارسي سترتفع. في مثل هذه الظروف، يواجه ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، الذي يعتمد قطاعه البحري على موانئ الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على الخليج الفارسي، ارتفاعًا في التكاليف التشغيلية، بينما يمكن لممر الشمال-الجنوب، الذي يعتمد على تشابهار والوصول المباشر إلى بحر عُمان، الاستفادة من جزء من هذه الميزة في التكلفة. من هذا المنظور، ينبغي تقييم الخطة الروسية الجديدة ليس فقط كمشروع تطوير نقل، بل كمحاولة لتعزيز الموقع الجيواقتصادي لممر الشمال-الجنوب في منافسة مع ممر النقل متعدد الوسائط (IMEC)، وتحويل التطورات الأمنية في الخليج الفارسي إلى ميزة تنافسية في مجال الممرات العالمية.
