الوقت ـ في خطوة تعكس تعقيدات المشهد التفاوضي، تستأنف حركة حماس اليوم الثلاثاء جولة جديدة من المفاوضات في القاهرة، وسط ترقب فلسطيني وإقليمي لمآلات الجهود الرامية إلى إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار من الجمود الذي يهدد استدامته.
وبينما يتوجه وفد الحركة إلى العاصمة المصرية لاستكمال مباحثات المرحلة الثانية من الاتفاق، يحضر الملف الإنساني بثقل استثنائي على طاولة المفاوضات، في مؤشر على أن معادلة التفاوض لم تعد تقتصر على تبادل الأسرى فقط، بل باتت ترتهن بمدى القدرة على كسر الحصار وتداعياته الكارثية على حياة أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع.
تفاصيل الجولة الجديدة
وأكدت حماس في بيان رسمي أن وفدها سيعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين، إلى جانب الوسطاء من مصر وقطر وتركيا، إضافة إلى مشاورات موسعة مع الفصائل والقوى الفلسطينية، في محاولة لبناء موقف موحد يعزز صمود المفاوضات ويمنع انفراط عقد الاتفاق.
وتأتي هذه التحركات في توقيت حساس، إذ تواجه المرحلة الثانية من الاتفاق عقبات جوهرية، أبرزها تباين الرؤى حول آليات إعادة الإعمار، ومستقبل المعابر، ومصير المحتجزين الإسرائيليين، في ظل تعثر تنفيذ بعض بنود المرحلة الأولى المتعلقة بالمساعدات الإنسانية.
الملف الإنساني: اختبار حقيقي للنوايا
ويكتسب الملف الإنساني بُعدًا استراتيجيًا في هذه الجولة، إذ تصر حماس على ربط أي تقدم في المفاوضات بتحسين الأوضاع المعيشية في غزة، والتي بلغت مستويات وصفتها الأمم المتحدة بأنها "كارثية". وتشمل مطالب الحركة تنفيذ التزامات سابقة بتكثيف إدخال المساعدات، وتشغيل المعابر بشكل كامل، وتوفير الاحتياجات الطبية والوقود، مع وضع آليات واضحة لإعادة الإعمار.
ويرى مراقبون أن إصرار حماس على إبقاء الملف الإنساني في صدارة النقاشات يهدف إلى اختبار جدية الاحتلال في الالتزام بتعهداته، خاصة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المواد الأساسية، ما يُبقي القطاع في حالة انهيار متواصل ويعمّق أزمة النزوح والبطالة والفقر.
خلفيات التصعيد التفاوضي
وتأتي استئناف المفاوضات بعد أيام من اجتماعات شرم الشيخ التي شهدت نقاشات مكثفة بين الأطراف، غير أنها لم تفضِ إلى حلول جذرية، مما دفع الوسطاء إلى تكثيف تحركاتهم لمنع انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري.
وتواجه الحركة ضغوطًا داخلية وخارجية، إذ يسعى الاحتلال إلى فصل الملف الإنساني عن بقية الملفات التفاوضية، في حين تتمسك حماس بمنهج الربط، معتبرة أن تحسين الحياة في غزة جزء لا يتجزأ من أي اتفاق شامل يضمن الاستقرار الدائم.
وفي هذا السياق، تشير المصادر إلى أن الجولة الحالية قد تشهد تقديم صيغ توافقية حول آلية الإشراف على إعادة الإعمار، وإدارة المعابر، وضمانات عدم العودة إلى القتال، لكن العقبة الأكبر تبقى في النوايا الإسرائيلية التي لم تُظهر حتى الآن مرونة كافية تجاه المطالب الإنسانية الفلسطينية.
وتبقى القاهرة، التي تستضيف هذه الجولة، في موقع صعب، إذ تواجه مهمة التوفيق بين رؤى متباينة، وسط سباق مع الزمن قبل أن تُفقد التهدئة زخمها وتعود الأمور إلى نقطة الصفر.
