الوقت- لا تزال العنصرية المفرطة و العنف الزائد ضد المواطنين السود في أمريكا، موضوع بحث العديد من متابعي الشأن الداخلي الأمريكي، لما يحمله من تداعيات كثيرة أثرت و ستؤثر أكثر على الوضع الداخلي الهش رغم محاولات التعتيم الاعلامي من قبل وسائل الاعلام المحلية و تصوير الأزمة القائمة على أنها فقاعات هواء ليس أكثر. فقد اشتعلت المدن الأمريكية و خرجت المظاهرات تنديدا و رفضا لحكم البراءة للشرطي الذي قتل الصيف الماضي رجلا أسودا دون سبب واضح، ومن نيويورك التي قتل فيها دون سبب واضح المواطن «مايكل براون»، تمتد الاحتجاجات لتصل إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث شرطي العالم أوباما يراقب الحدث بمزيد من الأوامر المشددة على ضرورة قمع المواطن الأمريكي.
الوضع الاجتماعي في أمريكا بات قريبا من الانفجار أيضا، خاصة مع احتمالات طرح عملية عسكرية برية جديدة في العراق و سوريا بحجة محاربة تنظيم داعش، في حين لا تعتبر أمريكا مهيئة لها بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، و التخبط الداخلي في البيت الأبيض فإن التعامل مع قضية السود يأتي وفق منظور العنف لكبت أصواتهم، و الاعتقالات بالمئات ناهيك عن الاصابات بين صفوف المتظاهرين.
ليل الخميس الجمعة القي القبض على اكثر من 200 شخص في نيويورك التي شهدت ليلة ثانية من التظاهرات احتجاجا على عدم معاقبة رجال شرطة مسؤولين عن موت العديد من السود.
واوضحت شرطة نيويورك الجمعة ان معظم الاعتقالات جرت بسبب الاخلال بالنظام العام. وكانت الشرطة اعتقلت الخميس نحو 83 شخصا.
وتظاهر الالاف من الاميركيين في نيويورك و في شيكاغو وبوسطن وفيلادلفيا وبالتيمور وواشنطن، وذلك للتنديد بعنف رجال الشرطة الذي يتعرض له السود وافلات بعضهم من العقاب.
هذه التظاهرات تزامنت مع الكشف الخميس عن حادثة جديدة في ولاية اريزونا حيث اقدم شرطي ابيض في فونيكس على قتل رجل اسود في الرابعة والثلاثين اسود يدعى رومين بريزبون (34 عاما) للاشتباه باتجاره بالمخدرات لاعتقاده خطأ انه على وشك ان يستخدم سلاحا خلال ايقافه. واعلنت الشرطة ان بريزبون حاول الفرار من الشرطي الذي كان يحاول اعتقاله والذي لم تكشف عن اسمه، مكتفية بالاشارة الى انه ابيض يبلغ من العمر 30 عاما وله سبع سنوات من الخبرة.
وفي الواقع فان بريزبون لم يكن يحمل سلاحا وما كان موجودا في جيبه هو علبة تحوي حبوب "اوكسيكودون" وهو دواء قوي مسكن للالم ويستهلكه البعض كبديل للمخدرات. واكدت المحامية مارسي كراتر وكيلة الدفاع عن عائلة القتيل، ان "هناك العديد من الشهود الذين يشككون في رواية الشرطة". واضافت "انها مأساة، لم يكن مسلحا ولم يكن يشكل خطرا على أحد، نعتزم اجراء كل الملاحقات التي يسمح بها القانون".
و قد انتشر على مواقع التواصل الاعلامي فيديو يظهر امرأة حامل كانت تحاول الدفاع عن زوجها الذي أبرحته الشرطة الأمريكية ضربا، فما كان من العناصر الا أن رموا المرأة أرضا رغم علمهم بحملها.
عنف الشرطة بحق المتظاهرين السود يأتي متناقضا مع قرارات المسؤولين الأمريكيين الذين أجازوا التظاهر، فعمدة نيويورك دعا للتظاهر سلميا بعيدا عن العنف، كما إن وزير العدل الأمريكي وعد بفتح تحقيق «فيدرالي» حول تبرأة قتلة براون، إلا أن الشرطة مارست عنفها دون الرجوع إلى مطالب المسؤولين، مما ينبأ بتصعيد أكبر في الشارع الأمريكي بما قد يكشف أكاذيب الحرية الأمريكية أكثر.
رغم كل التنظير الاعلامي و عمليات التجميل لصورة المجتمع الأمريكي لاظهاره بمظهر الراقي و الراعي للحريات و المساواة بين الأفراد ايا كان لونهم و عرقهم، فان بذور العنصرية ما زالت كامنة في النفوس، وأن جذورها أعمق من أن تنتزع حتى الآن.
رغم مرور أكثر من مائة وخمسين عاما على قانون ''تحرير العبيد'' الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق ''أبراهام لينكولن''، وأكثر من خمسين عاما على الحركة الاحتجاجية الشهيرة التي قادها القس الأسود ''مارتن لوثر كينغ'' ضد التفرقة العنصرية بحق أصحاب البشرة السوداء، ما زال السود في أميركا يضطهدون ويعاملون بطريقة سيئة لا تليق بالبشر، ويقتلون على يد أفراد الشرطة والأمن لأبسط الأسباب ودون أن يلقى القتلة أي محاسبة تذكر.
وهناك حوادث كثيرة تمت فيها تبرئة القاتل وإخلاء سبيله وإسقاط الملاحقات القضائية بحقه، لأنه فقط ينتمي لمجتمع البيض، الأمر الذي فجر حركة احتجاجية كبيرة في ولاية فرغسون، سرعان ما وصلت أصداؤها إلى نيويورك ومدن أخرى ليهتز عرش الرئيس ''باراك أوباما'' المحسوب على الأقلية السوداء، حيث يقف عاجزا عن إنصاف أبناء جلدته وكبح جماح ما يتعرضون له من انتهاكات من قبل الشرطة التي أفرطت باستخدام العنف والقمع ضدهم.
تسعى الإدارة الأمريكية الى السيطرة على قرار العالم من خلال إدعائها لنشر الحريات و تطبيق الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، وتقوم بتقسيم الدول إلى محاور خير وشر واعتدال وتطرف وتضعهم على لوائح سوداء وملونة، في حين أنها تقمع و تعتقل و تجرح و تعذب مواطنين تظاهروا للمطالبة بأمور تنحصر في تطبيق العدالة بحق قتلى المواطنين الذين راحوا ضحية لممارسات عنصرية من قبل عناصر الشرطة الأمريكية. و المشكلة الحقيقية ليست بصعوبة السيطرة على الاحتجاجات القائمة الان،بل تكمن في فجوة الثقة المتسعة بين المواطنين السود والحكومات عموما، حتى ولو كان الجالس في البيت الأبيض رئيسا من بني جلدتهم.