الوقت- تصاعد العنف المسلح الذي يمارسه المستوطنون الصهاينة في الضفة الغربية إلى حدٍّ لم يعد بالإمكان معه التستر عليه بوصفه أعمالاً متفرقة لمتطرفين.
ويشير اتجاهٌ تسارع في السنوات الأخيرة إلى توسع شبكة مسلحة بين المستوطنين؛ شبكة تعمل في بعض الحالات بدعم أو تسهيل أو تنسيق من المؤسسات الأمنية والسياسية للكيان الصهيوني.
مع تزايد الضغوط لنزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، واقتراح ذلك كأحد الشروط الرئيسية لأي ترتيبات سياسية وأمنية بعد حرب غزة، يبرز سؤال هام في هذا السياق: إذا كان الهدف هو إنهاء دوامة العنف وإرساء احتكار شرعي لاستخدام القوة، فماذا سيحدث لآلاف الأسلحة التي وُضعت في أيدي المستوطنين الصهاينة؟
يزداد هذا السؤال أهميةً مع تحوّل تسليح المستوطنين من عملية هامشية إلى جزء لا يتجزأ من السياسة الأمنية للكيان الصهيوني.
من تسليح المواطنين إلى تشكيل قوة مسلحة في المستوطنات
لطالما كانت سياسة ترهيب الفلسطينيين في الضفة الغربية بشتى الوسائل القمعية، بما في ذلك عمليات التوقيف والتفتيش المتكررة، وهدم المنازل بحجة عدم وجود ترخيص بلدي، والترحيل القسري لأسباب أمنية، وتدمير الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون، وخاصة تسليح المستوطنين، على الأجندة الصهيونية. إلا أن هذه السياسة استمرت بكثافة أكبر منذ وصول حكومة نتنياهو اليمينية إلى السلطة وضم شخصيات من المستوطنين إلى الحكومة.
مع عدم وجود إحصاءات دقيقة منشورة حول أسلحة المستوطنين، أعلن إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي في الكيان الإسرائيلي، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عن توزيع أكثر من 120 ألف قطعة سلاح ناري على المستوطنين وغيرهم من المواطنين منذ بداية حرب غزة وحدها.
وفي الوقت نفسه، وعد بن غفير بتوفير 10 آلاف قطعة سلاح ناري مجانًا لمستوطني الضفة الغربية، كما تم تسهيل شروط الحصول على تراخيص الأسلحة، ما مكّن مئات الآلاف من الأشخاص من الحصول عليها. وشدد أيضًا على ضرورة تسليح سكان المناطق القريبة من غزة ولبنان والضفة الغربية.
ولم يتوقف هذا التوجه في عام 2026. ففي مارس/آذار من العام نفسه، أعلن بن غفير عن توسيع معايير ترخيص الأسلحة النارية؛ وهو قرار يسمح لسكان المستوطنات اليهودية في القدس المحتلة بالتقدم بطلب للحصول على ترخيص سلاح بناءً على مكان إقامتهم فقط، دون اشتراط سجل عسكري أو تدريب متخصص.
قد يُسهّل هذا القرار حصول نحو 300 ألف مستوطن صهيوني، بمن فيهم بعض الحريديم الذين لم يُنهوا خدمتهم العسكرية، على الأسلحة النارية.
في ظل هذه الظروف، يتلاشى الخط الفاصل بين "المدنيين المسلحين" و"قوات الأمن" بشكل متزايد، لا سيما في الضفة الغربية، حيث تقع المستوطنات على مقربة مباشرة من القرى الفلسطينية والمناطق السكنية.
عندما تُصبح الأسلحة أداةً لتوسيع الاستيطان
لا تقتصر أهمية أسلحة المستوطنين على عدد البنادق المُوزّعة، بل تكمن القضية الأساسية في كيفية استخدام هذه الأسلحة ومكانتها في بنية السلطة في الضفة الغربية.
في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى توسيع المستوطنات القائمة، اتجه المستوطنون الإسرائيليون إلى إنشاء مزارع وقواعد زراعية وتربية ماشية صغيرة؛ وهي آليات، وفقًا للمصادر المذكورة في النص، مكّنتهم من بسط سيطرتهم على مساحات أوسع.
في هذا النموذج، يلعب الوجود المسلح للمستوطنين الإسرائيليين العاملين في رعي الأغنام دورًا حاسمًا في ترهيب الفلسطينيين وطرد السكان المحليين من مناطقهم بذريعة النزاعات على المراعي. يصعب إنشاء قاعدة جديدة، أو تربية قطعان، أو الاستيلاء التدريجي على الأراضي دون تهيئة بيئة أمنية مناسبة. لذا، قد تتحول الأسلحة من أداة يُزعم أنها للدفاع الشخصي إلى أداة لترسيخ الوجود، والحد من وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، وتغيير الواقع الجغرافي تدريجيًا.
وثّق تقرير صادر عن منظمة كيرم نافوت الإسرائيلية، نُشر عام ٢٠٢٢، وجود ٧٧ مستوطنة زراعية في الضفة الغربية، أُنشئ معظمها خلال العقد الماضي. ووفقًا للمعلومات الواردة في التقرير، تُسيطر هذه المنشآت، إلى جانب المستوطنات الإسرائيلية، على نحو ٦٠ ألف هكتار من الأراضي، أي ما يعادل ٧٪ تقريبًا من مساحة المنطقة (ج) في الضفة الغربية.
وفي ١٧ مارس/آذار ٢٠٢٣، ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية في تقرير لها عن الضفة الغربية المحتلة أن المستوطنين الإسرائيليين يستخدمون إنشاء مزارع الأغنام كأداة لتوسيع سيطرتهم على الأراضي الفلسطينية. بحسب التقرير، أدت هذه العملية، التي تسارعت وتيرتها منذ عام ٢٠١٧، إلى محاصرة العديد من القرى الفلسطينية تدريجياً وحرمان سكانها من مراعيهم وأراضيهم الزراعية؛ وهي عملية ازدادت حدةً مع وجود تيار اليمين المتطرف في حكومة بنيامين نتنياهو.
ويشير التقرير إلى أن سكان قرية تووانا جنوب الضفة الغربية يتعرضون لهجمات ومضايقات متكررة من قبل رعاة مستوطنين مسلحين منذ عام ٢٠٢٠، بعد إنشاء مزرعة أغنام بالقرب من القرية. ومن خلال رعي مواشيهم في الأراضي الفلسطينية، قيّد هؤلاء الرعاة وصول السكان إلى المراعي والموارد الزراعية، وفي بعض الحالات، تعرضوا للعنف المسلح.
أظهر تقرير مشترك صادر عن حركة "السلام الآن" و "كرم نافوت" في مارس/آذار 2025 أن 70% من أراضي الضفة الغربية التي سيطر عليها المستوطنون خلال السنوات الثلاث الماضية قد تم الاستيلاء عليها من خلال أنشطة رعي الماشية والأغنام. ووفقًا للتقرير، فقد مكّن إنشاء مراكز الرعي المستوطنين من السيطرة على مساحات تعادل حوالي 14% من مساحة الضفة الغربية.
وفي قرى مثل دير جرير وطيبة، شمال شرق رام الله، أصبح الرعي أداةً للتوسع الاستيطاني التدريجي. فمن خلال نقل قطعانهم إلى الأراضي الفلسطينية وإنشاء مراكز لتربية الماشية، يُضيّق المستوطنون تدريجيًا الخناق على المزارعين ويحدوا من وصولهم إلى أراضيهم.
وتؤكد بعض التقارير أن عددًا من هؤلاء الرعاة ينتمون إلى حركات يمينية متطرفة، ويمارسون تربية الماشية ليس فقط كنشاط اقتصادي، بل أيضًا كوسيلة للاستيلاء على الأراضي والموارد الطبيعية. كما أفادت منظمات حقوق الإنسان بأن بعض هؤلاء المستوطنين يحملون أسلحة، ويستخدمون كلابًا بوليسية وطائرات مسيّرة، ويدمرون ممتلكات فلسطينية.
بحسب السكان المحليين، فإن توطين قطعان الماشية على التلال قد يؤدي تدريجياً إلى إخراج مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية عن متناول الفلسطينيين. وإلى جانب الأراضي الزراعية، استُهدفت منازل الفلسطينيين وجراراتهم ومواشيهم، أو صودرت في بعض الحالات.
ويقول رؤساء البلديات وسكان المناطق المحيطة برام الله إن توسع أنشطة الرعي هذه قد أدى إلى فقدان الفلسطينيين القدرة على الوصول بحرية إلى أجزاء من أراضيهم، في حين أنهم عاجزون عن مواجهتهم لأن المستوطنين مسلحون. وفي هذا السياق، أصبح الرعي فعلياً مرحلة تمهيدية للاستيطان، ويُمهد توسع قطعان الماشية وقواعدها الطريق لترسيخ السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
تصاعد العنف ضد الفلسطينيين
مع ازدياد حصول المستوطنين على الأسلحة، تصاعدت وتيرة العنف ضد الفلسطينيين.
ووفقاً لبيانات فلسطينية رسمية، بلغ إجمالي عدد الحوادث التي تورط فيها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون في الضفة الغربية 1965 حادثة في شهر فبراير/شباط وحده. وتتراوح هذه الحوادث بين الاعتداءات على الممتلكات والمزارع، والمداهمات، ومحاولات هدم المباني، واستخدام الأسلحة النارية ضد الفلسطينيين.
في موجة عنف واحدة، قُتل ثمانية فلسطينيين خلال أسبوع في مناطق من بينها أبو فلاح في وسط الضفة الغربية، وأُبلغ عن إصابات عديدة نتيجة إطلاق نار مباشر من المستوطنين.
إلى جانب هذه الهجمات، شُكّلت وحدات تُعرف باسم "الحرس المحلي" أو قوات الحماية المحلية في بعض المستوطنات. وقد اكتسبت هذه الوحدات فعلياً بنية شبه عسكرية، وتشارك في إنشاء قواعد جديدة، وتوفير الحماية المسلحة لها، والتعامل مع الفلسطينيين.
في ظل هذه الظروف، لم تعد الأسلحة مجرد وسيلة للدفاع ضد تهديد محدد، بل أصبحت جزءاً من آلية لخلق واقع جديد على الأرض.
خصخصة العنف
من أهم جوانب هذه القضية نقل جزء من استخدام القوة من الهيكل الرسمي للجيش إلى جماعات مدنية مسلحة.
في هذا النموذج، لا يزال الكيان الصهيوني وجيشه يسيطران على الجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية، لكن جزءاً من الضغط على السكان الفلسطينيين يُنقل إلى المستوطنين المسلحين. نتيجةً لذلك، يبدو العنف ظاهريًا بعيدًا عن الهيكل الرسمي، لكن على أرض الواقع، يتشكل نوع من التنسيق العملي بين المستوطنين والشرطة والجيش.
قد يترتب على هذا الوضع نتيجتان: أولًا، زيادة القدرة على استخدام القوة ضد الفلسطينيين، وثانيًا، صعوبة محاسبتهم قانونيًا على الهجمات.
في حين أن القوانين التمييزية ضد الفلسطينيين قد صعّبت حتى معالجة انتهاكات القوات العسكرية الرسمية ضمن الإطار القانوني، فإن خط المسؤولية يصبح أكثر تعقيدًا عندما تعمل الميليشيات المسلحة في نفس المنطقة الجغرافية وبدعم أو تنسيق من القوات الرسمية.
نتيجةً لهذه العملية، ينشأ نوع من الإفلات من العقاب الذي يتمتع به المستوطنون الآن؛ وضعٌ أدى فيه ازدياد عدد الأسلحة، دون إنشاء آليات فعّالة للمراقبة والمساءلة، إلى تصاعد العنف المميت ضد الفلسطينيين.
المفارقة الكبرى: نزع سلاح الفلسطينيين، وتسليح المستوطنين
تكتسب هذه القضية أبعادًا سياسية أكثر أهمية عند مناقشتها في سياق الحديث عن مستقبل غزة.
بينما أصبح نزع سلاح المقاومة الفلسطينية أحد أبرز المواضيع المطروحة للنقاش حول ترتيبات ما بعد الحرب، وضرورة احتكار استخدام القوة، يستمر في المقابل تسليح المستوطنين.
بل إن الكيان الصهيوني طلب شراء 24 ألف قطعة سلاح هجومي من الولايات المتحدة، وهو ما أثار مخاوف بعض السياسيين والمسؤولين الأمريكيين بشأن إمكانية وصول هذه الأسلحة إلى المستوطنين.
لذا، لا يقتصر السؤال على عدد الأسلحة التي وُضعت تحت تصرف المستوطنين، بل الأهم هو مكانة هذه الأسلحة في الترتيبات الأمنية والسياسية الفلسطينية المستقبلية.
المسألة القانونية: من المسؤول عن حماية الفلسطينيين؟
من منظور القانون الدولي، يثير تسليح المستوطنين في الأراضي المحتلة تساؤلات جدية.
وفقًا لإطار القانون الدولي الإنساني، تقع على عاتق سلطة الاحتلال مسؤولية حماية المدنيين الخاضعين للاحتلال، وهي ملزمة بحمايتهم من العنف.
لذا، إذا قام نظام الاحتلال، بدلاً من منع عنف المستوطنين، بزيادة حصولهم على الأسلحة، وفي الوقت نفسه لم يُنشئ آلية فعّالة للرد على الهجمات، فإنّ قضية تتجاوز السلوك الفردي تبرز: وهي المسؤولية الهيكلية للكيان عن الظروف التي سمحت باستمرار العنف.
كما اعتبرت الفتوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية عام ٢٠٢٤، في تقييمها العام لسياسات الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أن التدابير المتعلقة بالاستيطان والضم تتعارض مع حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
من هذا المنظور، لا يمكن تحليل تسليح المستوطنين بمعزل عن البنية الأوسع للاستيطان والسيطرة الإقليمية.
الأسلحة: أداة للأمن أم أداة لتغيير الجغرافيا؟
في نهاية المطاف، تعود القضية الرئيسية إلى طبيعة هذه الأسلحة.
إذا وُضع سلاح في يد مدني للدفاع عن نفسه ضد تهديد محدد، فيمكن تعريفه في إطار الدفاع عن النفس. لكن عندما يُستخدم السلاح نفسه في بيئة كالضفة الغربية، بالتزامن مع توسع المستوطنات، وإنشاء مزارع جديدة، والاستيلاء على الأراضي، وتصاعد الهجمات على الفلسطينيين، فإن وظيفته لم تعد تقتصر على الأمن فحسب.
في ظل هذه الظروف، أصبحت الأسلحة جزءًا من مشروع أوسع لتغيير الواقع على الأرض؛ مشروع تتشابك فيه الأمن والمستوطنات واستخدام القوة.
لهذا السبب، فإن أي خطة لمستقبل غزة والضفة الغربية تُثير مسألة "احتكار السلاح" يجب أن تُقدم حتمًا إجابة واضحة بشأن جميع الأسلحة المتاحة في هذه المنطقة الجغرافية؛ وليس فقط الأسلحة الفلسطينية.
إذا كان الأمن هو المدخل إلى ترتيبات ما بعد الحرب، فأين يكمن أمن الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس؟
من سيحمي الفلسطينيين من إرهاب المستوطنين ويمنع تهجيرهم من أراضيهم، وحرق ممتلكاتهم، وتهديد حياتهم؟
هل يمكن للعدالة أن تكون انتقائية، فتُخضع الفلسطينيين لمعايير قانونية وحقوقية صارمة بينما تُتجاهل حياتهم وأمنهم وحقوقهم باستمرار؟
إذا كان المجتمع الدولي قادراً على النظر في نشر قوة دولية في غزة لضمان الأمن ومنع استئناف الحرب، فلماذا لا يُنظر في فكرة إنشاء قوة حماية دولية أو آلية مراقبة للضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حيث يتعرض الفلسطينيون بشكل متزايد لعنف المستوطنين وأعمال نظام الاحتلال؟
وأخيراً، السؤال السياسي الأوسع هو: هل الهدف من نزع سلاح المقاومة هو حقاً إنهاء دوامة العنف أم إعادة ضبط موازين القوى بطريقة تحرم الفلسطينيين من القدرة على المقاومة، دون حمايتهم من الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين؟
