الوقت - أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن ملامح هذا التوجّه بدأت تتّضح جلياً بين الأوروبيين، إذ ترافق ارتفاع أسعار العقارات في مناطق من شمال فرنسا وإسبانيا مع تفاقم الضغوط المناخية على المناطق الجنوبية.
فقد حوّلت موجات الحر الشديدة والجفاف أجزاءً واسعة من أوروبا هذا الصيف إلى بؤر مشتعلة، وامتدّت حرائق الغابات الهائلة لتلتهم مساحات من إسبانيا وفرنسا واليونان.
وهبط منسوب مياه الأنهار في ألمانيا إلى أدنى مستوياته التاريخية، فيما اكتست الحقول الخضراء في إنجلترا لوناً أصفر باهتاً كلون القش. هذه الأحوال جعلت مناطق جديدة في القارة العجوز أكثر جاذبيةً للطبقتين الثرية والمتوسطة في أوروبا.
وتكشف أحدث البيانات المتعلّقة بإسبانيا لعام 2024 عن تزايد ملحوظ في عدد سكان المقاطعات الشمالية، إذ هاجر إليها الإسبان من مناطق أخرى، فيما تعكس أسعار المساكن استمرار هذا التوجّه.
ووفقاً لبيانات موقع «إيدياليستا»، المتخصّص في العقارات بإسبانيا، ارتفعت أسعار المنازل في المقاطعات الشمالية، ومنها كانتابريا وأستورياس، بنسبة 17.2% و14.1% على التوالي مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وهذا الارتفاع أسرع بكثير مما شهدته مدن كبرى كبرشلونة ومدريد، حيث لم تتجاوز نسبة الزيادة فيها 7% تقريباً.
الوضع في فرنسا لا يختلف كثيراً؛ فبحسب بيانات «نوتير دو فرانس»، الجهة المرجعية لمكاتب التوثيق الفرنسية التي تنشر معطيات سوق العقارات، ارتفعت أسعار المساكن في مدن مثل كان ولوهافر وبريست الواقعة على سواحل المحيط الأطلسي بنحو 9% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنةً بالفترة المماثلة من العام السابق.
في المقابل، تراجعت أسعار العقارات في بوردو، التي شهدت هذا العام حرائق غابات واسعة، بنسبة 2%.
ووفق دراسة أجراها «أدريان فرنانديز بيريز»، الأستاذ المساعد في جامعة دبلن، فإن ارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق الإسبانية، لا سيما في الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 95 درجة فهرنهايت، يؤدي عادة إلى انخفاض أسعار بيع المساكن وإيجاراتها.
وقال فرنانديز بيريز: “بالنسبة لمطوّري العقارات والمستثمرين، تفتح هذه الظاهرة أبواباً واعدةً للربح في المناطق ذات المناخ الأكثر برودة، إذ إن الطلب على المساكن آخذٌ في التحوّل”.
ولا تقتصر المسألة على الحرارة وحدها؛ فقد وجد باحثون في إيطاليا أن الجفاف المستمر يمكن أن يكون بدوره عاملاً رئيسياً في دفع الناس نحو الهجرة، حيث يهجر سكان المجتمعات الزراعية الريفية مناطقهم بحثاً عن أراضٍ أكثر خصوبةً. فعلى سبيل المثال، هاجر مزارعو الزيتون في إيطاليا خلال السنوات الأخيرة نحو المناطق الشمالية.
ويُعدّ ارتفاع أقساط التأمين أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع البعض إلى الانتقال. ففي فرنسا، وبحسب بيانات «فرانس أسورور»، الهيئة المتخصّصة في قطاع التأمين، ارتفعت أقساط تأمين المنازل ضمن ما يُعرف بالتأمين الشامل - الذي يغطي أضرار الكوارث الطبيعية - بنسبة 8.4% تقريباً في عام 2025.
وتشير تحليلات الهيئة الفرنسية للرقابة والتسوية الاحترازية، المشرفة على القطاعين المصرفي والتأميني في البلاد، إلى أن أقساط التأمين ضد الكوارث الطبيعية يُتوقع أن ترتفع في المناطق الجنوبية بأكثر من 200% بحلول عام 2050، في حين لن تتجاوز هذه الزيادة نحو 100% في المناطق الشمالية والداخلية.
وتقول «كوكو وارنر»، مديرة المرصد الدولي للمناخ في جامعة بنسلفانيا، إن عوامل عدّة - كحالة المسكن، والقروض العقارية، وقيمة العقار، وإمكانية تأمينه بتكلفة معقولة، فضلاً عن الضرائب العقارية - تتضافر جميعها لتحدّد قرار الأفراد: هل يبقون في مناطقهم، أم يشدّون الرحال إلى مكان آخر؟
