الوقت- لم يقتصر التقدم السريع لأنصار الله على الساحل الغربي لليمن على الاستيلاء على مدينة المخا الاستراتيجية، بل كان، مع انسحاب القوات المدعومة من السعودية من جزيرة ميون ومنطقة باب المندب، أحد أسرع انهيارات خطوط الدفاع للقوات السعودية في اليمن. ويشير تقرير "العربي الجديد" إلى أن هذا الانهيار، بالإضافة إلى تفوق أنصار الله في القوة النارية والقوات، كان نتيجة سلسلة من نقاط الضعف الهيكلية، وغياب قيادة موحدة، وهشاشة معنويات القوات السعودية.
وقد حددت مصادر عربية مختلفة مسار انهيار القوات السعودية، وبحثت أسباب هذا الانهيار.
مسار الانهيار؛ من حيس إلى مايون
يمكن اعتبار محور حيس والوازعية، جنوب وجنوب شرق المخا، نقطة انطلاق انهيار القوات المدعومة من السعودية في اليمن، وذلك يومي الأربعاء والخميس من الأسبوع الماضي. انسحبت القوات المدعومة من السعودية في البداية من هذه المناطق، ومع انهيار خطوطها، ازداد الضغط المباشر على المواقع المحيطة بالمخا.
وكانت المرحلة التالية انهيار خطوط الدفاع حول المخا يوم الجمعة. ضغطت أنصار الله على القوات المدعومة من السعودية وحلفائها بضغط بري متزامن، مستخدمةً الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي النهاية، صدر الأمر بالانسحاب من المدينة نفسها، فانسحبت ما يُسمى بـ"القوات المشتركة" المدعومة من السعودية دون خوض معركة طويلة للدفاع عنها.
كانت أهمية هذه المرحلة بالغة، لأن المخا كانت تُعتبر مقرًا للقوات المشتركة المناهضة لأنصار الله على الساحل الغربي لليمن. لذا، لم يكن سقوطها مجرد خسارة مدينة؛ كما دمرت العملية مركز الثقل العسكري للجبهة ضد أنصار الله في هذا الجزء من الساحل.
لكن الانهيار لم يتوقف عند هذا الحد. ففي يوم الجمعة، امتد الانسحاب إلى جزيرة ميون، وهي جزيرة استراتيجية عند مدخل باب المندب. وهكذا، امتد مسار انسحاب القوات المدعومة من السعودية، الذي بدأ من حيس والوازعية، إلى المحاور المحيطة بالمخا، ثم مدينة المخا، وأخيراً جزيرة ميون وباب المندب، وفي غضون مسافة قصيرة، تم القضاء على وجود القوات المدعومة من السعودية على الساحل الجنوبي للبحر الأحمر.
في الواقع، انسحبت القوات المدعومة من السعودية أيضاً من جزيرة ميون بعد يوم واحد فقط من سقوط المخا؛ بينما قبل بدء العملية، نُشرت تقارير عن تقدم هذه القوات على بعض الجبهات. وذكرت صحيفة "نيو عرب" أن خطوط دفاع القوات المدعومة من السعودية انهارت في غضون مدة قصيرة جداً، مما يثير تساؤلات جدية حول القوة الحقيقية للتحالف العسكري المدعوم من السعودية. أفادت مصادر رسمية لـ"نيو عرب" بأن أمر سحب القوات من المخا صدر مساء الأربعاء، وقد تم شرح هذا الإجراء للقوات في البداية على أنه "إعادة انتشار".
30 لواءً عسكرياً بدون قيادة موحدة
جاءت هزيمة القوات الموالية للسعودية أمام أنصار الله في وقت تُعتبر فيه هذه القوات من أهم التشكيلات العسكرية في الجبهة اليمنية المقاومة.
تضم هذه القوات نحو 30 لواءً عسكرياً، أُعيد تنظيمها مطلع عام 2026 في خمس فرق ومجمعات رئيسية؛ وهي قوات كانت تحت إشراف سعودي مباشر، وتشمل قوات المقاومة الوطنية، وألوية تهامة، وزرانيق، والعمالقة، والوحدة البحرية، وقوات أمنية متخصصة.
ومع ذلك، ترى ياسمين العرياني، المديرة التنفيذية لإنتاج المعرفة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن المعركة الأخيرة أظهرت أن هذه القوات لم تتمكن بعد من إنشاء قيادة عسكرية موحدة. بحسب قولها، فإن مواجهة قوة متمرسة كأنصار الله تتطلب قيادة موحدة، واستراتيجية عسكرية مرنة، وعقيدة دفاعية منضبطة؛ وهي عناصر غابت تمامًا خلال المعركة الأخيرة. كما أكدت أن أي عملية ضد أنصار الله تستلزم حشدًا متزامنًا ومنسقًا للقوات على جبهات متعددة؛ إلا أن هذا التنسيق لم يتحقق في المعركة الأخيرة.
هجوم خاطف على المخا
في الأيام التي سبقت سقوط المخا، مارست أنصار الله ضغطًا شديدًا على المدينة. ووفقًا لتقرير صحيفة "نيو عرب"، استُهدفت المدينة بعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما انتشرت آلاف من قوات أنصار الله على الجبهات الغربية لتعز.
تقع المخا في جنوب غرب محافظة تعز، على بُعد حوالي 60 إلى 70 كيلومترًا من باب المندب. وتكتسب هذه المدينة أهمية مضاعفة لوجود مقر قيادة القوات المشتركة التابعة للمملكة العربية السعودية فيها.
من جهة أخرى، مع انسحاب القوات السعودية من جزيرة ميون، تعزز موقع أنصار الله في باب المندب. وذكرت صحيفة "نيو عرب" أن مسؤولاً في أنصار الله أعلن سيطرة الحركة الكاملة على جزيرة ميون، وبالتالي سيطرتها على منطقة باب المندب.
يُعدّ باب المندب أحد أهم المضائق البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي؛ لذا، فإن التطورات العسكرية في هذه المنطقة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأمن الملاحة ونقل الطاقة عبر ممر البحر الأحمر.
الخلافات الداخلية على جبهة صنعاء
تتوزع على الجبهة المناهضة لأنصار الله قوى مختلفة، من قوات طارق صالح و"المقاومة الوطنية" إلى كتائب العمالقة ومقاومة تهامة وقوات محور تعز. ولكل من هذه الجماعات أهداف سياسية وإقليمية متباينة، ولها تاريخ من الخلافات. إن الهيكل الذي يبدو على الورق قوة واحدة ليس بالضرورة جيشاً متماسكاً في الميدان.
اعتمدت شريحة كبيرة من القوات المناهضة لأنصار الله في اليمن على شبكات سعودية وإماراتية متباينة بشكل كبير. ونتيجة لذلك، لا يقتصر الأمر على اختلاف القادة اليمنيين فحسب، بل إن الداعمين الأجنبيين لا يتشاركان بالضرورة رؤية مشتركة لمستقبل اليمن. وقد صعّب هذا الأمر إنشاء قيادة موحدة. وتشير التقارير الأخيرة أيضاً إلى ضعف التحالف السعودي وانقساماته الداخلية.
انتشار القوات على جبهات متعددة
سعت أنصار الله إلى قطع خطوط الإمداد بين الساحل الغربي والمخا ومحور تعز خلال تقدمها. وذكرت قناة الجزيرة أن هدف العملية كان السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية، وقطع طرق الإمداد بين المخا وتعز، ومنع القوات المدعومة سعودياً على الساحل الغربي من التواصل مع المحور العسكري في تعز.
لذا، واجهت القوات المناهضة لأنصار الله مشكلة كلاسيكية تتمثل في حرب على جبهات متعددة دون تركيز عملياتي. تمركزت بعض القوات في تعز، وبعضها على الساحل، وبعضها في المناطق الجنوبية، بينما ركزت أنصار الله ضغطها على نقاط اتصالها.
هزيمة تتجاوز حدود الميدان
ما حدث في غرب اليمن ليس مجرد هزيمة بعض الوحدات العسكرية. فالقوات التي نُظمت بدعم سعودي، وضمت عشرات الألوية لمواجهة أنصار الله، فقدت جزءًا كبيرًا من خطوط دفاعها في وقت قصير.
يُظهر سقوط المخا والانسحاب من ميون، إلى جانب التطورات في باب المندب، أن أنصار الله تمكنوا من انتزاع زمام المبادرة العسكرية في إحدى أكثر مناطق اليمن حساسية؛ بينما لا تزال الجبهة المعارضة تواجه مشكلة جوهرية تتمثل في غياب قيادة موحدة وتنسيق سياسي عسكري.
