الصومال على خط المواجهة الجديدة.. هل يتحول التنافس التركي الإسرائيلي إلى صراع نفوذ في القرن الإفريقي؟
تشهد منطقة القرن الإفريقي تحولات متسارعة تعكس انتقال المنافسة الإقليمية من ساحات الشرق الأوسط إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية متزايدة، وفي مقدمتها الصومال وسواحله المطلة على خليج عدن والبحر الأحمر. فقد أثارت التقارير التي تحدثت عن تنامي الاتصالات بين إسرائيل وسلطات إقليم صوماليلاند، وإمكانية إقامة تعاون عسكري أو أمني بين الجانبين، تساؤلات واسعة حول مستقبل التوازنات في المنطقة، خاصة في ظل الوجود العسكري التركي الراسخ داخل الصومال. وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه البحر الأحمر تغيرات أمنية متلاحقة، جعلت من السيطرة على الموانئ والممرات البحرية هدفاً استراتيجياً للقوى الإقليمية والدولية. وبينما تنظر تركيا إلى الصومال باعتباره أحد أهم ركائز سياستها في إفريقيا، يبدو أن إسرائيل تسعى بدورها إلى توسيع هامش حضورها الأمني في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لحركة التجارة العالمية، الأمر الذي يرفع من احتمالات احتدام المنافسة بين الطرفين، حتى وإن بقيت في إطار الصراع غير المباشر.
الوجود التركي في الصومال.. استثمار طويل الأمد في الأمن والنفوذ
لم يكن الحضور التركي في الصومال وليد التطورات الأخيرة، بل جاء نتيجة سياسة طويلة اعتمدتها أنقرة منذ أكثر من عقد، جمعت بين المساعدات الإنسانية والاستثمارات الاقتصادية والتعاون الأمني والعسكري. وتمكنت تركيا خلال هذه الفترة من بناء شراكة وثيقة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، وأسست أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في العاصمة مقديشو، إضافة إلى مشاركتها في تدريب القوات الصومالية وتطوير قدراتها الدفاعية. كما توسعت الاستثمارات التركية في مجالات البنية التحتية وإدارة الموانئ والمطارات والتعليم والخدمات الصحية، ما منحها حضوراً يتجاوز الجانب العسكري إلى نفوذ سياسي واقتصادي متكامل. ولذلك فإن أي محاولة لإقامة موطئ قدم عسكري لقوة إقليمية منافسة في الأراضي الصومالية أو في المناطق المتنازع عليها تمثل بالنسبة لأنقرة تحدياً مباشراً لمشروعها الاستراتيجي، وقد تدفعها إلى تعزيز حضورها الأمني والسياسي للحفاظ على المكتسبات التي بنتها خلال السنوات الماضية.
إسرائيل والبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى منطقة القرن الإفريقي باعتبارها امتداداً طبيعياً لمنظومتها الأمنية، نظراً لقربها من البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهي ممرات تمثل أهمية حيوية لحركة التجارة الدولية ولأمن الملاحة البحرية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعاون مع سلطات صوماليلاند يمنح تل أبيب فرصة لتعزيز قدراتها الاستخبارية والأمنية في منطقة تزداد أهميتها مع تصاعد الاضطرابات الإقليمية. كما أن إقامة منشآت لوجستية أو أمنية في تلك المنطقة قد توفر لإسرائيل قدرة أكبر على مراقبة التحركات البحرية وحماية مصالحها في البحر الأحمر، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية. إلا أن هذه الخطوات، إذا ما تطورت إلى وجود عسكري دائم، قد تضع إسرائيل في مواجهة غير مباشرة مع تركيا التي تعتبر نفسها شريكاً رئيسياً للحكومة الصومالية، وترفض أي ترتيبات يمكن أن تؤثر في وحدة الأراضي الصومالية أو تغير موازين القوى القائمة.
صوماليلاند.. عقدة سياسية وجغرافية تزيد المشهد تعقيداً
تزداد حساسية هذه التطورات بسبب ارتباطها بإقليم صوماليلاند، الذي أعلن انفصاله عن الصومال منذ عام 1991، لكنه لا يزال يفتقر إلى الاعتراف الدولي كدولة مستقلة. وتتمسك الحكومة الفيدرالية في مقديشو بوحدة البلاد، بينما تسعى سلطات الإقليم إلى توسيع علاقاتها الخارجية وتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي. وفي هذا السياق، فإن أي انفتاح إسرائيلي على صوماليلاند لا يقتصر على كونه تعاوناً أمنياً، بل يحمل أبعاداً سياسية قد تؤثر في طبيعة الصراع الداخلي الصومالي، وتمنح الإقليم زخماً دولياً جديداً. كما أن هذه الخطوة قد تثير تحفظات عدد من الدول التي ترى أن التعامل المباشر مع سلطات الإقليم خارج إطار الحكومة المركزية قد يفاقم الانقسامات الداخلية ويزيد من تعقيد جهود تحقيق الاستقرار، وهو ما يجعل الملف يتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين إسرائيل وصوماليلاند ليصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع.
البحر الأحمر.. محور التنافس على النفوذ الإقليمي
تكشف هذه التطورات أن التنافس الدائر في القرن الإفريقي لا يتعلق بالصومال وحده، بل يرتبط بمستقبل الأمن في البحر الأحمر، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكثر الساحات تنافساً بين القوى الإقليمية والدولية. فالموقع الجغرافي للصومال يمنحه قدرة استثنائية على التأثير في حركة الملاحة البحرية، كما أن الموانئ المنتشرة على سواحله أصبحت محل اهتمام متزايد من الدول الساعية إلى تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي. وفي هذا الإطار، تنظر تركيا إلى استمرار نفوذها في الصومال باعتباره جزءاً من استراتيجيتها البحرية التي تمتد من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي، بينما ترى إسرائيل أن توسيع حضورها في هذه المنطقة يوفر لها عمقاً أمنياً إضافياً في مواجهة المتغيرات الإقليمية. ومن هنا، فإن أي تحرك جديد من أحد الطرفين سيدفع الآخر إلى إعادة تقييم سياساته، الأمر الذي قد يؤدي إلى سباق نفوذ طويل الأمد يتجاوز الطابع العسكري ليشمل الاقتصاد والموانئ وشبكات النقل والطاقة.
مستقبل العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.. تنافس محسوب أم مواجهة مفتوحة؟
رغم تصاعد المؤشرات التي تعكس تضارب المصالح التركية والإسرائيلية في الصومال، فإن احتمالات تحول هذا التنافس إلى مواجهة مباشرة ما تزال محدودة، إذ يدرك الطرفان أن كلفة الصدام ستكون مرتفعة في منطقة تعج بالأزمات والتدخلات الخارجية. ومع ذلك، فإن استمرار كل طرف في توسيع نفوذه قد يؤدي إلى زيادة الاحتكاك السياسي والأمني، خاصة إذا ارتبط ذلك بإنشاء قواعد عسكرية جديدة أو بعقد اتفاقيات أمنية تغير موازين القوى في القرن الإفريقي. ومن المرجح أن يشهد المستقبل القريب استمرار سياسة "التنافس المدروس"، حيث يسعى كل طرف إلى ترسيخ حضوره دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الاعتماد على أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري لتعزيز موقعه. وفي جميع الأحوال، فإن الصومال يبدو اليوم مقبلاً على مرحلة جديدة يصبح فيها محوراً لصراع النفوذ الإقليمي، بينما يتحول البحر الأحمر والقرن الإفريقي إلى مسرح رئيسي لإعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، بما يجعل أي تطور هناك ذا تأثير يتجاوز الحدود المحلية ليطال الأمن الإقليمي والدولي بأسره.
