الوقت - بعد مفاوضات مطولة، عُقدت جولة أخرى من المحادثات النووية غير المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة في سلطنة عُمان يوم الجمعة. وغادر كبار المفاوضين من الجانبين مسقط لإجراء مزيد من المشاورات وتقييمات أكثر تفصيلًا دون التطرق إلى تفاصيل هذه المشاورات أو تبادل المقترحات المحتملة.
انتهت هذه المحادثات عند هذه المرحلة، في حين بلغ مستوى التوتر في الخليج الفارسي أعلی مستوياته على الإطلاق مع التوغل العسكري الأمريكي في المنطقة، ويتحدث الخبراء عن خطر زعزعة استقرار واسعة النطاق نتيجةً لفشل المحادثات المحتمل. في ظل هذه الظروف، ونظرًا لأهمية وحساسية الموضوع، أجری موقع "الوقت" حوارًا مع الدكتور أحمد زارعان، الخبير في الشؤون الإقليمية ومدير مركز "أنديشة سازان نور" للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وفيما يلي نص الحوار.
الوقت: في أي جوٍ جرت المفاوضات؟ ولماذا تم نقل مكان انعقادها من تركيا إلى عُمان في اللحظة الأخيرة؟
الدكتور أحمد زارعان: بالنظر إلى التوغل العسکري الأمريكي في المنطقة والتهديدات التي يوجّهها الأمريكيون لإيران، مدّعيين أن الخيار العسكري مطروح على الطاولة، ثم المواقف الواضحة للمرشد الإيراني الأعلى بأن الحرب، في حال اندلاعها، ستشمل المنطقة بأكملها، فكرت دول المنطقة في منع نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة من خلال إنشاء آلية تفاوض، لأنها من جهة لا تملك القدرة أو الشجاعة لرفض مواقف الولايات المتحدة، وإذا أرادت الولايات المتحدة اتخاذ إجراء ضد إيران، فستستخدم مساحة وحدود بعض دول المنطقة، ومن جهة أخرى، تدرك هذه الدول أنها ستكون عرضةً للخطر الشديد في هذه الحرب، وأن اقتصادها وأمنها سيتضرران.
بالطبع، لا تسعى إيران إلى انتهاك سيادة الدول الأخرى في حرب إقليمية، ولكن من الطبيعي أن ترد إيران على المعتدي في نفس المنطقة التي تعرضت منها للهجوم، وفي حال نشوب حرب، ستُفسح دول المنطقة المجال أمام الولايات المتحدة. ولذلك، سعت دول المنطقة خلال الأسابيع الماضية إلى تهيئة مناخٍ مناسبٍ للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
الوقت: كيف تغير إطار مفاوضات طهران وواشنطن؟
الدكتور أحمد زارعان: عندما أُعلن عن خطة المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في البداية، تم اختيار تركيا كمكان لعقدها، وكان من المتوقع أيضاً مشاركة ممثلين عن بعض دول المنطقة. من الطبيعي أن يكون لدى إيران، بصفتها طرفاً مفاوضاً، بعض التحفظات بشأن مكان انعقاد المفاوضات وحضور دول أخرى، وذلك بهدف إدارة الأجواء السائدة خلالها. وقد وقع اختيار إيران على سلطنة عُمان كموقع للمفاوضات نظراً للعلاقات الودية بين البلدين، ولأن عُمان كانت منفتحةً على المفاوضات بين واشنطن وطهران في الماضي، فضلاً عن عدم وجود علاقات تربطها بتل أبيب.
وكانت النقطة التالية هي اقتراح إشراك ممثلين عن تركيا ومصر والسعودية، إلا أن وجود هذه الدول لن يُسهم في دفع المفاوضات قُدماً، كما أن زيادة عدد فرق التفاوض من شأنه أن يُشتّت تركيز الوفد الإيراني عن قضاياه الخاصة، أو أن يدفع أطرافاً ثالثةً إلى إقحام قضايا أخرى في المفاوضات. ولذلك، كان الشرط الثاني لإيران هو أن تقتصر المفاوضات على إيران والولايات المتحدة، مع تولي عُمان دور الوسيط.
أما الشرط الثالث، الذي اشترطته إيران لهذه المفاوضات، فكان أن يقتصر موضوعها على القضية النووية، وأن تُستبعد قضايا أخرى كالصواريخ، والقضايا الإقليمية، أو حتى الشؤون الداخلية الإيرانية. في البداية، أعلن الجانب الأمريكي ضرورة توسيع نطاق النقاش ليشمل قضايا أخرى، لكنه تراجع في النهاية، وتشكلت أجواء المفاوضات وفقًا لرغبات إيران، لتُجرى المفاوضات كعملية ثلاثية الأطراف، بوساطة عُمانية، وتقتصر على القضية النووية.
الوقت: لماذا أثار مسؤولو البيت الأبيض مجدداً مسألة الحاجة إلى اتفاق شامل قبل ساعات فقط من بدء المحادثات؟ هل هذه المواقف موجّهة للاستهلاك المحلي أم أنها تسعى لتحقيق هدف آخر؟
الدكتور أحمد زارعان: تسعى الولايات المتحدة إلى مفاوضات شاملة تُقدّم فيها إيران تنازلات كبيرة في جميع القضايا. هذا هدفٌ طرحه المسؤولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا في وسائل الإعلام، لكن ما جرى فعليًا، وما أعلنه المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أيضًا، هو أن المفاوضات اقتصرت على الملف النووي، لأنه في حال تبادل أي تنازلات، فمن الضروري أن تعترف الولايات المتحدة بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، وأن تُبدي إيران مرونةً في قضايا أخرى، وأن تتخذ إجراءات مطمئنة في مواجهة مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
خلال الأسابيع القليلة الماضية، شنت الولايات المتحدة حربًا إعلاميةً ضد إيران بشأن ضرورة التفاوض على قضايا أخرى غير نووية، ولكن عندما يرفض الفريق الإيراني التفاوضي أي قضية أخرى غير النووية، فمن الطبيعي ألا تُناقش أو تُساوم على قضايا أخرى، وسيتكرر هذا النهج في الماضي والمستقبل. في الوقت نفسه، يهدف التركيز على توسيع نطاق المواضيع المطروحة في المفاوضات، إلى تهيئة مناخ يسمح للأمريكيين بالتأثير على أجواء المفاوضات. من الطبيعي ألا تتراجع الجمهورية الإسلامية عن القضايا المتعلقة بأمن إيران ومصالحها الحيوية، كما أن قضية الصواريخ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأمن إيران القومي.
وفيما يتعلق بالقضية الإقليمية، أكدت إيران مراراً وتكراراً أن جماعات المقاومة تعمل بمحض إرادتها، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكن يوماً محرضةً على هذه الجماعات. ومع ذلك، إذا طلبت هذه الجماعات المساعدة من إيران، فإن إيران ستقدّمها، لكن يبقى القرار النهائي بشأن كيفية تصرف جماعات المقاومة في القضايا الإقليمية بيدها وحدها.
وفيما يتعلق بالقضايا الداخلية، فإن المفاوضات غير مقبولة أساساً. لذا، تقتصر المفاوضات على القضية النووية فقط، رغم محاولات الأمريكيين تصويرها في وسائل الإعلام على أنها أوسع نطاقاً من القضية النووية.
نلاحظ أيضاً اختلافاً جوهرياً بين توقعات الأمريكيين والصهاينة من المفاوضات مع إيران. فبالنسبة للأمريكيين، تُعدّ القضية النووية مهمةً في المفاوضات مع إيران، بينما تُعدّ قضية الصواريخ مهمةً بالنسبة للكيان الصهيوني. وتسعى تل أبيب إلى استغلال التطورات الداخلية في إيران للضغط عليها، وفي هذا السياق، يدّعي الأمريكيون في وسائل الإعلام أنهم يتفاوضون على قضايا تتجاوز الملف النووي.
الوقت: بالنظر إلى تجربة الجولات السابقة من المفاوضات وخيانة الجانب الأمريكي، هل لدى واشنطن الإرادة الحقيقية للتوصل إلى اتفاق عادل والتخلي عن نهجها العدائي تجاه الشعب الإيراني؟
الدكتور أحمد زارعان: لدى الأمريكيين حلمٌ قديمٌ بشأن إيران، ولن يتخلوا عنه حتى يتحقق. يتمثّل حلم أمريكا في عودة الأوضاع في إيران إلى ما كانت عليه قبل عام ١٩٧٩، وقد ركزت جهودها على مدى السنوات السبع والأربعين الماضية على هذا الهدف. إلا أن هناك فجوةً كبيرةً بين الحلم والواقع، ولم يتمكن الأمريكيون حتى الآن من تحقيق أهدافهم المتعلقة بإيران. ولذلك، تستخدم واشنطن أدواتٍ متنوعة، كالتهديدات العسكرية والعقوبات والمفاوضات، لتحقيق غاياتها.
ونظراً لأن الأمريكيين يطرحون شروطاً في المفاوضات لا تقبلها أي حكومة مستقلة، فإن نتيجة المفاوضات محسومة سلفاً. فعلى سبيل المثال، في المفاوضات النووية، يريد الأمريكيون من إيران التخلي تماماً عن تقنيتها النووية. وبافتراض أن إيران تقبل أيضاً بهذا الشرط (وهو أمر مستبعد تماماً)، فإن الخطوة التالية للولايات المتحدة هي إبعاد إيران عن مشروع الصواريخ، والخطوة التالية ستكون تخلي إيران عن مشروعها الإقليمي.
ولذلك، تسعى واشنطن إلى تقليص نفوذ إيران تدريجيًا، لكن إيران لن تقبل أبدًا بمثل هذه الشروط. وعليه، فإن نهج الولايات المتحدة وسلوكها لا يعنيان أنها ستعود إلى سياستها الطبيعية بمجرد دخولها في مفاوضات، إذا كانت نتائجها إيجابيةً. بل إن المفاوضات بالنسبة للولايات المتحدة جزء من مشروع لإضعاف إيران تدريجيًا، وتحويلها إلى دولة ضعيفة في المنطقة، وإعادتها إلى فلكها كما كانت قبل الثورة الإسلامية في إيران. لذلك، تُعتبر المفاوضات إجراءات تكتيكية، ولا تنظر الولايات المتحدة إليها بمبادئ راسخة، بل تعتبرها أداةً لتحقيق أهدافها الخاصة، بهدف إضعاف إيران وتأمين مصالحها.
الوقت: ما هو تقييمكم لفرص نجاح المفاوضات؟
الدكتور أحمد زارعان: بشكل عام، تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن التفاؤل بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة، وذلك لعدة أسباب:
أولاً، يسعى الأمريكيون إلى فرض توقعات وتنازلات في هذه المفاوضات لن توافق عليها إيران، لأن الولايات المتحدة تريد من إيران التخلي عن قدراتها واستثماراتها النووية واتباع نهجها. لذا، ونظراً للفجوة بين توقعات إيران والولايات المتحدة، لا يمكن التفاؤل بنتائج المفاوضات.
ثانيًا، لا يُمثّل الأمريكيون طرفًا مستقلًا في هذه المفاوضات، ولو كانت أمريكا مستقلةً، لربما دخلت في مفاوضات تبادلية مع إيران، لكنهم الآن يشاركون فيها نيابةً عن الكيان الصهيوني. في الواقع، يحتجز الكيان الصهيوني الحكومة والشعب الأمريكيين رهائن، ويستغل أمريكا لأغراضه الخاصة. لذا، بما أن الأمريكيين لا يملكون دورًا مستقلًا في المفاوضات، وأنهم مُنصاعون لتل أبيب، وبما أن السيد ويتكوف سافر إلى تل أبيب قبل المفاوضات وتلقى جدول أعمالها من الصهاينة، ثم جاء إلى مسقط، فلا ينبغي لنا أن نتفاءل بنتائجها.
بالطبع، ستكون الحرب أشدّ خطورةً على الجانب الأمريكي منها على إيران، وستتضرر مكانة الولايات المتحدة. على أي حال، فإن أي دولة تتعرض لتهديد وجودي لا تملك ما تخسره وستقاوم حتى الموت، وإذا كانت الولايات المتحدة حكيمةً، فلن تغامر بمكانتها وسمعتها، لكنها تتعرض لضغوط من الصهاينة، وبالتالي فإن أعمالها العدائية في المنطقة ستخلق لواشنطن حرب فيتنام أخرى.
