الوقت- بعد مرور عام على ولاية ترامب الثانية، وصل الخلاف عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى مرحلة لا رجعة فيها أكثر من أي وقت مضى، لم يعد النقاش اليوم يدور حول خلافات حول قضية أو أكثر من القضايا الجيوسياسية، بل إن الآليات التي حافظت على التحالف لعقود قد انهارت تمامًا.
في غضون ذلك، يبدو أن هذا التحالف قد تلقى ضربة قوية في مجال سياسة واشنطن التجارية والتعريفية، بينما يسعى ترامب، من خلال فرض تعريفات جمركية باهظة وممارسة ضغوط سياسية، إلى إجبار الحلفاء التقليديين على مزيد من التوافق مع واشنطن لتعزيز النفوذ الأمريكي واحتواء الصين، إلا أن هذه السياسات العقابية أتت بنتائج عكسية، حيث بات حلفاء الولايات المتحدة المقربون ينأون بأنفسهم عنها ويتجهون نحو القوى الشرقية، ويبنون تحالفات اقتصادية جديدة.
وفي آخر التطورات في هذا المجال، كشف مسؤولون أوروبيون رفيعو المستوى، يوم الثلاثاء (27 يناير)، عن اتفاقية اقتصادية مهمة مع الهند، واصفين إياها بالخطوة التاريخية التي اتخذتها أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، واصفين إياها بـ"أم الاتفاقيات" التي ستوفر فرصًا عظيمة لسكان الهند البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، وملايين الأشخاص في أوروبا، ومن المتوقع، وفقًا لمسؤول أوروبي، أن تُنفذ هذه الاتفاقية المهمة في غضون عام.
ويهدف الاتفاق بشكل أساسي إلى تسهيل وزيادة تبادل السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والهند، حسب الاتحاد الأوروبي، ستلغي الاتفاقية الرسوم الجمركية بنسبة تصل إلى 44% على الآلات، و22% على المواد الكيميائية، و11% على الأدوية، ومن المتوقع أيضاً أن تُضاعف الصادرات إلى الهند بحلول عام 2032، مع إلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على 96.6% من قيمة صادرات الاتحاد الأوروبي.
تهدف الاتفاقية إلى زيادة تبادل السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والهند، ووفقاً لتقارير إعلامية، سيُوفر خفض الرسوم الجمركية ما يقارب 4 مليارات يورو سنوياً من الرسوم الجمركية على المنتجات الأوروبية، ووفقاً للاتحاد الأوروبي، تعمل حالياً أكثر من 6000 شركة أوروبية في الهند، وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز النمو وخلق فرص العمل مع تقليل الاعتماد المفرط على الدول الأخرى.
من جهة أخرى، تُمهد الاتفاقية الطريق أمام سهولة الوصول إلى السوق الأوروبية وتضمن التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر للهند.
تُعد الهند الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، حيث يزيد عدد سكانها على 1.45 مليار نسمة، بينما يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي حوالي 450 مليون نسمة، يمثل الجانبان معًا ما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي وربع عدد سكان العالم، وبلغت قيمة التبادل التجاري بينهما 136.5 مليار دولار أمريكي في السنة المالية المنتهية في مارس 2025، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بدءًا من العام المقبل.
اتفاقية الاتحاد الأوروبي وميركوسور
تم توقيع اتفاقية الاتحاد الأوروبي والهند بعد أيام قليلة من إبرام الاتحاد الأوروبي حزمة اتفاقيات مهمة مع ميركوسور (التي تضم الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي)، وبذلك، يمكن القول في يوم السبت (17 يناير)، وقّع قادة الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية أخيرًا اتفاقية تجارة حرة بعد 25 عامًا من المناقشات والمفاوضات.
وقد خضع توقيع اتفاقية ميركوسور لمناقشات ومفاوضات مستمرة لأكثر من عقدين، وستغطي سوقًا تضم 780 مليون نسمة وربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
يبلغ إجمالي حجم التجارة في السلع بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور حاليًا حوالي 111 مليار يورو، منها 55.2 مليار يورو صادرات من الاتحاد الأوروبي إلى ميركوسور و56 مليار يورو واردات من الاتحاد الأوروبي إلى ميركوسور.
يُعدّ الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري لسوق ميركوسور في السلع، بينما تُعتبر ميركوسور من أهم شركاء الاتحاد الأوروبي، وتُشكّل البرازيل أكثر من 80% من حجم التجارة السلعية بين الجانبين.
يرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن الاتفاقية تُتيح لأوروبا فرصةً لزيادة حصتها السوقية في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في قطاعات مثل السيارات والآلات والطيران، في مواجهة الصين، وتعزيز نفوذها السياسي من خلال تعميق التعاون.
تجدر الإشارة إلى أنه خلال العقدين الماضيين، حين كان الأوروبيون غير نشطين في سوق ميركوسور، وفي ظل هذا الفراغ، تمكّنت الصين من تعزيز حجم تجارتها مع دول هذه المنطقة، حتى تجاوزت حصتها السوقية الآن حصة الاتحاد الأوروبي بنحو 40%.
لذا، من منظور جيوسياسي، يُمكن لهذه الاتفاقية أن تُعزّز العلاقات الاقتصادية لأوروبا مع أمريكا الجنوبية، وتُرسّخ دور أوروبا كلاعب رئيسي في السوق العالمية، وخاصةً في مواجهة الضغوط والمنافسة من الصين والولايات المتحدة.
ضربة لمكانة أمريكا
يرى المحللون أن تعميق التعاون الاقتصادي للاتحاد الأوروبي مع القوى الآسيوية والأمريكية في الأسابيع الأخيرة، والخطوة المماثلة التي اتخذتها كندا، الحليف المقرب الآخر لواشنطن، لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، لا يقتصران على كونهما قضيتين اقتصاديتين ذات تداعيات مالية وتجارية، بل هما بالأحرى رد فعل استراتيجي وجيوسياسي على حليف غير موثوق به حوّل الرسوم الجمركية إلى أداة للضغط الجيوسياسي من خلال انتهاك قواعد التجارة الحرة.
تعتبر أوروبا وكندا سياسات ترامب الطموحة سياسات إمبريالية، في خطوة تبدو وكأنها تهدف إلى الهيمنة على المجتمعات الغربية وابتلاع حلفاء واشنطن التقليديين، ومع استمرار هذا التوجه، يعتقد العديد من الخبراء أن سياسات ترامب الأحادية والمواجهة لم تتسبب فقط في تباعد حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، بل ساهمت أيضاً، دون قصد، في تعزيز التكتلات والمنظمات المنافسة.
وتتصدر هذه الهياكل الناشئة منظمات مثل مجموعة البريكس، التي تتمحور حول الصين وروسيا، لتصبح بديلاً محتملاً للنظام الاقتصادي والمالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وقد تشكلت مجموعة البريكس في البداية كإطار اقتصادي بين عدد من الاقتصادات الناشئة، ثم لعبت دوراً أكثر بروزاً في المعادلات العالمية في السنوات الأخيرة من خلال توسيع عضويتها، وتعميق التعاون المالي، ومحاولة تقليل اعتمادها على الدولار.
وقد دفعت الضغوط الاقتصادية الأمريكية، والعقوبات واسعة النطاق، والاستخدام الأداتي للنظام المالي الدولي، العديد من الدول إلى استنتاج أن استمرار الاعتماد على الهياكل المالية ذات التوجه الغربي قد يعرض أمنها الاقتصادي والسياسي للخطر، وفي ظل هذه الظروف، أصبحت مجموعة البريكس منصة جذابة للدول الساعية إلى مزيد من الاستقلال عن واشنطن.
تشير الإحصاءات إلى أنه مع انضمام دول جديدة إلى مجموعة البريكس، باتت هذه الكتلة الاقتصادية تمثل نصف سكان العالم و40% من الاقتصاد العالمي، ومن المتوقع أن تتجاوز حصة البريكس من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 50% بحلول عام 2040، وهذا يُشكل تهديدًا خطيرًا لهيمنة الولايات المتحدة التي دامت 80 عامًا.
وإن سياسات ترامب، ولا سيما في مجال التعريفات الجمركية والحرب الاقتصادية مع الصين، وإن كانت تهدف إلى احتواء بكين، إلا أنها تُسهم عمليًا في تسريع عملية تعدد الأقطاب في الاقتصاد العالمي.
كما سعت الصين إلى استغلال هذه الثغرات من خلال تصوير نفسها كداعم للتجارة الحرة، والتعاون بين بلدان الجنوب، وتطوير البنية التحتية العالمية، وتُعد مبادرة الحزام والطريق ودور بكين الفاعل في مؤسسات مثل البريكس والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية جزءًا من استراتيجية الصين لملء الفراغ الذي خلفه تراجع الولايات المتحدة أو تصرفاتها غير المنتظمة.
في غضون ذلك، واجه الوضع الاقتصادي الأمريكي، الذي كان يُنظر إليه لعقود كقوة مهيمنة بفضل دوره المحوري في تأسيس المؤسسات الدولية وهيمنة الدولار على الأسواق المالية، تحديات جسيمة، فالإفراط في استخدام العقوبات، وتجاهل القواعد الدولية، وإضعاف مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية، لم يضر بمصداقية الولايات المتحدة فحسب، بل زاد أيضًا من حافز الدول الأخرى لإنشاء آليات بديلة، والنتيجة هي تراجع تدريجي في النفوذ الاقتصادي لواشنطن، وتزايد ثقل منافسين مثل الصين في النظام العالمي.
من جهة أخرى، تواجه المنظمات والمؤسسات الاقتصادية التي أُنشئت تحت القيادة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية - بدءًا من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصولًا إلى النظام المالي القائم على الدولار - أزمة شرعية وفعالية، إذ تنظر العديد من الدول النامية إلى هذه المؤسسات كأدوات تستخدمها أمريكا لممارسة نفوذها السياسي والاقتصادي، بدلًا من كونها آليات نزيهة للتنمية والاستقرار العالميين، وقد اشتدت هذه النظرة النقدية، ولا سيما خلال عهد ترامب، عندما لم تلتزم الولايات المتحدة حتى بتعهداتها ضمن هذه الأطر.
إن إضعاف هذه المؤسسات، إلى جانب تعزيز الهياكل الموازية مثل مجموعة البريكس، يعني تحولاً تدريجياً في مركز ثقل الاقتصاد العالمي من الغرب إلى الشرق، تستعد الصين لتولي زمام المبادرة الاقتصادية العالمية من خلال استثماراتها الضخمة في التكنولوجيا وسلاسل التوريد والأسواق الناشئة، في المقابل، زادت الولايات المتحدة، بتركيزها على سياسات حمائية قصيرة الأجل وضغطها على حلفائها، من خطر فقدان مزاياها الاستراتيجية طويلة الأجل.
في نهاية المطاف، بدلاً من ترسيخ القيادة الأمريكية، أضعفت سياسات ترامب النظام الاقتصادي القائم تحت قيادة واشنطن، وعجّلت من تراجع قوتها الاقتصادية النسبية. إذا استمر هذا التوجه، سيشهد العالم ظهور نظام لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب المهيمن بلا منازع، وستلعب فيه الصين، إلى جانب حلفائها مثل روسيا ودول البريكس، دوراً أكثر حسمًا في مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو تطور ستكون له تداعيات عميقة على موازين القوى والتجارة الدولية والسياسة العالمية.
