الوقت - تساءلت صحيفة نيويورك تايمز، لماذا يبدو الهجوم على إيران مهمةً شاقةً بالنسبة لدونالد ترامب؟ مشيرةً إلى أن ترامب لطالما استشهد بتجربة فنزويلا، حين أرسل أساطيله الحربية إلى المنطقة، مُظهراً ذلك كأداة ضغط واستعراضاً لجهوزيته لتنفيذ تحركات عنيفة وسريعة.
إلا أن هذا التشبيه، في نظر المراقبين الأمنيين، ليس إلا وهماً مضللاً، فإيران، وإن كانت تعاني كفنزويلا من وطأة العقوبات الثقيلة والأزمات الاقتصادية، إلا أن قدراتها العسكرية والإقليمية تتسم بتعقيد بالغ وخطورة متناهية، فهي قادرة على توجيه ضربات مباشرة إلى "إسرائيل" وزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وهي قدرات لا تمتلكها فنزويلا، ما يجعل أي حسابات تتعلق بإيران محفوفة بالمخاطر الجسيمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، ما الهدف السياسي والعملياتي من هذه التحركات؟ هل يرمي الأمر إلى تغيير النظام الإيراني؟ أم إلى ضمان أن قدرات إيران الصاروخية لن تطال "إسرائيل"؟ أم إلى القضاء على برنامجها النووي برمته؟ إن التحرك العسكري قد لا يحقق أياً من هذه الأهداف، فحين تضغط على الحكومة الإيرانية، فإنك تواجه سيلاً من الردود، دون أن تظهر أولويات واضحة.
وإذا صدقنا تصريحات الرئيس ترامب، فإن الوقت ينفد لاتخاذ خطوة عسكرية ضد إيران، فقد طالبها بإنهاء برنامجها النووي، والتوقف عن إنتاج الصواريخ التي يمكن أن تصل إلى "إسرائيل"، ووقف كل أشكال الدعم الذي تقدمه لما سماه “وكلاءها” في المنطقة، وباختصار، يطلب منها أن تتخلى عن جميع أوراق قوتها وتأثيرها.
لكن الواقع الذي يراه المراقبون، أن مثل هذه المطالب أشبه بمن يسعى إلى نزع مخالب نمرٍ شرس، دون أن يمتلك الجرأة الكافية لمواجهته في عرينه.
طريق طويل محفوف بالمخاطر، وترامب يلوّح بأنياب القوة
كتب ترامب في الأسبوع الماضي قائلاً: "أسطول عظيم يشقّ طريقه نحو إيران، مستعد ومهيأ وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وعنف إن اقتضى الأمر"، لكن الرئيس الأمريكي لا يزال يتشبث بمقارنة إيران بفنزويلا، رغم أن الفارق بين الخصمين كالفارق بين السيف والغمد، فإيران ليست كفنزويلا، إذ تحمل في جعبتها قدرةً بالغة الخطورة على ضرب المدن الإسرائيلية وزعزعة استقرار الشرق الأوسط بأسره، ما يجعلها عدواً أشدّ بأساً وأعظم خطراً، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل ترامب ومساعديه، رغم الضجيج الذي يثيرونه، يترددون في ترجمة تهديداتهم العسكرية إلى أفعال.
ترامب يستخدم فنزويلا كفزّاعة لإرهاب الإيرانيين، لكنه يفتقر إلى هدفٍ جليٍّ واضح. خارطة الطريق مألوفة، لكن الغاية مختلفة إلى حد بعيد، فإيران تمتلك من القدرات ما يمكّنها من إلحاق أضرار جسيمة بطرق لا تملكها فنزويلا.
أما الصحفية إريكا سولومون، مراسلة نيويورك تايمز في إيران، فتقول إن المسألة هذه المرة تتعلق بالبقاء والوجود، فقد أعلنت إيران أن أي هجوم أمريكي سيُقابل برد يجعل المنطقة بأسرها تشتعل بنيران الحرب، ووفقاً لما ورد، فإن الميليشيات الشيعية في العراق، التي طالما حظيت بدعم إيران، قد تعهدت بالوقوف إلى جانبها.
وتضيف سولومون إن هذه “القوى الاستشهادية” قد أقسمت على القتال حتى آخر رمق، وهي قادرة على إشعال مواجهات مع القوات الأمريكية في العراق، ما سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بشكل كبير، كما أن أنصار الله في اليمن قد ينضمون إلى هذا الصراع، وقد سبق لهم أن استهدفوا السفن الأمريكية في مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
غير أن التهديد الأكثر إلحاحاً يأتي من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تمتلكها إيران، والتي يمكنها أن تغطي مسافةً تصل إلى 2000 كيلومتر، ما يضع كامل الشرق الأوسط في دائرة الخطر، وقد حذّرت إيران بأنها سترد على أي هجوم باستهداف "إسرائيل" والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
أما الصحفي رونين بيرغمان، مراسل نيويورك تايمز في تل أبيب، فيشير إلى أن "إسرائيل"، بعد حرب استمرت عامين، أصبحت تعاني نقصاً في صواريخها الاعتراضية، ويضيف إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية حذّرته من أن أي هجوم مضاد إيراني قد يُركز على المدن الكبرى في "إسرائيل"، قائلاً: "نتحدث هنا عن صواريخ تحمل 500، 700، وحتى 900 كيلوغرام من المتفجرات، بإمكانها أن تدمّر شارعاً بأكمله وتجعله أثرًا بعد عين".
