الوقت - على الرغم من هدوء مياه شمال الخليج الفارسي في ظاهرها، إلا أنها كانت في السنوات الأخيرة مسرحاً لتوترات خفية لم تجد طريقها إلى الحل، توترات تضرب بجذورها في عُقدٍ تاريخية وتنافسات جيوسياسية، تتفجّر بين الحين والآخر.
في فبراير من عام 2026، أطلقت بغداد خطوةً تبدو فنيةً في ظاهرها، لكنها حملت أبعاداً سياديةً عميقةً، تمثّلت في إعادة ترسيم الحدود البحرية، ما أعاد إحياء هذه العقد القديمة وأشعل أزمةً دبلوماسيةً بين الجارتين، العراق والكويت، سرعان ما أخذت أبعاداً إقليميةً، وقد اعتبرت الكويت هذه الخطوة تجاوزاً على الخطوط الحدودية المتفق عليها واعتداءً على سيادتها، وهو الأمر الذي حوّل الخلاف القانوني إلى نزاع سياسي متأجج.
لكن أين يكمن الجذر الحقيقي لهذا النزاع؟ ولماذا اشتعلت نيرانه مجدداً في هذا التوقيت؟ وما هي المناطق الجغرافية التي تقع في صلب الخلاف؟ وما قيمتها الحقيقية في المعادلات البحرية؟ وكيف تحوّل “خور عبدالله” عبر العقود إلى رمز للصراع المستمر بين بغداد والكويت؟
أسباب عودة الأزمة
اندلعت شرارة الأزمة الجديدة عندما قام العراق، في التاسع عشر من يناير والتاسع من فبراير عام 2026، بتسجيل وثائق محدَّثة تتضمن قائمةً بالإحداثيات الجغرافية وخريطةً توضيحيةً لحدوده البحرية لدى الأمين العام للأمم المتحدة، وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تبدو قانونيةً وفنيةً في ظاهرها، إلا أنها سرعان ما اتخذت أبعاداً سياسيةً وسياديةً.
وأعلنت بغداد أن هذا الإجراء يأتي في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وبناءً على نظام الإحداثيات الجيوديزية العالمي (WGS-84). وكان الهدف من هذا التسجيل هو تحديد خطوط الأساس المستقيمة وتعريف البحر الإقليمي، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والجرف القاري للعراق، وهو ما اعتبرته الحكومة العراقية تثبيتاً لحقوقها القانونية وفق القواعد الدولية.
وأكدت وزارة الخارجية العراقية أن الوثائق الجديدة تحلّ محل تلك المسجّلة في عامي 2011 و2021، وتهدف إلى صون الحقوق السيادية للعراق وتعزيز موقفه القانوني في أي مفاوضات مستقبلية حول ترسيم الحدود، ولاسيما في المناطق الواقعة بعد المنصة العائمة 162 في خور عبدالله، التي لا تزال موضع خلاف.
وفي هذا السياق، استدعت وزارة الخارجية الكويتية القائم بالأعمال العراقي، زيد عباس شنشول، وسلّمته مذكرة احتجاج رسمية، واعتبرت الكويت أن تسجيل العراق للإحداثيات الجديدة لدى الأمم المتحدة يتضمن مزاعم تتعارض مع سيادة الكويت على بعض المناطق البحرية ومعالمها الثابتة، بما في ذلك "فشت القائد" و"فشت العيج".
ودعت الخارجية الكويتية العراق إلى مراعاة العلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين، والتعامل بمسؤولية وجدية وفقاً للقوانين والمبادئ الدولية، وبما يتفق مع ما نصّت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ومذكرات التفاهم والاتفاقيات الثنائية المبرمة بين البلدين.
ردّ العراق: ترسيم المناطق البحرية حق سيادي لبغداد
وفي مواجهة الاعتراضات الكويتية، أكدت السلطات العراقية أن تحديد وتعريف المناطق البحرية حق سيادي لكل دولة ساحلية، وفقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا يحق لأي دولة أخرى التدخل في هذا الشأن.
وشدّدت بغداد على التزامها بالقوانين والقواعد الدولية، معتبرةً أن الإجراء الأخير يندرج ضمن هذا الإطار. وفي بيان رسمي، أوضحت وزارة الخارجية العراقية أن قرار الحكومة العراقية في عام 2025 بتسجيل خريطة المناطق البحرية لدى الأمم المتحدة، يستند إلى مجموعة من القوانين الداخلية، والقرارات السابقة، والمواقف الرسمية التي تحدّد حقوق العراق البحرية واختصاصاته، وهو قرار يتماشى تماماً مع اتفاقية قانون البحار لعام 1982 والقواعد الدولية ذات الصلة.
كما أكدت الوزارة أن الهدف من هذا الإجراء هو جمع وتوحيد كافة الإجراءات القانونية السابقة المتعلقة بالمناطق البحرية للعراق في وثيقة واحدة دقيقة ومحدثة، تأخذ بعين الاعتبار تطورات القانون الدولي للبحار، بما في ذلك توسع صلاحيات الدول الساحلية، ويأتي ذلك في سياق تعزيز الموقف القانوني للعراق في أي عملية مستقبلية لترسيم الحدود.
الجذور التاريخية للأزمة: صفحة لم تُطوَ من نزاع العراق والكويت
إن أساس هذا الخلاف الذي ألقى بظلاله الثقيلة على العلاقات بين العراق والكويت يعود إلى عام 1961، حين أعلنت الكويت استقلالها عن بريطانيا، آنذاك، رفضت الحكومة العراقية الاعتراف بهذا الاستقلال الكامل، وظل هذا الموقف قائماً حتى عام 1963، حين بادلت بغداد والكويت رسائل رسمية أقرّت فيها الأولى بسيادة الكويت، ومع ذلك، لم يطوَ ملف الحدود البحرية عند "خور عبدالله" طياً كاملاً، بل ظل عالقاً في إطار تفاهمات عامة لم تُحسم جذورها.
وفي عام 1990، حين اجتاحت القوات العراقية الكويت، دخلت الأزمة منعطفاً جديداً، زاد من تعقيدها تحرير الكويت في حرب الخليج الأولى عام 1991. وعقب ذلك، تدخّل مجلس الأمن الدولي بقراره رقم 833 الصادر عام 1993 لترسيم الحدود البرية بين البلدين، أوصت لجنة الحدود التابعة للأمم المتحدة حينها بتقسيم "خور عبدالله" بالتساوي بين العراق والكويت، استناداً إلى اتفاقات رسائل عام 1963، غير أن عملية الترسيم توقفت عند النقطة أو العوامة 162 عند مدخل القناة، تاركةً مسألة ترسيم الحدود في أعماق الخليج الفارسي لمفاوضات مستقبلية بين الطرفين.
استقبلت الكويت هذا القرار بترحاب، معتبرةً إياه تثبيتاً لحقها التاريخي، بينما رأى بعض الساسة العراقيين أن الأمم المتحدة استغلت ضعف بغداد بعد الحرب، وانحازت لمصلحة الكويت في تحديد الحدود.
ومع سقوط نظام البعث عام 2003، بدأت العلاقات بين البلدين تشهد تحسناً تدريجياً، وأُعيد فتح ملف الحدود البحرية. وفي أبريل عام 2012، وقّعت حكومة العراق برئاسة نوري المالكي اتفاقيةً مع الكويت لتنظيم الملاحة في مياه خور عبدالله، هدفت إلى إدارة القناة بشكل مشترك وتنظيم عمليات التجريف.
وفي عام 2013، صادق البرلمان العراقي على الاتفاقية، وسُجلت كمعاهدة دولية ملزمة لدى الأمم المتحدة، غير أن بعض الساسة العراقيين، ولا سيما ممثلي المحافظات الجنوبية، اعتبروا هذه الاتفاقية تنازلاً عن حقوق العراق السيادية، وزعموا أن إقرارها لم يحصل على أغلبية الثلثين اللازمة وفقاً للدستور العراقي لتصديق المعاهدات الدولية، ما أثار جدلاً داخلياً واسعاً.
وفي العام المنصرم، تصاعدت التوترات الدبلوماسية مجدداً بين البلدين بشأن ترسيم الحدود البحرية فيما يتجاوز النقطة 162، وهي منطقة ظلت دون حسم منذ صدور قرار مجلس الأمن 833 عام 1993.
وتعرض رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لانتقادات حادة في هذا السياق، حيث اتُّهم بالسعي لإحياء الاتفاقية البحرية الخاصة بخور عبدالله، التي أبطلتها المحكمة الاتحادية العليا في العراق عام 2023، بشكل غير معلن.
وفي سبتمبر 2023، قضت المحكمة الاتحادية العليا في العراق بعدم دستورية اتفاقية خور عبدالله، مستندةً إلى أن تصديقها لم يحقق أغلبية الثلثين في البرلمان كما يقتضي الدستور العراقي، وقد أثار هذا الحكم اعتراضاً رسمياً من الكويت، التي اعتبرت القرار مبنياً على قراءة تاريخية مغلوطة.
وقد فتح هذا الحكم الباب أمام نقاشات واسعة في العراق حول الالتزامات الدولية لبغداد، وأولوية الدستور الوطني، وموقع العراق القانوني في مياه الخليج الفارسي، كما أضفى على القضية طابعاً انتخابياً داخلياً، حيث وصف بعض مستشاري رئيس الوزراء القرار بأنه انعكاس لاحتدام المناخ الانتخابي المبكر، بينما رأى منتقدو الحكومة أن ردود الفعل كانت مفرطة التسييس.
من الناحية الفنية، يتمحور النزاع حول كيفية ترسيم الحدود في خور عبدالله، إذ يرفض العراق اعتماد “الخط الوسطي” كأساس للترسيم، ويفضّل بدلاً من ذلك أن يُرسم الخط الحدودي وفقاً لـ"أعمق نقطة صالحة للملاحة" في القناة الرئيسية، نظراً لأن الجانب العراقي من الممر المائي يعاني من تراكم الطمي، ما يجعل اعتماد الخط الوسطي مهدداً للوصول البحري لبغداد.
على الجانب الآخر، تصر الكويت على أن قرار مجلس الأمن 833 يغطي الحدود البرية والبحرية معاً ويوفّر الإطار القانوني الكافي لذلك، بينما يرى العراق أن القرار لا يشمل المياه العميقة، ما يستدعي اتفاقاً تكميلياً.
ويرى المراقبون أن استمرار تسجيل الاعتراضات الرسمية وتثبيت المواقف القانونية من الطرفين، قد يُفضي في نهاية المطاف إلى رفع القضية إلى إحدى المحاكم الدولية، سواء محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار، ولكن مثل هذا المسار، بالنظر إلى تعقيداته القانونية والسياسية، قد يستغرق سنوات طويلة، وستكون له تبعات ملزمة على كلا البلدين.
