الوقت- يأتي الموقف الصومالي الرافض لأي حديث عن تهجير الفلسطينيين إلى صوماليلاند في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتكثف التحركات السياسية الإسرائيلية بحثاً عن مخارج إقليمية ودولية لأزمة الاحتلال المتصاعدة، إعلان الصومال عدم السماح باستخدام أراضيه، أو الأراضي التي يعتبرها جزءاً من سيادته، في أي مخطط يهدف إلى نقل الفلسطينيين قسراً، يعكس وعياً سياسياً بخطورة هذه الطروحات، ويؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت قضية أخلاقية وسيادية لدى عدد من الدول، وليست ملفاً قابلاً للمساومة أو التدوير الجغرافي.
خلفية الطرح الإسرائيلي وأهدافه غير المعلنة
الحديث عن ربط الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بمسألة تهجير الفلسطينيين يكشف عن نمط سياسي يقوم على تبادل المصالح مقابل شرعنة مشاريع تمس شعوباً بأكملها، هذا الطرح لا ينفصل عن محاولات "إسرائيل" المستمرة لإفراغ الأرض الفلسطينية من سكانها عبر حلول تتجاوز السياق التاريخي والقانوني للصراع، فالتهجير لا يُقدَّم كجريمة، بل كحل إنساني مزعوم، بينما هو في جوهره امتداد لسياسات الإقصاء والاقتلاع التي رافقت المشروع الصهيوني منذ نشأته.
صوماليلاند بين الحسابات الدولية والسيادة الصومالية
تُعد صوماليلاند إقليماً معقداً سياسياً، إذ أعلن انفصاله من طرف واحد دون اعتراف دولي واسع، وتسعى سلطاته إلى كسب شرعية خارجية بأي ثمن، هذا الواقع يجعل الإقليم عرضة لمحاولات الاستغلال عبر وعود الاعتراف أو الدعم الاقتصادي، غير أن الموقف الصومالي الرسمي يضع حداً لهذه المسارات، مؤكداً أن السيادة لا تُجزّأ، وأن أي تعامل خارجي مع صوماليلاند خارج إطار الدولة الصومالية يُعد مساساً مباشراً بوحدة البلاد واستقرارها السياسي.
إفريقيا ومخاطر الانخراط في مشاريع التهجير
تشكل القارة الإفريقية ساحة استهداف محتملة لمشاريع التهجير بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها بعض دولها، غير أن الانخراط في مثل هذه المشاريع يحمل مخاطر بعيدة المدى، إذ قد يحوّل القارة إلى ساحة لتصفية صراعات لا تخص شعوبها، ويخلق توترات اجتماعية وسياسية جديدة، في هذا السياق، يبرز الموقف الصومالي كتحذير مبكر من الانجرار وراء حلول مفروضة خارجياً، ويؤكد أن حماية الاستقرار الإفريقي تبدأ برفض استخدام أراضيه كبديل عن العدالة الغائبة في فلسطين.
أهمية الموقف الصومالي في كبح تمدد المشروع
تتجاوز أهمية الرفض الصومالي البعد المحلي لتصل إلى تأثير إقليمي أوسع، إذ إن ثبات دولة واحدة على موقف مبدئي قد يشجع دولاً أخرى، وخاصة في إفريقيا، على رفض الانخراط في مشاريع مشابهة، كما أن تشكل جبهة رفض إفريقية يجعل تمرير فكرة التهجير أمراً بالغ الصعوبة، ويحد من قدرة "إسرائيل" على استخدام سياسة الإغراءات الثنائية، محولاً المشروع من خيار مطروح إلى عبء سياسي.
الأبعاد القانونية لرفض التهجير القسري
يحمل الرفض الصومالي لمخططات تهجير الفلسطينيين بعداً قانونياً واضحاً، إذ إن التهجير القسري يُعد جريمة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تحظر نقل السكان الواقعين تحت الاحتلال، إن أي محاولة لإعادة توطين الفلسطينيين خارج أرضهم الأصلية دون حل جذري قائم على إنهاء الاحتلال تمثل انتهاكاً صريحاً لحقوقهم الجماعية والفردية، من هذا المنطلق، لا يعبّر الموقف الصومالي عن تضامن سياسي فحسب، بل عن التزام بمبادئ قانونية دولية، ترفض تحويل الظلم إلى واقع دائم تحت غطاء التسويات السياسية المؤقتة.
الاستغلال السياسي للأزمات الإنسانية
تعكس محاولات طرح التهجير كحل للأزمة الفلسطينية نمطاً متكرراً في السياسة الدولية، يقوم على استغلال المعاناة الإنسانية بدل معالجتها من جذورها، فبدل الضغط لإنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، تُطرح أفكار تنقل الضحية من مكان إلى آخر، وكأن المشكلة تكمن في وجود الشعب الفلسطيني نفسه لا في واقع الاحتلال المفروض عليه، هذا المنطق لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام شرعنة حلول مشابهة في أزمات أخرى، ما يجعل رفض الصومال لهذه الطروحات دفاعاً عن مبدأ إنساني عام، لا عن قضية واحدة فقط.
روح المقاومة الفلسطينية في مواجهة محاولات الاقتلاع
في صلب هذا المشهد السياسي، تبقى روح المقاومة الفلسطينية العامل الأكثر إحباطاً لمخططات التهجير، فالفلسطينيون، رغم الحصار والدمار، لم يتعاملوا يوماً مع فكرة الرحيل كبديل، التمسك بالأرض والهوية والذاكرة يشكل جوهر هذه المقاومة، التي تتجسد في الصمود اليومي ورفض التخلي عن الوطن، مؤكدين أن فلسطين ليست قضية لجوء بل قضية تحرر.
البعد الأخلاقي في مواجهة منطق الصفقات السياسية
لا يمكن فصل هذا الملف عن بعده الأخلاقي، إذ إن تحويل معاناة الفلسطينيين إلى مادة تفاوض سياسي يطرح تساؤلات عميقة حول معايير العدالة في النظام الدولي، فحين تُعرض أراضٍ واعترافات مقابل قبول التهجير، تصبح القيم الإنسانية في مرتبة ثانوية أمام منطق المصالح، في هذا الإطار، يكتسب الموقف الصومالي رمزية خاصة، لأنه يرفض الدخول في صفقات تتناقض مع الضمير الإنساني، ويعيد التأكيد على أن القضايا العادلة لا تُحل عبر المقايضة، بل عبر إنصاف أصحاب الحق.
انعكاسات الموقف الصومالي على صورة الصراع دولياً
يساهم الموقف الصومالي الرافض لمشاريع التهجير في إعادة توجيه النقاش الدولي حول القضية الفلسطينية، من البحث عن حلول بديلة إلى مواجهة أصل المشكلة، فحين ترفض دولة خارج دائرة الصراع المباشر الانخراط في هذه المشاريع، فإنها تُضعف الرواية التي تحاول تقديم التهجير كخيار واقعي أو مقبول، كما يمنح هذا الموقف دفعة معنوية للفلسطينيين، ويعزز حضور القضية في الوعي الدولي بوصفها قضية حق وعدالة، لا ملفاً إنسانياً قابلاً للإدارة المؤقتة.
بين الرفض السياسي ومستقبل القضية الفلسطينية
يعكس هذا الموقف حقيقة تتجاوز الصومال و"إسرائيل"، وهي أن مستقبل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يُحسم عبر ترتيبات جغرافية بديلة، فأي حل لا ينطلق من إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الفلسطينية سيبقى حلاً مفروضاً ومحكوماً بالفشل، وفي هذا السياق، يبرز الموقف الصومالي كنموذج لدور الدول في حماية المبادئ ورفض المشاركة في ظلم تاريخي مستمر.
