الوقت- في مشهد بات يتكرر بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، يجد الصحفيون المستقلون أنفسهم في مرمى نيران الكيان الإسرائيلي، ليس بوصفهم ناقلين للخبر فحسب، بل كأهداف مباشرة لسياسة ترهيب ممنهجة تهدف إلى إسكات الحقيقة.
اغتيال الصحفي اللبناني الشيخ علي نور الدين في مدينة صور، عبر ضربة بطائرة مسيّرة، لا يمكن قراءته كحادثة معزولة أو “خطأ عسكري”، بل يأتي في سياق أوسع من استهداف متعمد لكل صوت إعلامي حر يرفض الانخراط في الرواية الصهيونية الرسمية.
الصحفي كعدو في العقيدة الصهيونية
منذ نشأة الكيان الإسرائيلي، ارتبط مشروعه الاستيطاني بإنتاج رواية إعلامية مكثفة تسعى إلى تبرير الاغتصاب والتهجير والقتل، وتقديمه للعالم بوصفه “دولة ديمقراطية” محاطة بالأعداء، في هذا الإطار، يصبح الصحفي المستقل الذي ينقل الوقائع من الميدان، ويكشف الانتهاكات والجرائم، خطرًا مباشرًا على هذه الرواية، فالصورة الموثقة، والشهادة الحية، والتقرير المهني، قادرة على تقويض سنوات من الدعاية السياسية والإعلامية.
الكيان الإسرائيلي يدرك أن معركته لم تعد عسكرية فقط، بل إعلامية وأخلاقية بالدرجة الأولى، ولهذا، لم يعد الصحفي بالنسبة له “مدنيًا محميًا” بموجب القانون الدولي، بل خصمًا يجب إسكات صوته بأي وسيلة، حتى وإن كان ذلك عبر الاغتيال المباشر.
من غزة إلى لبنان: سياسة ثابتة وأدوات متشابهة
ما جرى في جنوب لبنان يعيد إلى الأذهان عشرات الجرائم التي ارتكبها الكيان الإسرائيلي بحق الصحفيين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، خلال العدوانات المتكررة، استُهدفت مكاتب إعلامية معروفة، ودُمّرت أبراج تضم قنوات عربية ودولية، وقُتل صحفيون وهم يرتدون سترات تحمل بوضوح كلمة “PRESS”.
هذه السياسة لم تكن يومًا عشوائية، بل استندت إلى قرار واضح مفاده بأن نقل الحقيقة من الميدان يشكل تهديدًا استراتيجيًا، فكل تقرير يوثق قصف منزل، أو استهداف مستشفى، أو قتل طفل، يضيف لبنة جديدة في ملف الإدانة القانونية والأخلاقية للكيان الإسرائيلي، ويزيد من عزلة صورته أمام الرأي العام العالمي.
لماذا يخاف الكيان الإسرائيلي من الصحافة المستقلة؟
الخوف الصهيوني من الصحافة الحرة ينبع من عدة أسباب متشابكة:
أولًا، لأن الصحفي المستقل لا يخضع لسطوة التمويل السياسي أو الإملاءات التحريرية المرتبطة بالمصالح الغربية، وبالتالي يكون أكثر قدرة على كسر السردية الرسمية.
ثانيًا، لأن الإعلام الحر يساهم في توحيد الرواية الإنسانية، ويُخرج الصراع من إطاره السياسي الضيق إلى فضاء القيم العالمية، حيث تصبح جرائم الحرب موضع مساءلة شعبية وأكاديمية وقانونية.
ثالثًا، لأن الكيان الإسرائيلي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته الدولية على صورة الضحية، وأي صحافة تكشف حقيقة كونه قوة احتلال واستيطان عنصري، تهدد هذه الصورة بشكل مباشر.
الاغتيال كأداة لإرهاب الجماعة الإعلامية
اغتيال الصحفي لا يهدف فقط إلى إسكات فرد، بل إلى إرسال رسالة واضحة إلى باقي الصحفيين: “أنتم تحت المراقبة، والكلفة قد تكون حياتكم”، هذه الرسالة تُنتج حالة من الخوف والرقابة الذاتية، وتدفع بعض المؤسسات الإعلامية إلى تقليل تغطيتها أو تجنب الاقتراب من مناطق الاستهداف.
في هذا السياق، يمكن فهم اغتيال الشيخ علي نور الدين كجزء من سياسة ردع إعلامي، وخاصة في ظل التصعيد العسكري والسياسي في جنوب لبنان، حيث يسعى الكيان الإسرائيلي إلى التحكم بالرواية ومنع أي توثيق قد يدينه دوليًا.
تواطؤ دولي وصمت مريب
ما يشجع الكيان الإسرائيلي على الاستمرار في هذه الجرائم هو غياب المحاسبة الدولية، رغم وضوح الانتهاكات، ورغم النصوص الصريحة في القانون الدولي الإنساني التي تحمي الصحفيين، لم نشهد أي خطوات جدية لمساءلة قادة الكيان الإسرائيلي.
الولايات المتحدة، بوصفها الداعم السياسي والعسكري الأول للكيان، لعبت دور المظلة الواقية، مستخدمة حق النقض في مجلس الأمن، وممارسة الضغوط لمنع أي تحقيق دولي مستقل، أما المؤسسات الدولية، فاكتفت ببيانات إدانة خجولة، سرعان ما تُنسى في زحمة الأحداث.
هذا الصمت لا يفسر فقط استمرار الجرائم، بل يرقى إلى مستوى التواطؤ، لأنه يبعث برسالة مفادها بأن دم الصحفي العربي رخيص، وأن حرية التعبير قيمة انتقائية تُستخدم وفق المصالح السياسية.
الإعلام كساحة مقاومة
رغم كل ذلك، أثبتت التجارب أن استهداف الصحفيين لم ينجح في إسكات الحقيقة، على العكس، غالبًا ما يتحول الصحفي الشهيد إلى رمز، وتتحول قصته إلى مادة إضافية تكشف طبيعة الكيان الإسرائيلي كقوة احتلال لا تحتمل الضوء.
الإعلام الحر اليوم بات أحد أهم أدوات المقاومة، ليس بالمعنى العسكري، بل الأخلاقي والإنساني، فالكلمة الموثقة قادرة على عبور الحدود، والوصول إلى الجامعات، والمحاكم، وحركات التضامن العالمية، حيث تتشكل ضغوط حقيقية على الحكومات وصناع القرار.
مسؤولية عربية ودولية
استهداف الصحفيين يفرض مسؤوليات جسيمة على عدة أطراف، على المستوى العربي، لا بد من موقف موحد يحمي الصحفيين، ويدعمهم قانونيًا وإعلاميًا، بدل تركهم فرادى في مواجهة آلة القتل. أما على المستوى الدولي، فإن حماية الصحافة لا يمكن أن تبقى شعارًا نظريًا، بل يجب أن تُترجم إلى آليات مساءلة حقيقية، تشمل فرض عقوبات وملاحقات قضائية.
كما أن على المؤسسات الإعلامية العالمية مراجعة ازدواجية معاييرها، والتوقف عن التعامل مع استهداف الصحفيين في فلسطين ولبنان كأخبار ثانوية، مقارنة بما يحدث في مناطق أخرى من العالم.
الحقيقة أقوى من الرصاص
في نهاية المطاف، يدرك الكيان الإسرائيلي أن مشكلته الحقيقية ليست مع السلاح فقط، بل مع الحقيقة، والصحفي المستقل هو حامل هذه الحقيقة، وشاهدها الحي، لذلك يُنظر إليه كعدو، ويُستهدف كما يُستهدف المقاتل.
لكن التاريخ أثبت أن الرصاص قد يقتل الجسد، لكنه عاجز عن قتل الرواية، وكل صحفي يسقط برصاص الكيان الإسرائيلي، يترك خلفه سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا يلاحق هذا الكيان: لماذا يخاف من الكلمة؟ ولماذا يحتاج إلى قتل من يحمل الكاميرا والقلم إن كان واثقًا من “دفاعه عن نفسه”؟
الجواب بات واضحًا أكثر من أي وقت مضى: لأن الحقيقة، حين تُروى بلا تزوير، تشكل أخطر تهديد لأي مشروع قائم على الاحتلال والظلم.
