الوقت- في عالم العلاقات الدولية المضطرب اليوم، يبدو أن هناك لغةً عابرةً للحدود تُسمع وتُفهم أكثر من أي وقت مضى: لغة القوة والهيمنة، قد لا توجد واقعية أكثر مرارةً من هذه تُجسد بشكل واضح كما في التعامل مع دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
أزمة غرينلاند في الأسابيع الماضية كانت بمثابة مختبر حي للصراع واستعراض القوة، لتُظهر هذه القاعدة بشكل مكشوف وتقدم دروسًا حاسمةً، ليس فقط لأوروبا، بل لكل الأطراف الفاعلة في الساحة الدولية، بما في ذلك إيران.
غرينلاند: من التهديد بالقوة إلى التراجع
بدأت القصة عندما صعّد دونالد ترامب، قبيل رحلته إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، من لهجته حول فرض السيطرة على غرينلاند، الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، وبأسلوبه الصريح المعتاد، أكد ترامب أنه “لا رجعة في هذا المسار”، وعندما سُئل عن مدى استعداده للمضي قدمًا في هذا الاتجاه، أجاب بشكل غامض: “ستعرفون”، بل حتى أنه لم يستبعد استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف، حيث قال ردًا على سؤال حول ذلك: “ليس لدي ما أقوله” أو “لا تعليق”.
هذه التهديدات، التي زُعِم أنها تنبع من أهمية غرينلاند الاستراتيجية والأمنية بالنسبة للولايات المتحدة في القطب الشمالي، أثارت ردود فعل حادة. فقد وصف القادة الأوروبيون هذه التصريحات بأنها تهديد للنظام العالمي. وحذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التوجه نحو عالم بلا قواعد. لكن ما كان لافتًا هو الرد العملي: أعلنت بعض الدول الأوروبية أنها تعتزم إجراء مناورات عسكرية في غرينلاند ردًا على تلك التهديدات.
نتائج المواجهة: التراجع أمام العزم الأوروبي
كانت نتيجة هذا الصدام لافتةً للنظر، ففي دافوس، تراجع ترامب فجأةً عن موقفه المتشدد، وفي خطاب ألقاه هناك، أعلن أن الولايات المتحدة “لن تستخدم القوة للاستيلاء على غرينلاند”، وبعد ذلك بوقت قصير، تراجع أيضًا عن فرض رسوم جمركية انتقامية كان قد خطّط لها ضد عدة دول أوروبية، هذا التراجع الواضح جاء مباشرةً بعد أن أظهرت أوروبا تصميمًا فعليًا على حماية حليفتها، الدنمارك.
تحليل نهج: عقلية ترامب ولغة القوة
لم تكن هذه الواقعة حدثًا عرضيًا، بل كانت تجسيدًا واضحًا لنمط السلوك الذي يتبناه دونالد ترامب على الساحة الدولية، يرى محللو مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن الاقتصاد والأهمية الأمنية الفعلية لغرينلاند لم تكن على رأس أولويات ترامب في هذه الأزمة، ما كان يسعى إليه ترامب، في جوهره، هو إشباع رغبة شخصية: "الأرض كإرث، والسيادة كملكية"، بل إنه وصف غرينلاند في دافوس بأنها "قطعة جليد باردة وغير ذات أهمية"، وهو تعبير تجاهل تمامًا مخاوف سكانها وإرادتهم.
إن نهج ترامب يعتمد على دبلوماسية الضغط الأقصى، معتمدًا على أسلوب استعراض القوة العسكرية المتغطرسة. يبدأ بإطلاق تصريحات متطرفة وتهديدات مبالغ فيها، واضعًا خطوطًا حمراء عند نقاط بعيدة للغاية، ما يثير الارتباك والخوف لدى الطرف المقابل، ثم يلجأ إلى إبداء الاستعداد للتفاوض أو التراجع التكتيكي البسيط، ليحقق مكاسب معينة.
المفتاح للتعامل مع هذا الأسلوب ليس في التنازل أو الخوف، بل في اتخاذ موقف مدروس وقوي، وكما يشير تقرير معهد كارنيغي، فإن ترامب يميل إلى ممارسة الضغوط على من يعتقد أنهم ضعفاء، وحينما تصبح المقاومة مكلفةً، فإنه يتراجع عن موقفه، مارك كارني، رئيس وزراء كندا الأسبق، حذّر في دافوس قائلاً: "لا يمكنك بناء منفعة متبادلة قائمة على الأكاذيب إذا كان مصدر التزامك هو الخضوع"، رسالته إلى أوروبا كانت واضحةً: الصمت والاستسلام المستمر أمام التسلط، لا يؤدي إلا إلى المزيد من الضغوط.
حادثة غرينلاند تجاوزت خطًا أحمر بالنسبة لأوروبا، للمرة الأولى، قام أقوى عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) علنًا بتحدي سلامة الأراضي وسيادة عضو آخر في الحلف، وبغض النظر عن النتيجة النهائية لهذه المواجهة، فقد تركت هذه الحادثة أثرًا دائمًا على الثقة داخل الحلف الأطلسي.
إن الدرس الذي استخلصته أوروبا، كما أشارت صحيفة الغارديان في تحليلها، كان واضحًا: حتى المواقف الحاسمة ولو كانت تجريبيةً، أفضل بكثير من التملق أو التراجع أو الاستسلام كما حدث في الماضي، أدركت أوروبا أنها كانت تقلل من شأن أدواتها الضاغطة.
إن تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية قد جرّ المعركة إلى مجالٍ تمتلك فيه أوروبا أيضًا نفوذًا لا يُستهان به: الاقتصاد والتجارة، فباعتبارها أكبر كتلة تجارية في العالم، أظهرت أوروبا استعدادها للرد الجماعي من خلال أدوات مثل آلية مواجهة الإكراه الاقتصادي، ما أرسل رسالةً مفادها بأن أوروبا، ولو بطريقة رمزية، مستعدة للرد بالمثل.
هذه الإجراءات، التي ترافقت مع نوع من استعراض القوة، غيّرت حسابات دونالد ترامب، وأثبتت أن أوروبا لا يمكنها تجنب تصعيد الصراع إلا عندما تُظهر استعدادها لاستخدام أدواتها القوية، ومع ذلك، فإن تراجع ترامب يُعتبر تحذيرًا، وليس سببًا للطمأنينة.
رسالة إلى إيران: ضرورة الإرادة الحازمة لاستخدام لغة القوة
تبرز حقبة ترامب أن مبدأ "القوة هي الحق" قد عاد ليصبح قاعدةً براغماتيةً جديدةً في السياسة العالمية، وعلى الرغم من أن هذا النهج قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد، فإنه يفتقر إلى الاستدامة على المدى الطويل، غير أن هذه التحولات تقدّم لإيران، التي ظلت لعقود في مواجهة مباشرة مع السياسات الأمريكية، رسائل استراتيجية واضحة، فأي تراجع، ولو بخطوة واحدة، أمام ترامب قد يكون له تبعات خطيرة، ليس فقط على إيران، بل أيضًا على روسيا والصين، وفي نهاية المطاف على النظام العالمي بأسره.
إن الدرس المستفاد من أزمة غرينلاند هو أن اتباع منهج الاستسلام أو السعي للتفاهم دون الاعتماد على قوة عسكرية رادعة، لن يؤدي إلا إلى الفشل أو الوقوع في مأزق سياسي، فالتجربة الأوروبية في ردع ترامب عن تصريحاته التي هدّد فيها باستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، أظهرت أهمية المزج بين عنصرين رئيسيين: التهديد بالمثل، والإرادة الصلبة للوقوف في وجه الطموحات المفرطة.
بالنسبة لإيران، يعني ذلك تعزيز قدرتها الردعية العسكرية جنبًا إلى جنب مع انتهاج دبلوماسية ذكية، فإظهار القوة والجاهزية الدفاعية يشكّل رادعًا حقيقيًا، في حين أن الدبلوماسية الحكيمة والمرنة يمكن أن تستغل الفرص التي تظهر في خضم التوترات والصراعات السياسية.
لقد أثبتت أزمة غرينلاند أننا دخلنا مرحلةً جديدةً من الواقعية الدولية؛ مرحلة تراجعت فيها المؤسسات والقواعد متعددة الأطراف، وأصبحت القوة الخشنة والإرادة السياسية مرةً أخرى اللغة الأساسية في الحوار الدولي، ترامب ليس مجرد رمز لهذا التحول، بل هو أحد أبرز معزّزيه ومكرّسيه.
والرسالة الأهم التي ينبغي أن تدركها جميع الأطراف، من أوروبا إلى إيران، هي أن الضعف لم يعد خيارًا في هذا العالم الجديد، بل إن أي إشارة ضعف تُفسَّر كدعوة مفتوحة لمزيد من الإكراه والضغوط، إن ما يمكن أن يخلق توازنًا حقيقيًا ليس المواجهة المباشرة أو التصعيد المتهور، بل هو الصمود المدعوم بقوة حقيقية، مع الاستعداد لرفع تكلفة العدوان على الطرف الآخر.
أثبتت أزمة غرينلاند أنه حتى أكثر القوى جبروتًا قد تضطر لإعادة حساباتها حين تواجه مقاومةً صلبةً وإرادةً سياسيةً لا تعرف التراجع، وربما تكون هذه الرسالة الواعدة هي الأكثر أهميةً في عالمنا اليوم، المليء بالتحديات والاضطرابات.
