الوقت- في خضم تصاعد التوترات في غرب آسيا، يتوجه وفد إسرائيلي إلى جمهورية أذربيجان وكازاخستان. وبحسب التقارير، ستشمل زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي "جدعون ساعر" باكو وأستانا، ووفقًا لتقارير إعلامية أذربيجانية، فإن هدفها هو "تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية الثنائية". كما ذكرت وكالة أنباء "أذربيجان 24" في هذا الصدد: "من المقرر خلال هذه الزيارة حضور عدد من الفعاليات الرسمية، بالإضافة إلى لقاءات مع مسؤولين حكوميين وأفراد من المجتمع، ولا سيما لقاءات مع ممثلين عن الجاليات اليهودية".
مع ذلك، ونظرًا لتصاعد التوترات في المنطقة، تبدو زيارة الوفد الصهيوني إلى باكو وأستانا ذات دلالة بالغة من الناحية الاقتصادية، فضلًا عن الأبعاد السياسية والأمنية.
تطبيع العلاقات عبر القنوات التجارية والاقتصادية
وتأتي زيارة وزير الخارجية الصهيوني إلى كازاخستان في وقت انضمت فيه هذه الدولة إلى اتفاقيات أبراهام. ويبذل الصهاينة جهودًا حثيثة لتوسيع نفوذهم في آسيا الوسطى، ويبدو أنهم يحاولون الآن التأثير على هذه المنطقة عبر القنوات التجارية والاقتصادية.
كما يُظهر تكوين الوفد الصهيوني في زيارته إلى جمهورية أذربيجان وكازاخستان مساعي تل أبيب لبسط نفوذها الاقتصادي في آسيا الوسطى، إذ تشير التقارير إلى أن جدعون ساعر يرافقه وفد تجاري واقتصادي يضم أكثر من 40 رجل أعمال وممثلين عن منظمات إسرائيلية. ويُقال إن هذا الوفد يُمثل قطاعات متنوعة، منها تكنولوجيا المياه والزراعة، والأمن السيبراني، والهندسة، والمالية، والرعاية الصحية، وغيرها.
في الواقع، يسعى الكيان الإسرائيلي إلى تعزيز نفوذه في المنطقة، وقد استخدم بالفعل قدراته الاقتصادية والتكنولوجية كأداة للقوة الناعمة لبناء علاقات مع دول علمانية في المنطقة ذات أغلبية مسلمة غير عربية. فعلى سبيل المثال، في مجالي الزراعة والطب، يتولى مركز التعاون الدولي (ماشاف) التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية تنفيذ مشاريع مماثلة، بهدف ترسيخ مكانة الكيان في لعبة النفوذ في آسيا الوسطى.
ويجدر التنويه أيضاً إلى أن الكيان الصهيوني، رغم الخسائر التي تكبدها خلال حرب غزة التي استمرت عامين، لا يزال من المراكز الرائدة في مجال التقنيات المتقدمة، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات. ووفقاً لتقرير صادر عن دويتشه فيله، فإن عدد الشركات الناشئة في إسرائيل هو الأعلى في المنطقة نسبةً إلى عدد السكان، كما أن أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل مُستمد من منتجات التكنولوجيا المتقدمة. لطالما سعى الصهاينة إلى ترسيخ مكانتهم كمركز للتكنولوجيا وتقنية المعلومات في المنطقة، وفي هذا الصدد، تتاح لهم فرصٌ وافرة لتحقيق نتائج إيجابية في آسيا الوسطى، انطلاقاً من سوقها الضخم في مجال تقنية المعلومات.
الأهداف الأمنية
من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الإسرائيلي برئيسي أذربيجان وكازاخستان خلال زيارته.
على مدى العقد الماضي، تمثلت إحدى سياسات الكيان الصهيوني في التواجد في محيط إيران، ولا سيما إقليم كردستان والبحرين والإمارات العربية المتحدة وجمهورية أذربيجان، بهدف خلق معادلة أمنية جديدة في مواجهة طهران. ويمكن تقييم تحركات تل أبيب الحالية في جمهورية أذربيجان وكازاخستان في هذا السياق.
ويجدر التنويه أيضاً إلى أن دول آسيا الوسطى تتمتع بثقلٍ كبير على الصعيدين الدولي والإقليمي، وأن هذه الدول، إلى جانب دول غرب آسيا، أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. منذ البداية، شعرت تل أبيب، نظرًا لخلافاتها مع عدد من الدول العربية وإيران، بضرورة توسيع علاقاتها مع جميع الدول ذات الأغلبية المسلمة غير العربية، ولعلّ جزءًا من مساعي تل أبيب للتأثير على دول آسيا الوسطى، ذات الأغلبية المسلمة، كان يهدف إلى تحقيق هذا الهدف.
حاليًا، تُعدّ كازاخستان وأوزبكستان الدولتين الوحيدتين من آسيا الوسطى اللتين لهما سفارات في إسرائيل. في الواقع، تُولي أستانا وطشقند اهتمامًا أكبر بصعود الأحزاب الإسلامية في مجتمعاتهما من اهتمامهما بالقضية الفلسطينية، ومن هذا المنطلق، تسعيان إلى التقارب مع تل أبيب بهدف مواجهة تحركات الجماعات الإسلامية. كما وسّعت جمهورية أذربيجان، بصفتها دولة في منطقة القوقاز، علاقاتها مع تل أبيب خلال السنوات القليلة الماضية. على الرغم من أن البنية السياسية لهذه الدول علمانية ولا مكان للإسلام فيها، إلا أن إسرائيل تصنّفها ضمن دول المحور الإسلامي المعتدل، وقد وسّعت علاقاتها معها.
من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن تقارب تل أبيب مع دول آسيا الوسطى لا يقتصر على ممارسة الضغط على إيران عبر محيطها فحسب، بل يشمل أيضاً تعزيز نفوذها في الأمم المتحدة. وقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال زيارته لكازاخستان قبل عامين، إلى دعم إسرائيل للانضمام إلى مجلس الأمن الدولي. ويعكس هذا النهج الذي تتبعه تل أبيب لكسب المزيد من الدعم والتأييد من دول آسيا الوسطى، ومن المرجح أن يُناقش هذا الموضوع خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإسرائيلي إلى كازاخستان.
