الوقت- لم يعد منتدى دافوس مجرد ملتقى اقتصادي عالمي تُناقش فيه قضايا التنمية والاستثمار، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مساحة مغلقة تُعقد فيها صفقات سياسية حساسة بعيدًا عن أعين الشعوب. ما كُشف مؤخرًا عن مأدبة غداء سرّية جمعت مسؤولين سعوديين مع رئيس الكيان الصهيوني، على هامش ما سُمّي بـ«مجلس السلام»، يؤكد أن دافوس بات منصة لإعادة تدوير المشاريع السياسية المثيرة للجدل، وعلى رأسها مشروع التطبيع. هذا اللقاء، الذي ضم شخصيات عربية وأمريكية نافذة، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لمحاولات إعادة إحياء «اتفاق إبراهيم»، رغم الجرائم المستمرة التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني. الأخطر من ذلك أن هذه اللقاءات تُقدَّم إعلاميًا بوصفها «حوارات سلام»، بينما هي في جوهرها محاولات لفرض واقع سياسي جديد يتجاوز الإرادة الشعبية العربية ويضرب جوهر القضية الفلسطينية.
دافوس كغرفة عمليات سياسية مغلقة
يكشف انعقاد مأدبة غداء خاصة في دافوس، تجمع مسؤولين من السعودية والكيان الصهيوني، عن طبيعة الدور الحقيقي الذي بات يلعبه المنتدى الاقتصادي العالمي. فبدل أن يكون ساحةً للنقاش المفتوح، أصبح فضاءً نخبويًا تُدار فيه تفاهمات سياسية مصيرية خلف أبواب مغلقة. إن اختيار دافوس، بما يحمله من رمزية عالمية وغطاء اقتصادي، يوفّر بيئة مثالية لتمرير مشاريع تطبيعية دون إثارة ضجيج إعلامي واسع. هذه اللقاءات لا تأتي من فراغ، بل تندرج ضمن مسار طويل من الاتصالات غير المعلنة التي تهدف إلى تهيئة الرأي العام العربي تدريجيًا لقبول الكيان الصهيوني كشريك “طبيعي” في المنطقة. غير أن الواقع يثبت أن ما يُناقش في دافوس لا يخدم الاستقرار، بل يعمّق الفجوة بين الأنظمة وشعوبها، ويكرّس منطق الصفقات على حساب الحقوق التاريخية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في أرضه وكرامته.
السعودية والتطبيع… سياسة التناقض المعلن والخفي
تُظهر مشاركة سفيرة السعودية في واشنطن في هذا اللقاء الحساس حجم التناقض في الموقف السعودي الرسمي. فمن جهة، تُطلق تصريحات تؤكد الالتزام بحل الدولتين وحقوق الفلسطينيين، ومن جهة أخرى، تنخرط شخصيات سعودية رفيعة في لقاءات مباشرة مع قادة الكيان الصهيوني. هذا السلوك يعكس ازدواجية سياسية خطيرة، حيث يُستخدم الخطاب الداعم للقضية الفلسطينية كغطاء، بينما تُنسج في الخفاء علاقات تُمهّد لتطبيع شامل. إن الحديث عن «اتفاق إبراهيم» بوصفه مشروع سلام يتجاهل حقيقة أنه لم يوقف الاستيطان، ولم ينهِ الاحتلال، ولم يحمِ المقدسات، بل منح الكيان الصهيوني شرعية مجانية لمواصلة سياساته العدوانية. الدور السعودي في هذا السياق لا يمكن فصله عن الضغوط الأمريكية، لكنه في الوقت ذاته يُعبّر عن خيار سياسي يضع المصالح الضيقة فوق القيم العربية والإسلامية الجامعة.
الكيان الصهيوني واستغلال لحظة الانقسام العربي
يُحسن الكيان الصهيوني استغلال حالة الانقسام والضعف في النظام الرسمي العربي، فيسعى إلى توسيع دائرة التطبيع عبر لقاءات ناعمة تُسوّق على أنها حوارات مستقبلية. حضور رئيس الكيان في دافوس، وجلوسه إلى طاولة واحدة مع مسؤولين عرب، يُمثّل بالنسبة له انتصارًا سياسيًا ومعنويًا، يُضاف إلى سجل محاولاته لكسر العزلة الإقليمية. لكن هذا “النجاح” لا يقوم على سلام عادل، بل على تجاهل كامل لواقع الاحتلال والحصار والقتل اليومي في فلسطين. الكيان الصهيوني لا يرى في هذه اللقاءات سوى أدوات لتعزيز أمنه وتوسيع نفوذه الاقتصادي والسياسي، دون تقديم أي تنازل حقيقي. وهكذا، يتحوّل الحديث عن السلام إلى قناع يخفي مشروعًا استعماريًا مستمرًا، تُشارك بعض الأنظمة العربية، عن قصد أو عن ضعف، في تلميعه وتسهيل تمدده.
الإعلام الغربي وتبييض التطبيع
يلعب الإعلام الغربي، كما يظهر في تغطية مواقع مثل “Jewish Insider”، دورًا محوريًا في تلميع هذه اللقاءات وتقديمها كخطوات إيجابية نحو “الاستقرار”. يتم التركيز على لغة التفاؤل وتبادل الآراء، بينما يُغيب السياق الحقيقي للصراع، وتُهمّش معاناة الفلسطينيين. هذا النمط الإعلامي لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساهم في إعادة صياغة الوعي، بحيث يبدو التطبيع خيارًا عقلانيًا، ومعارضته ضربًا من التطرف أو العناد. الأخطر أن بعض وسائل الإعلام العربية تعيد نشر هذه الروايات دون نقد، ما يساهم في تكريس خطاب يفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها الأخلاقي والسياسي. إن مواجهة هذا التزييف الإعلامي باتت ضرورة، لأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل هي معركة سرديات، يُراد فيها تحويل الاحتلال إلى “شريك”، والضحية إلى عبء سياسي.
التطبيع كأداة لإعادة تشكيل الوعي العربي
لم يعد التطبيع مع الكيان الصهيوني مجرّد خيار سياسي تتبنّاه بعض الأنظمة، بل تحوّل إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الوعي العربي تجاه الصراع. اللقاءات التي تُعقد في عواصم غربية أو في منتديات مغلقة، مثل دافوس، تهدف بالأساس إلى كسر الحاجز النفسي والسياسي بين الشعوب العربية والكيان المحتل. يتم تقديم هذه اللقاءات باعتبارها خطوات واقعية تفرضها “موازين القوى”، بينما يُصوَّر الرفض الشعبي على أنه عاطفي أو غير عقلاني. هذا النهج يسعى إلى إفراغ القضية الفلسطينية من بعدها الأخلاقي والإنساني، وتحويلها إلى ملف سياسي قابل للمساومة. الأخطر أن هذا المسار يُراكم بمرور الوقت حالة من الاعتياد، حيث يصبح وجود الكيان الصهيوني في المحافل العربية أو إلى جانب مسؤولين عرب أمرًا طبيعيًا، لا يثير الصدمة التي كان يثيرها سابقًا. وهنا تكمن خطورة التطبيع، لا بوصفه اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره عملية طويلة المدى لتطويع الذاكرة الجماعية وتغيير البوصلة الأخلاقية للأمة.
القضية الفلسطينية بين التجاهل الرسمي والتمسك الشعبي
في مقابل هذا الاندفاع الرسمي نحو التطبيع، تبرز فجوة واضحة بين مواقف الأنظمة ومواقف الشعوب العربية. فبينما تُعقد اللقاءات السرّية وتُبرم التفاهمات بعيدًا عن الرأي العام، ما زالت القضية الفلسطينية تحظى بمكانة مركزية في وجدان الشارع العربي. هذا التناقض يعبّر عن أزمة تمثيل حقيقية، حيث لم تعد السياسات الرسمية تعكس نبض الشارع ولا أولوياته. إن تجاهل الجرائم اليومية التي يرتكبها الكيان الصهيوني، من قتل وتهجير واستيطان، مقابل السعي المحموم لنسج علاقات معه، يُفقد الخطاب الرسمي أي مصداقية. ومع ذلك، فإن محاولات تهميش القضية الفلسطينية لم تنجح في اقتلاعها من الوعي الشعبي، الذي ما زال يرى فيها معيارًا أخلاقيًا يختبر صدق المواقف والادعاءات. هذا التمسك الشعبي يشكّل العقبة الأكبر أمام مشاريع التطبيع، ويؤكد أن أي سلام يُفرض من فوق، دون عدالة أو حقوق، سيظل سلامًا هشًا ومرفوضًا.
في النهاية، إن ما جرى في دافوس ليس حدثًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مسلسل تطبيعي طويل يُدار بعيدًا عن إرادة الشعوب. اللقاءات السرّية، والضيافات الخاصة، والخطابات الناعمة، كلها أدوات لفرض واقع سياسي جديد يخدم الكيان الصهيوني ويمنحه شرعية لا يستحقها. الدور السعودي في هذا المسار يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الموقف العربي، وحول مدى الالتزام الحقيقي بالقضية الفلسطينية. ورغم كل محاولات التلميع، تبقى الحقيقة واضحة: لا سلام حقيقي دون إنهاء الاحتلال، ولا استقرار دون عدالة. إن الشعوب العربية، مهما حاولت الأنظمة تجاوزها، ما زالت ترى في الكيان الصهيوني مشروعًا عدوانيًا، وترفض أن تُباع القضايا المصيرية على موائد دافوس المغلقة.
