الوقت - أعادت العملية المسلحة التي نفّذها فلسطينيون في منطقة الخليل جنوب الضفة الغربية، وأسفرت عن مقتل جنديين صهيونيين وإصابة آخرين، مسألةَ الأمن إلى صدارة التنافس السياسي في الكيان، قبل أيام معدودة من الانتخابات البرلمانية.
ولأنّ الأمن أحد المحاور الرئيسة في نهج بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، فإنّ عملية الخليل قد تكون سيفاً ذا حدّين. فمن جهة، سارع إلى استغلال الحدث دعائياً على طريقة الانتهازيين، فحضر إلى موقع الهجوم فوراً، وأعلن عن عملية واسعة في المنطقة، مؤكداً أنّ قوات الجيش ستفتّش الخليل بيتاً بيتاً، وسيُخلى سكان بعض المناطق، وتُصادَر الأسلحة، وتُدمَّر البنى التحتية المرتبطة بالنشاط المسلح.
وعلى إثر هذا التوجيه، أعلن الجيش الصهيوني يوم السبت الماضي أنه بدأ عمليات تمشيط واسعة ومركّزة بحثاً عن الأسلحة، إلى جانب استجواب سكان الخليل. وفي الوقت نفسه أجبرت قوات الاحتلال عشرات الفلسطينيين على إخلاء منازلهم في المدينة، تزامناً مع حملة اعتقالات واسعة.
غير أنّ للمشهد وجهاً آخر، هو احتمال أن تكلّف هذه العملية حملةَ نتنياهو الانتخابية ثمناً باهظاً، لا سيما أنها وقعت والجيش الصهيوني في حالة تأهب أمني كامل قبيل انتخابات الكنيست.
وإزاء هذه الازدواجية يُطرح السؤال: هل ستتحول هجمة الخليل إلى نقطة سوداء في سجلّ نتنياهو الأمني، أم سيستطيع، باستعراض قوته العسكرية وتشديد إجراءاته الأمنية، أن يقلب المناخ السياسي لمصلحته؟
تحوّل الخطاب الانتخابي إلى محورية الأمن
على أعتاب الانتخابات (27 أكتوبر) يجد نتنياهو نفسه في موقع بالغ الحرج. فآخر استطلاعات الرأي تُظهر تقدّم معسكر خصومه (نحو 54 مقعداً مقابل نحو 48)، وأنّ حزبه «الليكود» يتخلف حتى عن الحزب الوسطي «يشار» (الذي يقوده آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق).
وفي هذه الظروف يسعى إلى صرف أنظار الناخبين عن سؤال خصومه: لماذا أخفق في السابع من أكتوبر؟ ولذلك ألغى فعالياته الانتخابية وتوجّه إلى موقع الهجوم، محاولاً أن يظهر لا كمرشح غارق في المنافسة السياسية، بل كقائدٍ يتحمّل مسؤولية التصدي للأخطار.
ويرى إدموند هيفي، نائب رئيس تحرير الإذاعة والتلفزيون الإيرلنديين (RTE)، أنّ هجوم الخليل غيّر المناخ الانتخابي في غضون ساعات، وأدخل نتنياهو ميداناً يستطيع فيه الدفاع عن سجلّه بقدر أكبر من الارتياح. فتفاقم الأزمة الأمنية قد يمنحه فرصةً لتحويل انتباه الرأي العام من إخفاقات الماضي الأمنية، إلى ضرورة مواجهة التهديدات الراهنة.
غير أنّ هذا ليس سوى وجه واحد من العملة، أما وجهها الآخر في التبعات السياسية لعملية الخليل فمختلف.
الأمن؛ كعب أخيل نتنياهو
ليست عملية الخليل في هذا التوقيت مجرد حادث أمني يحمل في طيّاته فرصةً لنتنياهو، بل تنطوي كذلك على خطر انكشاف مواطن الضعف في حكومته على نحو أشدّ وضوحاً.
فهو يحاول، عبر ردّ صارم على العملية، أن ينقل الحملة الانتخابية من مساءلة أداء الحكومة إلى ضرورة التصدي للتهديدات الأمنية. وضمن هذا الإطار لا تكون شدّة الرد العسكري إجراءً ميدانياً فحسب، بل رسالة انتخابية أيضاً. فبالتشديد على العمليات الواسعة والحزم مع منفّذي الهجوم، يستطيع أن يظهر لأنصاره أنه ما زال وفياً لنهجه الأمني المتشدد. وهذا النهج مهم خاصةً للحفاظ على تماسك قاعدته اليمينية، التي قد تتنازع في الظروف العادية حول شتى القضايا، لكنّ التهديد الأمني قادر على جمعها مؤقتاً حول أولوية مشتركة.
غير أنّ موطن ضعفه يكمن هنا بالذات، إذ لا يمكنه أن يقدّم الأمن من جهة بوصفه أبرز منجزات حكومته ومسؤوليتها، ثم يتنصّل من جهة أخرى من التبعات السياسية لهجوم وقع في عهده. وفي مثل هذه الحال يستطيع خصومه، بالتشكيك في أداء الحكومة، إبراز الفجوة بين الوعود الأمنية والوقائع الميدانية.
كما أنّ استمرار الهجمات قد يرسّخ في الرأي العام قناعةً بأنّ سياسات نتنياهو الأمنية، على الرغم من تشديده الدائم على النهج المتشدد، عجزت عن منع تكرار الهجمات، وأنّ الأراضي المحتلة ما زالت أسيرة دائرة العنف والعمليات العسكرية.
ومن ثَمّ فإنّ اتخاذ مواقف متشددة والإعلان عن عمليات عسكرية أوسع لا يفضي بالضرورة إلى زيادة ثقة الجمهور بالحكومة، فقد يجعل بعض الناخبين معيارَ تقييمهم لأدائها نجاحَها في منع الهجمات وتحقيق أمن مستدام، لا شدّة الرد العسكري.
وفي هذا الشأن قال نزار نزّال، المحلل والخبير في الشأن الإسرائيلي، لقناة الميادين: «كان نتنياهو يسعى إلى استغلال عملية الخليل لتبرير هجوم واسع على الضفة الغربية وتقويض السلطة الفلسطينية، لكنّ نتائجها تهدد حظوظه الانتخابية، وقد تُخرجه من المشهد السياسي».
وفضلاً عن ذلك، يستطيع منافسو نتنياهو، بانتقاد أداء الحكومة في منع الهجمات، أن يحتجّوا بأنّ الحزم العسكري لا يقتصر على ردّ الفعل بعد وقوع الهجوم، بل ينبغي أن يتجلّى في القدرة على رصد التهديد ومنع وقوعه. وقد أفاد مسؤولون في الجيش بأنهم لم يتلقّوا أي إنذار أمني قبل عملية الخليل. وهذا في حين يزعم نتنياهو كل يوم أنّ بحوزته معلومات دقيقة تفيد بأنّ إيران تستعد لمهاجمة الأراضي المحتلة، بينما هو غافل عمّا يجري تحت أنفه في الضفة الغربية.
وعليه، فإذا كان نتنياهو يؤكد امتلاكه معلومات دقيقة عن التهديدات الخارجية، فإنّ وقوع هجوم داخل أراضٍ خاضعة لسيطرة الكيان الصهيوني، قد يفتح الباب أمام انتقادات تطال تقييمه للتهديدات وكفاءة حكومته في تفعيل آليات منع الهجمات.
وفي الظرف الراهن، تُعدّ عملية الخليل سيفاً ذا حدّين بالنسبة إلى نتنياهو، فقد يستفيد في المدى القريب من الأجواء الأمنية لتعزيز صورة القائد الحازم. لكنه إن عجز، في الوقت القليل المتبقي، عن ترسيخ الإحساس بالأمان في المجتمع، فلن يكفي استعراض القوة العسكرية وحده لكسب ثقة الناخبين.
وإجمالاً، ورغم محاولات نتنياهو في الدقائق الأخيرة لإظهار قيادة حازمة وقدرة على إحباط التهديدات، تُظهر استطلاعات الرأي المنشورة بالتزامن مع عملية الخليل، أنّ هذه المساعي لم تفلح في قلب المناخ الانتخابي لمصلحته، وأنّ خصومه ما زالوا في الصدارة.
