الوقت- يشكل نهر اليرموك، الرافد الرئيسي لنهر الأردن والمصدر الحيوي للأمن المائي في جنوب سوريا وشمال الأردن، ساحة جديدة لنهب إسرائيلي ممنهج يتوسع بالتوازي مع التوغلات العسكرية المتصاعدة في الجنوب السوري منذ سقوط النظام السابق. فبحسب دراسات متخصصة في الأمن المائي الإقليمي، يقع حوض نهر اليرموك بالكامل تقريباً ضمن الأراضي السورية والأردنية، بواقع 80 بالمئة للجانب السوري و20 بالمئة للجانب الأردني، دون أي حصة طبيعية لإسرائيل في هذا الحوض أصلاً وفق الاتفاقيات الدولية الناظمة لمياه نهر الأردن ذاته. غير أن هذه الحقيقة الجغرافية والقانونية الواضحة لم تمنع إسرائيل من فرض سيطرة فعلية متنامية على مصادر هذا النهر ومياهه، مستغلة تفوقها العسكري وتوسعها الميداني المستمر داخل الأراضي السورية عقب سقوط النظام السابق، لتحوّل قضية المياه من ملف تقني بحت إلى أداة هيمنة جيوسياسية إضافية في يد الاحتلال. ويرى متابعون للملف أن ما يجري اليوم يمثل استغلالاً مباشراً للفراغ الأمني والسياسي الذي أعقب سقوط النظام السوري السابق، حيث توفرت لإسرائيل فرصة نادرة لتثبيت سيطرتها على موارد استراتيجية كانت تصعب عليها السيطرة عليها في ظل وجود سلطة مركزية سورية قوية قادرة على حماية حدودها ومواردها الطبيعية.
توسع عسكري يستهدف السدود والروافد المائية بدقة
تكشف الوقائع الميدانية أن التوغل الإسرائيلي في جنوب سوريا لم يكن عشوائياً، بل استهدف بدقة لافتة مواقع استراتيجية ترتبط مباشرة بمصادر المياه في حوض اليرموك. فقد أدى احتلال سد المنطرة، الذي يغذي مدينة القنيطرة والمنطقة الجنوبية القاحلة الأوسع في سوريا، إلى خسارة تقدر بنحو 30 إلى 40 بالمئة من موارد سوريا المائية، فضلاً عن التأثير المباشر على نحو 40 بالمئة من إمدادات المياه في الأردن ذاته، لصالح إسرائيل حصراً. ولم يقتصر هذا الاستحواذ على سد واحد، إذ وصلت يد الاحتلال إلى تسعة مصادر مائية أخرى إضافية من أنهار وسدود ومسطحات مائية، من بينها سد رويحينة على نهر الرقاد، وسد كودنا، وسدا غدير البستان وجسر الرقاد على أحد روافد اليرموك الرئيسية، في عملية سيطرة ممنهجة تحوّل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا من مجرد احتلال أراضٍ إلى تحكم فعلي بمقدرات المياه التي تعتمد عليها ملايين الأرواح على جانبي الحدود السورية الأردنية.
أردن قلق يواجه أزمة مزدوجة على حدوده الشمالية
يترجم هذا التوسع الإسرائيلي على مصادر اليرموك قلقاً أردنياً متصاعداً يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي المعتاد، إذ يؤكد خبراء ومسؤولون أردنيون أن الاعتراض على العمليات العسكرية التصعيدية الإسرائيلية في جنوب سوريا لا ينبع فقط من مبدأ الدفاع عن سيادة الجارة السورية، بل يرتبط مباشرة بالحرص على عدم تأثر الأمن المائي الأردني ذاته بسيطرة إسرائيلية متزايدة على الأراضي المرتبطة بمصادر اليرموك. وقد نشر وزير المياه الأردني الأسبق معتصم سعيدان تحذيرات صريحة من هذا الخطر المتصاعد، فيما تتفاقم المعضلة الأردنية بواقع مزدوج معقد، إذ يجد الجانب السوري نفسه، بعد التوقيع على اتفاق لتقاسم مياه اليرموك مع الأردن في عهد الحكومة الانتقالية الحالية، عاجزاً عملياً عن الوفاء الكامل بالتزاماته تجاه عمّان، بسبب تأثير العمليات العسكرية الإسرائيلية المباشر على عدد كبير من الينابيع ومصادر المياه في حوض أودية الجولان التي تشكل المصب الرئيسي لروافد اليرموك، ما يجعل الأردن ضحية غير مباشرة لتوسع لا يد له فيه.
غياب آلية دولية فعالة لمحاسبة النهب المائي
يكشف استمرار هذا النهب المائي دون رادع حقيقي عن فجوة عميقة في آليات القانون الدولي المتعلقة بالمياه العابرة للحدود، إذ رغم توثيق منظمات حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لممارسات إسرائيلية مماثلة في سرقة المياه الفلسطينية والعربية عموماً، فإن هذا التوثيق لم يترجم حتى الآن إلى آلية مساءلة دولية فعلية تجبر إسرائيل على الالتزام بمبادئ التقاسم العادل للموارد المائية المشتركة كما تنص عليها القوانين والأعراف الدولية الناظمة للأنهار العابرة للحدود. وفي ظل التوسع العسكري الإسرائيلي المستمر في جنوب سوريا، يبدو أن هذه الفجوة القانونية والسياسية مرشحة للاتساع أكثر، إذ يمنح غياب سلطة سورية مركزية قوية قادرة على فرض سيادتها الكاملة على مواردها المائية إسرائيل هامشاً إضافياً لترسيخ سيطرتها الفعلية على هذه الموارد الاستراتيجية دون أي كلفة سياسية أو قانونية تُذكر.
أزمة مياه مقبلة تهدد استقرار المنطقة بأكملها
في نهاية المطاف، تكشف قضية السيطرة الإسرائيلية المتصاعدة على مياه اليرموك أن ملف المياه في المنطقة لم يعد قضية تقنية أو بيئية بحتة، بل تحول إلى ورقة جيوسياسية مباشرة يوظفها الاحتلال لترسيخ نفوذه الإقليمي وإضعاف قدرة دول الجوار، سوريا والأردن معاً، على الصمود والاستقلالية الاستراتيجية. فمع استمرار التوغلات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، وتزايد السيطرة على السدود والروافد المائية، تبدو المنطقة مقبلة على أزمة مياه متفاقمة قد تتجاوز آثارها الحدود السياسية المرسومة لتطال ملايين المواطنين السوريين والأردنيين الذين يعتمدون على هذا الحوض المائي الحيوي لحياتهم اليومية وزراعتهم. ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تنجح دمشق وعمّان، رغم فارق موازين القوى الصارخ، في تشكيل جبهة تفاوضية موحدة تحمي حقوقهما المائية المشروعة، أم أن نهر اليرموك مرشح للانضمام إلى قائمة طويلة من الموارد الطبيعية العربية التي ابتلعها الاحتلال دون حسيب أو رقيب؟
