الوقت - على إثر العمل العدواني السافر الذي اقترفته أمريكا ضد بعض المواقع في جزيرة “لارك” الإيرانية، وما أعقبه من ردٍ حازمٍ ومقتدر للقوات المسلحة الإيرانية عبر هجوم صاروخي دكّ المواقع الأمريكية في الأردن، وبالتوازي مع الإعلان عن استهداف سفن وناقلات نفط في مياه الخليج الفارسي؛ خيّم شبح التوتر والصراع مجدداً على سماء المنطقة، ليبرز التساؤل المُلِح: هل تقف طهران وواشنطن على شفا صراعٍ شاملٍ جديد؟
الردّ الإيراني الصاعق
ولما كانت إيران قد حذرت مراراً وتكراراً من أنها ستذيق أعداءها ومشعلي الحروب رداً ساحقاً، لم تتوانَ القوات المسلحة للبلاد لحظةً واحدةً في الرد على الهجوم الأمريكي على جزيرة “لارك”، فدكّت بعض المواقع الأمريكية في المنطقة بلا أدنى تأخير.
وفي هذا السياق، أصدرت دائرة العلاقات العامة للحرس الثوري الإيراني بياناً جاء فيه: “أيها الشعب الإيراني المسلم الأبيّ والمنتفض، إن حضوركم الملحمي المتواصل والتاريخي في الساحات على مدار مئة وثلاث وثمانين ليلة، قد أوقع العدو في صدمة وذهول، وبات مبعث أملٍ للمستضعفين وقرة عينٍ لمجاهدي الإسلام”.
وأردف البيان: “إن مجاهدي القوة الجوفضائية البواسل التابعة للحرس الثوري، ورداً على العدوان الجوي الأمريكي-الصهيوني على جزيرة لارك، وفي إطار عملية "تأديب المعتدي" وهي عملية مشتركة (صاروخية ومسيّرة) حملت نداء "يا محمد بن عبد الله (ص)"، قد أمطروا البنى التحتية الفنية ومراكز الصيانة ومقرات تموضع مقاتلات العدو في قاعدتي ‘الملك حسين’ و’الأزرق’ الجويتين الأمريكيتين في الأردن بوابل من الصواريخ الباليستية، فدكّوها دكاً وألحقوا بها خسائر فادحة”. وحذّر الحرس الثوري الإيراني قائلاً: “إن العدوان والجرائم لن تشفي غليل عجز العدو عن إضعاف سيطرة الجمهورية الإسلامية على مضيق هرمز، وإن كل رصاصة تُطلق ستُقابل بردودٍ أكثر تدميراً”.
من جانبها، أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً حول العدوان العسكري للجيش الأمريكي على “لارك”، شددت فيه على أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتوانى قيد أنملة في ممارسة حقها الأصيل في الدفاع المشروع، وسترد على أي عدوان عسكري غاشم بكل حزم واقتدار وبالطريقة المناسبة. ووفقاً لهذا البيان، فإنه من البديهي أن تقع المسؤولية الكاملة عن تداعيات الأعمال العدوانية الأمريكية الجديدة، واستمرار الحصار البحري والحرب الاقتصادية على إيران، على كاهل الإدارة الأمريكية وجميع الأطراف التي تتواطأ أو تشارك بأي شكل من الأشكال في الإعداد لتلك الإجراءات الأمريكية غير القانونية وتنفيذها.
وفي السياق ذاته، أكد مساعد وزير الخارجية للشؤون القانونية في إيران، كاظم غريب آبادي: “إن هذه الأعمال العدوانية ستلقى الرد المناسب. نحن نضع هذه الإجراءات في خانة العدوان العسكري على بلادنا. وبطبيعة الحال، وكما أثبتت قواتنا المسلحة الباسلة، فإن أي تحرك يستهدف سلامة أراضينا، مهما كان مستواه، سيواجه برد حاسم للغاية. يجب بتر أقدام الأجانب عن هذه المنطقة، وعليهم أن يتلقوا درساً قاسياً كي لا تسوّل لهم أنفسهم تكرار اعتداءاتهم على بلادنا”.
إن الرد الإيراني الخاطف على المغامرة الأمريكية برهن على أن القوات المسلحة الإيرانية تقف على أهبة الاستعداد في أعلى مستوياتها، وأنها لن تترك أي عمل عدائي يمر دون عقاب. وتجدر الإشارة إلى أن جزيرة “لارك” لا تُمثل مجرد هدفٍ عسكري، بل إن موقعها الجيوسياسي المحاذي لمضيق هرمز يضفي عليها أهميةً استراتيجيةً بالغةً؛ بحيث أن أي هجوم عليها يرتبط ارتباطاً وثيقاً وعميقاً بأمن الملاحة وحركة ناقلات النفط، وبأحد أهم شرايين نقل الطاقة في العالم.
وفي الأشهر الأخيرة، وسّعت إيران نطاق عملياتها ليتخطى حدود الخليج الفارسي، جاعلةً من المواقع الأمريكية في الأردن مرمىً لعملياتها الصاروخية، وهو الأمر الذي أجّج مخاوف واشنطن تجاه القوة العسكرية والقدرات الصاروخية التي تمتلكها طهران.
الرسالة الصاروخية الإيرانية إلى واشنطن
يرى الخبراء أن الهجوم الصاروخي الإيراني على الأردن، والذي أفادت بعض وسائل الإعلام بأنه وجّه ضربات موجعة للمعدات الأمريكية، يحمل في طياته رسالةً واضحةً لقادة واشنطن.
وفي هذا الصدد، صرح الخبير في شؤون غرب آسيا، السيد حسن هاني زاده، في حوار مع موقع “الوقت” قائلاً: “إن الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير على قاعدتي ‘الملك حسين’ و’الأزرق’ الحيويتين في الأردن، اللتين تُعدان نقطة ارتكاز وتجمع للقوات الأمريكية في شرق وجنوب الأردن، يبرهن على أن إيران لا تتهاون أو تتسامح قيد أنملة في الدفاع عن وحدة أراضيها. ولهذا السبب، فبمجرد أن شنت أمريكا هجوماً غير مبرر على جزيرة لارك، بادرت القوات المسلحة الإيرانية الباسلة، بعد برهة وجيزة، إلى دكّ قاعدتين استراتيجيتين أمريكيتين في الأردن. وهذه بحد ذاتها رسالة شديدة الوضوح والشفافية لأمريكا وصقور الحرب في واشنطن؛ مفادها أن إيران، عبر هذا الهجوم وإلحاقها الضرر بالقواعد اللوجستية وتجمعات القوات الأمريكية، تقف على أتم الاستعداد للتصدي لأي مغامرة أمريكية، وهو ما يشكّل رادعاً حقيقياً أمام حماقات دونالد ترامب وفريقه المتعطش للحرب”.
واشنطن تفتقر للقدرة على خوض غمار صراعٍ جديد
على الرغم من أن ترامب وأعضاء إدارته لا يزالون يلوّحون باحتمالية اللجوء مجدداً للخيارات العسكرية ضد إيران، بل ووصل الأمر بالرئيس الأمريكي إلى التهديد بتدمير جزيرة “خارك”، إلا أن وسائل الإعلام والمحللين يجمعون على أن واشنطن تفتقر، في الظرف الراهن، للقدرة والجاهزية اللازمتين للانزلاق في أتون صراع عسكري جديد وواسع النطاق مع طهران.
وأكد هاني زاده في هذا السياق: “يبدو أنه في الظروف الحالية، وفي ظل الإخفاقات المتتالية لأمريكا وقوات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في تغيير المعادلات الميدانية خلال الأشهر الستة الماضية من عمر الحرب المفروضة أمريكياً على إيران، فقد طفت على السطح سلسلة من الخلافات العميقة بين الجناحين السياسي والعسكري في أمريكا. إن استقالة عدد كبير من جنرالات البنتاغون احتجاجاً على السياسات العدوانية لترامب وفريقه، تعكس مدى قتامة المشهد وصعوبة الموقف بالنسبة لواشنطن؛ سيما وأن أمريكا تقف على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.”
وأردف قائلاً: “بالنظر إلى استطلاعات الرأي التي تُظهر تراجع شعبية الحزب الجمهوري جراء تصرفات ترامب العدائية وغير العقلانية تجاه إيران، فضلاً عن الأثمان الباهظة التي كبّدت كاهل الشعب الأمريكي بسبب هذه الحرب العبثية، يمكن القول إن الرئيس الأمريكي عاجزٌ عن إدارة دفة هذه الحرب، ولا يسعه في هذه الظروف مواصلة مغامراته الطائشة ضد إيران”.
“وبناءً على ذلك، يبدو أن المشهد الراهن يدفع الرئيس الأمريكي لمحاولة الخروج من هذا المستنقع بحفظ ماء الوجه عبر آليات أخرى، كفرض عقوبات قاسية لتركيع طهران وإجبارها على الاستسلام، في حين أن أبناء الشعب الإيراني لا يزالون يملؤون الساحات والشوارع منذ أكثر من 185 يوماً وليلة، مستعدين لتقديم الغالي والنفيس دفاعاً عن استقلال إيران ووحدة أراضيها.”
“لذا، يلوح في الأفق أن الرئيس الأمريكي يحاول بين الفينة والأخرى، عبر هذه التصرفات والهجمات المباغتة على بعض المنشآت المدنية الإيرانية، الإيحاء بأنه لا يزال يمسك بزمام المبادرة الميدانية، غافلاً عن أن الردود الإيرانية المزلزلة ستجعل فريق الحرب الأمريكي يعضّ أصابع الندم.”
وفي معرض رده على تساؤل حول طبيعة الرد الإيراني المرتقب في حال أصرت واشنطن على مواصلة إشعال فتيل الحرب، أجاب خبير شؤون غرب آسيا: “من الطبيعي أنه إذا ما أرادت أمريكا التمادي في مغامراتها ضد إيران واستهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية والعسكرية الإيرانية، فإن القوات المسلحة ومؤسسات الحكم الإيرانية ستلجأ إلى إرساء آلية مضادة لتوجيه ضربة قاصمة لهذه الاعتداءات المحتملة. هناك إجماع تام بين كافة التيارات السياسية على أن مغامرات ترامب ضد إيران يجب ألا تمر دون عقاب، وأن إرادة الشعب الإيراني تقف بالمرصاد للهيمنة الأمريكية والسياسات العدائية والآلة العسكرية الأمريكية الموجهة ضده”.
“ولهذا السبب، ستُدخل إيران في المستقبل القريب سلسلةً من الصواريخ الباليستية الجديدة إلى الخدمة، والتي سيكون لها أثر أعمق وأقوى في تغيير المعادلة الميدانية مقارنةً بالسابق، مما سيقلب موازين القوى على الأرض.”
“وتشير التقارير الحالية إلى أن القوات الأمريكية التي اُستنزفت في المنطقة، وفقدت قدرتها الرسمية على مجابهة إيران بعد ستة أشهر من الصراع، تضغط الآن على الجنرالات والبنتاغون والبيت الأبيض لإنهاء هذه الحرب؛ إذ لم ينجح دونالد ترامب وفريقه المتعطش للحرب في تحقيق أي إنجاز يُذكر طيلة هذه الأشهر الستة.”
“علاوةً على ذلك، تكشف التقارير خروج أكثر من 22 قاعدة أمريكية في المنطقة عن الخدمة خلال الأشهر الستة المنصرمة بفعل الضربات الصاروخية الإيرانية المضادة. وهو ما يؤكد جلياً أن إطالة أمد الحرب ستؤدي إلى تآكل الهيكل التنظيمي لقوات ‘سنتكوم’ في المنطقة واستنزافها، وهو ما لا يصبّ البتة في مصلحة أمريكا، التي ستتكبد أضراراً جسيمةً وفادحةً جراء استمرار الحرب وتحوّلها إلى حرب استنزاف في المستقبل”.
