الوقت - تسعى المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، برفقة عُمان والبحرين، وبدرجات متفاوتة، إلى بناء منظومات متكاملة للذكاء الاصطناعي؛ منظومات تشمل مراكز البيانات، والحوسبة المتقدمة، وميزانيات الشركات، وتطوير النماذج، واستقطاب عمالقة التكنولوجيا العالميين.
ووفقاً لتقرير "خليج أونلاين"، فإن حجم الاستثمارات المعلنة خلال العامين الماضيين يعكس مدى الالتزام الراسخ للدول الخليجية تجاه هذا القطاع الحيوي.
وتتصدر السعودية المشهد من حيث ضخامة المشاريع المعلنة؛ إذ خصصت شركة "Human" - بدعم من صندوق الاستثمارات العامة - نحو 100 مليار دولار لبناء منظومة شاملة للذكاء الاصطناعي، تضم البنية التحتية والحوسبة والشراكات التقنية. كما عقدت الشركة تحالفات استراتيجية مع كبار اللاعبين في العالم مثل "Nvidia"، و"Amazon Web Services"، و"AMD"، و"Qualcomm"، و"Cisco"، و"XAI".
وعلى ذات النهج تسير الإمارات، وإن اختلفت مساراتها عبر شبكة واسعة من الصناديق والشركات؛ حيث يبرز مشروع "ستارغيت" (Stargate) الإماراتي بقيادة شركة "G42"، وبالتعاون مع "OpenAI" و"Oracle" و"Nvidia" و"SoftBank" و"Cisco"، كجزء من مجمع للذكاء الاصطناعي (إماراتي-أمريكي) في أبوظبي، بطاقة مستهدفة تصل إلى 5 جيجاوات. وتستهدف المرحلة الأولى سعةً تقارب 1 جيجاوات، على أن يتم تشغيل أول 200 ميجاوات منها خلال عام 2026. كما أضحت الإمارات قطباً عالمياً لرأس المال الخليجي الموجه نحو الذكاء الاصطناعي، لا سيما عبر شركة "MGX" ومؤسسات استثمارية أخرى، حيث تحولت أبوظبي إلى شريك رئيس في تمويل مشاريع البنية التحتية التقنية، في مسعى حثيث لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للحوسبة والتكنولوجيا المتقدمة.
وفي قطر، أسس جهاز قطر للاستثمار شركةً متخصصةً تُدعى "كاي" (Kai)، تكرس جهودها للاستثمار في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية. وقد أعلنت "كاي" بالتعاون مع "Brookfield" عن شراكة استراتيجية بقيمة 20 مليار دولار لتطوير مراكز الحوسبة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وخارجها.
أما الكويت، فقد اختارت مساراً مغايراً يرتكز على المشاركة في الاستثمارات العالمية؛ إذ انخرط جهاز الاستثمار الكويتي في شراكة مستمرة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تضم "MGX"، و"BlackRock"، و"Global Infrastructure Partners"، و"Microsoft"، بهدف حشد 30 مليار دولار للاستثمار في مراكز البيانات والركائز اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي عُمان، يبدو التركيز منصباً على تهيئة بيئة استثمارية وتقنية خصبة، من خلال تنفيذ البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، وإطلاق منطقة اقتصادية خاصة بالذكاء الاصطناعي تهدف إلى استقطاب الشركات والمشاريع العالمية إلى السلطنة.
أما البحرين، فقد انتهجت مقاربةً تركز على توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والاقتصادية، بالتوازي مع دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتطوير المهارات البشرية.
ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يولد استثمارات مستدامة تصل إلى 370 مليار دولار في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا بحلول عام 2030، وهو ما يفسر الشغف المتزايد للدول الخليجية بتوطين هذه التقنيات.
ومما يجدر ذكره أن الاستثمار الخليجي لا يقتصر على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل السيطرة على "سلسلة القيمة" بأكملها؛ بدءاً من الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، وصولاً إلى الرقائق، والحوسبة السحابية، وانتهاءً بالنماذج والخدمات.
وهنا تتجلى الأهمية الاستراتيجية لهذه الاستثمارات للاقتصادات الخليجية؛ فالدول التي راكمت ثرواتها من النفط والغاز، تسعى اليوم لضخ جزء من سيولتها وطاقتها في بناء قطاع اقتصادي جديد، حيث ستكون "البيانات، والحوسبة، والذكاء الاصطناعي" هي "النفط الجديد".
لکن ضخامة التكاليف وحدها لن تكون كافيةً؛ فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة هذه الدول على تحويل المليارات إلى شركات وتقنيات وكفاءات محلية، وخلق إنتاج اقتصادي مستدام، بدلاً من الاكتفاء بكونها مجرد مستضيف لمراكز بيانات ضخمة تملكها شركات أجنبية. وهذا هو الذي سيحدد في نهاية المطاف: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي حقاً هو المحرك الفعلي لاقتصاد ما بعد النفط في الدول الخليجية؟
