الوقت - أشارت الصحيفة إلى أن "إسرائيل" سجّلت في عامي 2023 و2024 صافي هجرة سلبياً، وهي ظاهرة نادرة منذ تأسيس هذا الكيان. ومن المتوقع أن يستمر الاتجاه ذاته خلال العام الجاري، رغم تراجع عدد الرحلات الجوية في النصف الأول من عام 2026 بنحو 20 في المئة مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
وقد تزامنت هذه الهجرة مع سلسلة من الأزمات، بدأت بالاحتجاجات الواسعة ضد خطة حكومة بنيامين نتنياهو الرامية إلى تقليص صلاحيات السلطة القضائية مطلع عام 2023، ثم جاءت عملية السابع من أكتوبر والحرب التي أعقبتها، قبل أن تتسع المواجهة إلى جبهات إقليمية متعددة.
ونقلت «فايننشال تايمز» عن باحثين قولهم إن المناخ السياسي والاجتماعي، إلى جانب سنوات الحرب، بات عاملاً مؤثراً في قرارات عدد متزايد من الإسرائيليين، ولا سيما أصحاب التوجهات الليبرالية والعاملين في قطاعات عالية التخصص.
ذوو الدخل المرتفع في طليعة المغادرين للأراضي المحتلة
ومع ارتفاع نسبة أصحاب الدخول المرتفعة بين المهاجرين، تتزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية لهذه الظاهرة. فقد أظهرت دراسة أعدتها سلطة الضرائب الإسرائيلية أن معدل مغادرة أصحاب الدخل المرتفع، ومن بينهم العاملون في التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية، تضاعف تقريباً في عامي 2023 و2024 مقارنةً بعام 2019.
وحذّرت الدراسة من أن استمرار الاتجاه الحالي قد يؤدي، خلال خمس سنوات، إلى خسارة سنوية في الإيرادات الضريبية تصل إلى 3.5 مليارات دولار.
كما كشفت دراسة لجامعة تل أبيب عن ارتفاع صافٍ في أعداد الأطباء والمهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا والعلوم والهندسة والرياضيات الذين يغادرون الأراضي المحتلة.
وقال إيتاي أتر، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، إن "إسرائيل" تعتمد اعتماداً كبيراً على رأسمالها البشري، ولذلك فإن استمرار الهجرة قد يشكّل «مؤشراً مبكراً» إلى مخاطر أكبر في المستقبل.
وتكتسب هذه الهجرة أهميةً خاصةً بالنسبة إلى قطاع التكنولوجيا في الكيان الصهيوني، الذي يشكّل نحو خُمس الناتج الاقتصادي ونصف الصادرات، ويعتمد إلى حد كبير على اليد العاملة الماهرة.
وبحسب اقتصاديين، فإن تداعيات هذه الظاهرة قد تمتد أيضاً إلى الجيش والمالية العامة؛ فخروج أكثر العاملين إنتاجيةً يعني انخفاض الإيرادات الضريبية، كما أن مغادرتهم تقلّص حجم القوى البشرية المتاحة للخدمة العسكرية والاحتياط، الأمر الذي قد يضع شريحةً أصغر من الإسرائيليين تحت ضغوط اقتصادية وعسكرية أشدّ.
ومع ذلك، يحذّر الباحثون من المبالغة في تقدير حجم هذه الظاهرة، مشيرين إلى أن أصحاب المهارات العالية كانوا تاريخياً أكثر ميلاً إلى الهجرة من غيرهم. ووفق هذا الرأي، يكمن الخطر في تحوّل الهجرة إلى ظاهرة «طبيعية» تُنشئ شبكات وجاليات إسرائيلية خارج "إسرائيل"، بما قد يشجع أعداداً أكبر على المغادرة.
ولا يرتبط قرار مغادرة الأراضي المحتلة بالحرب والسياسة وحدهما، إذ تؤدي تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار العقارات دوراً مهماً كذلك. ونقلت الصحيفة شهادات لإسرائيليين قالوا إنهم، بعد الهجرة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، استطاعوا شراء منازل بمواصفات لم تكن في متناولهم داخل الأراضي المحتلة.
وفي محاولة للحدّ من نزيف الهجرة، شرعت الحكومة في اتخاذ إجراءات لتشجيع العمال المهرة على العودة، من بينها تقديم حوافز وإعفاءات ضريبية للعائدين، فيما تراهن السلطات على تحسّن الوضع الأمني لاستعادة بعض المهاجرين.
غير أن مستقبل هذه الموجة يظل، إلى حد بعيد، رهناً بمسار الحرب وآفاق المشهد السياسي الداخلي. فبالنسبة إلى بعض الصهاينة الذين غادروا "إسرائيل"، لم يعد القرار يتعلق بمجرد تحسين الظروف الاقتصادية، بل بسؤال أوسع وأعمق: في أي نوع من "إسرائيل" يريدون لأبنائهم أن يعيشوا؟
وترى «فايننشال تايمز» أن استمرار خروج العمال المهرة قد يحوّل هذه الظاهرة من مسألة ديموغرافية محدودة إلى تحدٍّ استراتيجي، ولا سيما إذا اقترن بتراجع الهجرة إلى "إسرائيل" واستمرار الحرب والضغوط الاقتصادية، بما يهدد أحد أهم مصادر قوة الاقتصاد الإسرائيلي: رأس المال البشري.
