الوقت - قوبلت الإقالات المتتالية في كبار مستويات الموساد، عقب إخفاق الكيان الصهيوني في تحقيق الأهداف المعلنة لحربه على إيران، بانتقادات لاذعة في الداخل الإسرائيلي. ويرى عدد من المحللين في هذه الخطوات محاولةً حثيثةً لإزاحة عبء الهزيمة عن كاهل المستوى السياسي وإلقائه في حجر الأجهزة الاستخباراتية.
وفي أحدث التطورات، أقدم “رومان غوفمان”، الرئيس الجديد للموساد، على عزل مسؤولَين رفيعي المستوى في الجهاز، وهما رئيس شعبة الاستخبارات ورئيس قسم الشأن الإيراني، إثر ضلوعهما في المخطط الفاشل الرامي إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية. ورغم هذا العزل، فمن المقرر أن يظل كلا المسؤولَين ضمن كوادر الموساد، ولن يُفصلا منه بصفة نهائية.
وإبان اندلاع الحرب التي شنتها تل أبيب وواشنطن ضد إيران، شددت العديد من المصادر الصهيونية، الرسمية منها وغير الرسمية، مراراً وتكراراً على أن أحد المحاور الجوهرية لتلك الحرب، كان يرتكز على تقديرات تل أبيب باحتمالية إشعال فتيل تمرد داخلي يفضي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية. وهو مخطط، وفقاً لما أوردته تقارير الإعلام الصهيوني، حيكت خيوطه بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وكان يُعوّل عليه، جنباً إلى جنب مع الضربات الجوية، لتهيئة الأرضية لعصيان مدني وتغيير للنظام السياسي في إيران. غير أن هذا السيناريو قد تبدّد أدراج الرياح، وظلت الحكومة الإيرانية شامخةً لم تتزعزع.
وفي السياق ذاته، صرحت صحيفة “إسرائيل هيوم” في تحليل لها تحت عنوان “إسرائيل خسرت الحرب الاستراتيجية”، أنه رغم الضربات الموجعة التي سددتها تل أبيب لطهران، إلا أن النظام السياسي الإيراني ظل متشبثاً بمواقعه. ويخلص التحليل إلى أن المعضلة الكبرى تكمن في أن العملية العسكرية للكيان الصهيوني، لم تتمخض عن أي تغيير استراتيجي مستدام.
الموساد في قفص الاتهام كـ “كبش فداء للهزيمة”
تتداول وسائل الإعلام الصهيونية اليوم، في خضم الحديث عن إخفاق تل أبيب في عمليتها العسكرية ضد طهران، تساؤلاً ملحاً حول الجهة التي ينبغي أن تُحمّل وزر الفشل في تحقيق أهداف حرب إيران. ففي تحليل صريح، وصفت “إسرائيل هيوم” الإقالات الأخيرة في صفوف الموساد بأنها “محاولة يائسة أخرى للتنصل من المسؤولية”، مؤكدةً أن نتنياهو ذاته هو من صادق على المخططات المتعلقة بإيران، وأن رومان غوفمان، الذي كان يشغل حينها منصب مستشاره العسكري، كان من أشدّ الداعمين لها. ويؤكد التحليل أنه أمام تبخر أهداف الحرب، أضحت القضية المحورية الآن هي تحديد من يتحمل مرارة هذا الإخفاق.
واستناداً إلى التقرير ذاته، فقد عقد نتنياهو قبيل إطلاق العملية عشرات الاجتماعات لمدارسة خطة ضرب إيران، وصادق عليها بعد تمحيص دقيق لتفاصيلها؛ وعليه، لا يمكن إلقاء تبعة اتخاذ القرار بشأن أهداف الحرب وخططها على عاتق الموساد وحده. كما يزعم كاتب التقرير أن نتنياهو سعى جاهداً في واشنطن لاستمالة دعم دونالد ترامب للعملية العسكرية، مما يضع مسؤولية شطر كبير من القرارات الاستراتيجية مباشرةً على عاتق مکتب رئاسة الوزراء.
وفي هذا المضمار، ادعى مصدر استندت إليه صحيفة “هآرتس” في تصريح لصحيفة “ذا ناشيونال” صراحةً أن غوفمان، بعزله لهذين المسؤولَين، إنما رمى إلى تبرئة ساحة نتنياهو وإبعاده عن تهمة الإخفاق في إسقاط الحكومة الإيرانية. كما أعاد هذا المصدر إلى الأذهان أن غوفمان، إبان فترة عمله مستشاراً عسكرياً لنتنياهو، كان يُعد من أعتى المدافعين عن مشروع تغيير النظام في إيران.
استنساخ لسيناريو السابع من أكتوبر
يقارن خصوم نتنياهو هذا السلوك بأسلوبه في التعاطي مع الاختراق الأمني الذي وقع في السابع من أكتوبر؛ فغداة هجوم حماس، سارع إلى إلقاء قسط وافر من تبعات الفشل على كاهل المؤسستين الأمنية والعسكرية، متملصاً من أي مسؤولية شخصية. وفي فبراير من عام 2026، عاد نتنياهو، في معرض ردوده على مراقب الدولة في الكيان الصهيوني، ليلقي باللائمة الكبرى في إخفاق السابع من أكتوبر على المنظومة الدفاعية والحكومات السالفة.
ومن منظور سياسي، يرى المنتقدون أن النهج السلوكي لنتنياهو يتطابق مع ردود أفعاله التي تعقب فشل مغامراته التدخلية؛ إذ دأب، في أعقاب كل نكسة استراتيجية، على المبادرة أولاً إلى التضحية بالقيادات الأمنية والعسكرية عبر تغييرهم وعزلهم، بغية امتصاص غضب الرأي العام وإبعاد شبح الضغوط عن المستوى السياسي.
عاصفة من التغييرات تضرب هرم الموساد
لم تقف مقصلة الإقالات في الموساد عند حدود المسؤولَين الأخيرين. فبعد أيام قليلة من استلامه لزمام الأمور، أطاح غوفمان بنائب رئيس الموساد المتمرس؛ وهو رجل أفنى 22 عاماً من عمره في خدمة الجهاز وحصد العديد من الأوسمة الأمنية. وقد أثارت هذه الخطوة موجةً من الاستياء والانتقادات داخل أروقة الموساد نفسه.
ومما زاد من عمق الأبعاد السياسية لهذه التغييرات، إقالة رئيس شعبة الاستخبارات ورئيس قسم الشأن الإيراني، اللذين لعبا دوراً محورياً في هندسة مخطط تغيير الحكومة الإيرانية. وفي هذا الصدد، أوردت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن إقصاء هذين المسؤولَين جاء على خلفية ارتباطهما بمشروع الإطاحة الفاشل بالحكومة الإيرانية.
وبناءً على ما تقدم، يوقن منتقدو نتنياهو أن تل أبيب تعكف على حبكة رواية تُصوّر فيها هزيمة حرب إيران على أنها ثمرة لأخطاء استخباراتية وعملياتية ارتكبها الموساد، وليست نتاجاً لقرارات سياسية وحسابات استراتيجية خاطئة للحكومة. يأتي هذا في وقت تُظهر فيه الأدلة المنشورة في الإعلام العبري، أن نتنياهو كان منخرطاً شخصياً وبشكل مباشر في صياغة واعتماد الخطة المتعلقة بإيران.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الإقالات الأخيرة على أنها مجرد عملية إعادة هيكلة داخل الموساد، بل هي فصل من فصول المعركة على “رواية الهزيمة”؛ معركة يستميت فيها نتنياهو لإلقاء جمرة الفشل في حجر المستويات العملياتية والاستخباراتية، قبل أن تستعر نار المطالبات بالمحاسبة السياسية على نتائج حرب إيران. وكما تحوّل الجيش والأجهزة الأمنية إلى مرمى لسهام الانتقادات في ملف السابع من أكتوبر، يجد الموساد نفسه اليوم في عين العاصفة، ليُقدم ككبش فداء والحلقة الأضعف التي تُعلق عليها مشانق الإخفاق في تحقيق أهداف حرب إيران.
