الوقت - بعد سنوات من المفاوضات المتتابعة، المكثفة والمليئة بالتقلبات بين إيران ومجموعة 5+1، تم في نهاية المطاف توقيع الاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما. ورغم أن حرمان إيران من بعض حقوقها النووية الأساسية في هذا الاتفاق أسعد أمريكا والدول الغربية، فإن وصول ترامب إلى السلطة ألغى الاتفاق بتوقيع واحد، ولم يلتزم باقي أعضاء الاتفاق بواجباتهم تجاه إيران، مما أدى إلى حرمان إيران من جميع حقوقها وتكبّدها خسائر جسيمة.
خلال المفاوضات مع إيران، شنّ ترامب هجوماً على المراكز النووية الإيرانية، من دون أن تدين الدول الغربية، ولا حتى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تقع على عاتقها هذه المسؤولية، هذا العمل العدواني.
تؤكد مسيرة السياسة الأمريكية أن هدف واشنطن عند إدخال أي تحدٍ إلى مسار التفاوض السياسي هو فرض كامل شروطها على الطرف الآخر، دون تقديم أي تنازلات. وبعد أيام قليلة من هجومه على إيران خلال حرب رمضان وفشله في تحقيق الأهداف المعلنة، أدرك ترامب حجم الورطة التي وقع فيها، فاندفع محاولاً إيجاد وسطاء لفرض وقف إطلاق النار. وقد أتاحت له هذه التهدئة فرصةً لفهم ما حلّ به بشكل أدق، وأدرك أن الخروج من هذه الورطة ليس بالأمر السهل أو القليل الكلفة.
تلاشت فعالية تهديداته وبلاغته، وتآكلت مصداقيته أمام الشعب الأمريكي، وحتى بين مؤيديه وبعض أعضاء حزبه، مما كشف له عمق الكارثة التي يمر بها. في النهاية، لم يلجأ ترامب إلى التفاوض طوعاً واختياراً، بل اضطر إليه نتيجة حاجة ملحة، وفقاً للإطار الذي حدّده الجانب الإيراني.
وُصف ترامب بأنه الوجه الحقيقي لأمريكا بلا زينة، لكنه في أصدق وألين مظاهره لا يمكن الوثوق به إطلاقاً، ويجب أن يُعتبر هذا القول مبدأً ثابتاً في كل المفاوضات. وفي هذا الإطار، ينبغي الانتباه إلى المبدأ التالي: على ترامب، خلافاً لأسلوبه وأساليب أسلافه في المؤسسة الأمريكية الحاكمة، أن ينسى لغة القوة ويجرّب أن يكون هو المتلقي لها، وأن يختبر هذا الواقع بنفسه.
في خضم المفاوضات الجارية بين إيران وأمريكا، تفترض هذه الدراسة أن الفريق المفاوض الإيراني سيقدّم أفضل المطالب من حيث حقوق ومصالح إيران ليصل إلى اتفاق. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف وبأي سند يمكن تحقيق هذه المطالب في مواجهة شخص وحكومة مثل هذه؟ للإجابة على هذا السؤال الأساسي، لا بد من استحضار مضيق هرمز.
إن سيادة إيران على مضيق هرمز أمر قطعي لا جدال فيه ولا يحتاج إلى نقاش أو برهان، بل هو واقع لا يعارضه أحد. وفي الوضع الجديد، ما تسعى إليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا الممر المائي الحيوي، هو تنظيم هذا الجزء من الأراضي الخاضعة لسيادتها. فتنظيم مضيق هرمز، الذي تأخر بسبب إهمالٍ دام سنوات وألحق خسائر جسيمة بإيران، هو العامل الأهم في الحفاظ على مصالح إيران المادية والمعنوية، وكذلك مصالح دول المنطقة وما وراءها.
لو تم إرساء هذا التنظيم في وقت سابق، لما حدث العدوان في حرب رمضان على إيران، لأن التنظيم السليم والمستهدف يتضمن إعلاناً وتحذيراً رادعاً يفهمه الأطراف المعنيون جيداً، مما يجعلهم يحترمون هذا الواقع ولا ينخرطون بتهور في أعمال تهدّد الأمن.
إن مراجعة تاريخ المفاوضات السياسية بين أمريكا وإيران وغيرها من الدول، والتي رافقتها الخداع والنقض المتكرر للعهود من جانب أمريكا، تؤكد على ضرورة التمسك بضامن ومرتكز قوي. وتكمن قيمة هذا الضامن في أن يكون ذا طبيعة داخلية وقوياً. وفي المعركة الشاملة بين إيران وأمريكا، وفي المفاوضات الجارية، الضامن الداخلي الوحيد الذي يليق بإيران هو مضيق هرمز.
لذلك، لا ينبغي التقليل من مكانة هذا العامل الحيوي ووضعه في مرتبة أحد محاور التفاوض فحسب، بل يجب الاعتراف بوظيفته الاستراتيجية العميقة. فطالما ظل مضيق هرمز، بهذا الوصف، هو الضامن للاتفاق المحتمل، يمكننا أن نّعلق عليه الآمال، وأن نصحح في كل منعطف تحركات أمريكا الخاطئة. أما إذا لم يكن كذلك، فعلينا أن ننتظر تكرار التجارب التاريخية المرة التي لم تعد مقبولةً بأي حال من الأحوال. لذا، لنجعل مضيق هرمز هو ضامن الاتفاقية، ليُروّض أمريكا وينفّذ الاتفاق، إن شاء الله.
