الوقت- زيارة داود أوغلو إلى العراق قد تكون مؤشراً على التغيير في السياسة التركية تجاه داعش ، والمفاوضات الجادة بين الطرفين بشأن توسیع القتال ضد هذا التنظیم الإرهابي واجتذاب مزيد من التعاون الترکي المحتمل مع التحالف الدولي ضد داعش
بعد فترة من التوتر ساد العلاقات الترکیة العراقیة خلال رئاسة وزراء رجب طيب أردوغان والمالكي ، توجه رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلی بغداد في 29 من نوفمبر في زیارة رسمیة لهذا البلد بدعوة من رئيس الوزراء العراقي السید حيدر العبادي ، وذلك علی رأس وفد يتألف من عدد من وزراء الحكومة ونواب المجلس والخبراء والصحفيين . وقد التقى أثناء هذه الزیارة التي استغرقت یوماً واحداً بالإضافة إلى نظيره العراقي ، بالرئیس العراقي فؤاد معصوم ورئیس مجلس النواب سلیم الجبوري أیضاً .
کما کان له لقاء خاص أیضاً بعدد من ممثلي التركمان في مجلس النواب العراقي ، الذین أعربوا عن ارتیاحهم تجاه حیدرالعبادي الذي عیّن وزير حقوق الإنسان العراقي من بین التركمان .
وقد استرعی حضور رئيس منظمة الاستخبارات التركية "هاكان فیدان" في الوفد المرافق لداود أوغلو اهتمام وسائل الإعلام العراقية ، في حین اعتبر رئيس الوزراء التركي ذلك أمراً طبيعياً تماماً . وتجدر الإشارة إلى أن هاكان فیدان كان له اجتماعات سرية مع مسؤولین عراقيین ومسؤولین من إقلیم كردستان في بغداد وأربيل .
وفي نهاية المفاوضات ، عقد رئيسا الوزراء مؤتمراً صحفياً مشتركاً وتحدثا فیه عن مفاوضاتهما وتطرقا إلی مختلف القضايا المطروحة . ثم توجه داود أوغلو إلى أربيل للقاء مسعود بارزاني ومسؤولين آخرين في الإقلیم . وعلى الفور عاد إلى أنقرة لاستقبال جو بايدن نائب الرئيس الأميركي باراك أوباما ، الذي سیغادر تركيا إلی أوكرانيا . وجدیر بالذکر أن هذه الزیارة کان مخططاً لها أثناء زیارة وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إلی أنقرة في الأسبوع الماضي .
وقد یکون الضوء الأخضر الترکي لحضور بضع عشرات من قوات البيشمركة الكردية العراقية في كوباني لقتال داعش ، أرضیة ملائمة لهذه الزیارة .
وهذا یعد أول تفاوض یتم على مستوى عال بين تركيا والعراق بعد تشكيل حکومتین جديدتین في أنقرة وبغداد ، بهدف تحسين العلاقات المتوترة بين البلدين في السنوات الأخيرة .
وقد اعتبرت مصادر رئيس الوزراء التركي ، زيارة داود أوغلو إلى بغداد مؤشراً علی دعم الحكومة في أنقرة لبدء دورة إدارة جديدة في العراق برئاسة حيدر العبادي ، والتأکید علی أهمية العلاقات مع بغداد ، وأعلنت أن محادثات داود أوغلو مع المسؤولين العراقيين قد ترکزت علی العلاقات الثنائیة بين البلدين والتعاون في مجال أمن الطاقة ومكافحة الحرکات الإرهابية وفي مقدمتها داعش .
المصادر ذاتها أشارت إلى ارتیاح أنقرة للاتفاق الأخير بين الحكومة المركزية في بغداد وحکومة إقلیم كردستان في مجال الطاقة ، وأكدت أن تركيا تأمل أن یصل العراق سریعاً من خلال الاستخدام الأمثل لثرواته الوطنیة للنمو الاقتصادي السريع ، إلی الاستقرار السياسي والاقتصادي ، وتركيا مستعدة لمساعدة العراق في هذه العملية أيضاً .
وتأتي زيارة داود أوغلو في منصب رئاسة الوزراء إلی العراق ، بعد أربع سنوات من زيارة قام بها رئيس وزراء العراقي آنذاك نوري المالكي إلی تركيا (21 أكتوبر 2010) ، وبعد زيارة رئيس وزراء تركيا آنذاك السید أردوغان إلی العراق قبل ثلاث سنوات ونصف سنة (29-28 مارس 2011). وخلال تلك الزيارة ، ذهب أردوغان إضافة إلى بغداد وأربيل ، إلی النجف الأشرف وزار مرقد الإمام علي (ع) والتقی بالمرجع الدیني آية الله السید السيستاني .
ولکن أول اتصال رسمي بین الحكومة الترکیة والحكومة العراقية الجديدة قد تم في الأسبوع الماضي أثناء زيارة وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إلى تركيا .
وفي القاء الذي جمع الرئيس العراقي مع رئيس وزراء تركيا في بغداد أکد فؤاد معصوم علی أن الأمن والاستقرار في العراق سیؤثر علی أمن تركيا والمنطقة ، وأضاف: « نحن نريد أن نوسع علاقاتنا مع جيراننا. العراق وتركيا تربطهما علاقات تاريخية ، وإذا تطورت هذه العلاقات فسيكون لها تأثير إيجابي على المنطقة وستسهم في تحقيق المصالح المشتركة للبلدين . نحن نرید مزیداً من التعاون مع تركيا وفي جميع المجالات ، خصوصاً التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ، لأن العراق يواجه في الوقت الحاضر خطر إرهابيي داعش ، وإن الأمن والاستقرار في العراق سیؤثر على أمن تركيا والمنطقة » .
كما أكد داود أوغلو أیضاً : "أن الروابط التاريخية المشتركة بين العراق وتركيا ستشجعنا على أن نسعى دائماً لتحسين العلاقات بین البلدین وفي جميع المجالات . وشدد على ضرورة تنفيذ اتفاقیة التعاون الإستراتيجي التي تم توقيعها في عام 2009 بين العراق وتركيا ".
وبعد اللقاء مع "مسعود بارزاني" والتفاوض حول التعاون الأمني والخطوات المشتركة ذات الصلة ، والتدريب العسكري والوضع الإنساني، وتحرکات داعش، وقضية طالبي اللجوء والتعاون في مجال الاقتصاد والطاقة ، قال رئيس الوزراء التركي : لقد أظهرت تفجيرات الأيام الأخيرة في العراق أن القضیة الأهم في هذه المنطقة هي قضیة توفیر الأمن ، وإن أمن العراق هو أمن تركيا ، والأمن في كردستان العراق من أهم الأولويات بالنسبة لنا .
وأضاف داود أوغلو : إن التشكيلة التي تمثل جميع المجموعات العرقية في العراق ، هي أولوية بالنسبة لنا جميعاً . وشدد علی أن تركيا ستزید التعاون الاقتصادي مع كردستان العراق ، ولن تدخر أي جهد لضمان أمن كردستان العراق ، وسوف تواصل دعمها لكردستان العراق على الصعيد الأمني أیضاً .
ويستنتج من أجواء محادثات المسؤولین العراقيین مع رئيس وزراء تركيا والمواقف المعلنة ، أن موضوع داعش والقضايا الأمنية كانا نقطة محورية في المحادثات بين الجانبين في بغداد وأربيل ، وحضور رئيس الاستخبارات التركية في هذه الزیارة يدل على هذه الأولوية . ومن الواضح أن أي تعاون بين الجانبين في مجالات الطاقة والتجارة والسياحة سیکون مرهوناً بتوفیر الأمن والاستقرار في العراق.
وعلى الرغم من أن أنقرة متهمة بالتعاون مع داعش في مختلف المجالات وعدم محاربة هذه الجماعة الإرهابية، ولكن يبدو أن تركيا ترید الخروج من حالة الارتباك هذه . فإذا اتبع داود أوغلو وتركيا نهجاً جدياً وعملياً إزاء الموقف الذي اتخذه أوغلو خلال المؤتمر الصحافي مع حيدر العبادي عندما قال "لن نسمح لأي شخص أو مجموعة إرهابية بالمرور عبر الحدود التركية" ، فيبدو أن تحولاً سیحدث في السياسة الخارجية لهذا البلد .
زيارة داود أوغلو إلى العراق واتخاذ مثل هذا الموقف من قبله ، بالتزامن مع زيارة جو بايدن إلى تركيا ، قد تكون مؤشراً على إجراء مفاوضات جدية بين الرجلین حول توسیع نطاق محاربة داعش واجتذاب المزيد من التعاون الترکي المحتمل مع التحالف الدولي ضد داعش . شریطة أن تتحرك تركيا نحو محاربة داعش بشکل عملي .
العلاقات بين تركيا والعراق ستسیر نحو اتجاه متزايد من النمو مقارنةً مع فترة أردوغان المالكي ، وذلك بسبب الحد من التوتر بين حكومة إقليم كردستان وبغداد ، وتذلیل المشاكل الناشئة عن علاقات أنقرة-أربيل .
وفي حال تخفيض التوترات وزيادة التعاون بين أنقرة وبغداد ، ونظراً للعلاقات الجيدة بين طهران وبغداد ، فإنه یجب علی الدول الثلاث المجاورة اتخاذ خطوات لإعطاء الأولوية للتعاون علی المنافسة ، والتركيز على المصالح المشتركة لتعزيز التعاون الثلاثي من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة .