الاشتباكات التي وقعت مؤخراً في مدينة طرابلس بين الجماعات السلفية "الجهادية" من جهة والجيش اللبناني من جهة ثانية والتي انتهت بأنسحاب المسلحين السلفيين واختفائهم اثر قرار سياسي محلي واقليمي، أفشل المشروع السلفي الذي عملت عليه اكثر من جهة لفترة عقود من الزمن في اكبر مدن الشمال اللبناني ذو الغالبية السكانية السنية...
في البداية وقبل الحديث في صميم الموضوع واسبابه وتداعياته، لابد من تحديد الجهة او الجهات السلفية المتطرفة التي قادت المواجهة مع الجيش اللبناني وقتلت عناصره غير المؤهلة لخوض مثل هذه الحروب وهذا النوع من القتال الذي تجيده قطعان العصابات الوهابية.. فهل هي جبهة "النصرة" أم تنظيم "الدولة الاسلامية ـ داعش" أم لا كان المسلحون يمثلون حالة غير تنظيمية، عامة ترتبط بالغطاء السياسي المتوفر لكل تلك المجموعات والتنظيمات؟
وللاجابة على هذا السؤال، لابد من بيان حقيقة مفادها أن أغلب الجماعات والتنظيمات شاركت في قتال الجيش اللبناني بحدود الممكن وما تمليه عليهم ضرورات الموقف وواجب "النصرة" حسب منطقهم، سواء كان ذلك بالمقاتلين او السلاح والعتاد او التهديد باعلان الجهاد او الدفاع ومحاولة التبرير للمسلحين في مهاجمة الجيش الوطني اللبناني.. وبالتالي لأنهم جميعاً مشتركون بالخطوط العامة في الولاء والعداء، ولايفصلهم عن بعضهم سوى شخوص مرجعياتهم الفكرية والسياسية، وجهات التمويل التي تقف وراءهم، ومراكز القوة التي توفر لهم الغطاء اللازم للنشاط…
أجل، واهم من يفرق بين "داعش" و"النصرة" وفتح الاسلام" و"كتائب عبد الله عزام" و"الجبهة الاسلامية" و"احرار الشام" و... الخ من قطعان الوهابية دين التكفير في الدرعية، ولايعرف طبيعة العلاقة بين هذه المجموعات التي تتقاتل بينها بفتوى معتوه وتجتمع في لحظة بفتوى المعتوه نفسه او اخر يليه!
نعود الى طرابلس.. صحيح ان من بدأ القتال والمواجهة مع الجيش هم جماعة الدولة (داعش) كما تسميهم الاوساط السلفية، لكن "النصرة" لم تقف مكتوفة الايدي، بل شاركت فيه بقوة، مرغمة ـ حسب العديد من المطلعين ـ وانجرت اليه ومعها المجماعات الصغيرة الاخرى بعد ان كان لها مشروعها الخاص بالشمال وتعمل عليه وفق استراتيجية تسبقها ضرب هيبة ومكانة الجيش اللبناني، بالضبط كما فعلت المجموعات الارهابية في العراق تجاه المؤسسة الامنية والعسكرية قبيل اجتياح الموصل واحتلالها.. لكن الكشف عن عصابة الميقاتي التابعة لـ"داعش" من قبل استخبارات الجيش اللبناني شكل ضربة استباقية لما كان يعدّ له من قبل الجماعات المسلحة في عاصمة الشمال اللبناني..
ويرى مطلعون في الشأن اللبناني، أن اختفاء المسلحين التكفيريين وفسح المجال أمام الجيش للقيام بمداهمات والذي لم يكن ليحصل لولا قرار سياسي من بعض الجهات الداعمة للجماعات المسلحة والتي لها نفوذ سياسي في الدولة اللبنانية، يعني اننا على موعد آخر مع الانفجار.. حتى لو كان هذا الانفجار على طريقة نهر البارد (فتح الاسلام) و مجمع عبرا (احمد الاسير).. المهم ان تكون هناك مواجهة لخلق حاضنة جماهيرية لم تتمكن الجماعات المسلحة الحصول عليها الى الآن، وشعورها بالغربة رغم كل الحشد والتجييش التي تمارسه والذي تشارك فيه احزاب سياسية "علمانية" في الظاهر وطائفية في العمق!
لكن هل هذا هو الهدف الوحيد الذي يكمن خلف اشتباك الجماعات التكفيرية المسلحة مع الجيش اللبناني في طرابلس، وهي تدرك جيداً ان مصير المعركة على الارض محسوم ـ حالياً ـ لصالح الجيش وانها تقاتل من أجل الفشل والاختفاء ثانية.. اذاً لماذا قاتلت "داعش" و"النصرة" واخواتها في طرابلس؟
للاجابة على هذا السؤال، يمكن تسجيل بعض النقاط:
1. تسجيل انتصار وهمي في زمن الهزائم، فالمجموعات السلفية بجميع مسمياتها تعيش هذه الايام جملة من الانتكاسات بعد اصطفاف العديد من الانظمة والدول ـ ولو في الظاهر ـ بمواجهتها، وبعد الهزائم التي منيت بها "داعش" على يد اطال المقاومة والقوات الحكومية العراقية في اطراف بغداد ومحافظتي صلاح الدين والانبار.. وبعد الضربات الموجعة التي تلقوها في عين العرب السورية (كوباني) على يد قوات حماية الشعب الكوردي، وفي غوطة دمشق على يد الجيش العربي السوري، فضلاً عن مشكلة الاقتتال بيهم والتذابح التي يعانون منها والجارية حاليا في ريف حلب..
لذلك كان من الضروري وفق رؤيتهم ايجاد وخلق معركة مع خاصرة ضعيفة ـ برأيهم ـ يمكن تسجيل انتصار عليها بأقل الخسائر وحشد ولم الجماعات المتفرقة حول الحدث.
2. تشتيت انتباه وتركيز الخصم من خلال ايجاد اكثر من بؤرة أزمة وجبهة قتال أمامه، وهو مبدأ عسكري يعكس امكانيات الطرف المقابل بشرط الانتصار وليس لتسجيل هزيمة أخرى!
وفي الوقت ذاته تعوض العجز في المواجهات من خلال عمليات كر وفر هي دليل على الضعف وعدم القدرة على الامساك بالارض، اكثر منه على القوة.
وبالطبع فأن وقوع اشتباكات ومعارك في طرابلس او غيرها سيوجه قسماً من قدرات الجيش نحوها فما بالك اذا كانت امكانيات وقدرات الجيش ضعيفة بالاساس، كما انها تجبر المقاومة الاسلامية على المتابعة وصرف جزء من مجهودها بهذا الاتجاه.
3. تدويل الأزمة والاشتباك مع الجماعات المسلحة تحت مسمى محاربة الارهاب، وهذا لربما من أخطر الاهداف التي يسعى اليها المسلحون السلفيون في شمال لبنان والذي يلقى اهتماماً ودعماً من جماعة 14 آذار وخاصة حزب المستقبل والقوات اللبنانية (جعجع).
ان عنونة "داعش" في معركة طرابلس والحديث عن انتشارها هناك، يوفر ـ حسب منطقهم ـ الارضية اللازمة للتدخل العسكري الغربي في لبنان والى استقدام قوات دولية تحت ذريعة ضبط الحدود مع سوريا والحيلولة دون تسلل المسلحين!
في حين ان الهدف الاساس منها هو محاصرة المقاومة ـ اولاً ـ وفتح جبهة امداد للمسلحين في سوريا بشكل رسمي وبدعم دولي مباشر.. فهل منع وجود القوات الدولية في الجولان السوري المحتل تواصل المسلحين السوريين مع القوات الصهيونية وتلقي الدعم المباشر من العدو الاسرائيلي؟!
لكن.. أليس من الغباء أن يربط سلفيو لبنان مصيرهم بمصير المعارك الجارية في سوريا ولبنان ضد "داعش" ويهدد "داعي الاسلام الشهال" باعلان "الجهاد" ضد المؤسسة الوطنية الوحيدة في الدولة اللبنانية (الجيش)؟
المنطق السليم يحتم مثل هذا الفصل وعدم الانجرار خلف الاوامر العامة الصادرة من القيادات الاقليمية! والمنطق السليم ايضاً يفرض التضحية بالتمويل المالي من اجل سلامة البلد بكل مكوناته والحفاظ على وحدته وسيادته!
ولكي لانبخس الناس أشياءهم، فأن بعض المتزعمين الصغار وافراد تلك الجماعات المسلحة لايفكرون بمنطق سياسي وبسبب العمالة لاجندات خارجية، بل يتصورون انهم يؤدون "واجباً" دينياً و"نصرة" للاسلام، حتى لو كانت هذه "النصرة" بقتل المسلمين وتدمير اسس العيش المشترك القائم بين اللبنانيين منذ مئات السنين!
بقلم: علاء الرضائي