الوقت - في أعقاب تصاعد التوترات في المنطقة، استضافت طهران جولةً جديدةً من المشاورات الدبلوماسية بين دول الجوار. وضمن هذه الحركة الدبلوماسية، عقد كبار المسؤولين الأمنيين في السعودية وتركيا وباكستان، يوم الاثنين الماضي، اجتماعاً رباعياً بحضور أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بحثوا فيه آخر المستجدات الإقليمية. وكان من أبرز محاور المباحثات تداعيات الحرب الأخيرة، وآثار الهجمات العسكرية الأمريكية والصهيونية على إيران، وضرورة توسيع التعاون الإقليمي. ويرى بعض الخبراء أن هذا اللقاء يعكس سعياً إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، غير أن التوصل إلى اتفاق مستدام وخفض التوترات، يظلّان رهناً بنتائج المحادثات والتزام الأطراف المشاركة بها عملياً.
وفي هذا السياق، أجری موقع «الوقت» حواراً مع السيد جعفر قنادباشي، الخبير في شؤون غرب آسيا، تناول فيه تداعيات اجتماع طهران وأثره في مستقبل أمن المنطقة ومعادلاتها.
الوقت: ما الرسائل التي يحملها اجتماع دول اتفاق مكة مع إيران، في الظرف الراهن، إلى المنطقة والعالم؟
السيد قنادباشي: يبعث هذا الاجتماع، في الظرف الراهن، رسالةً إلى الرأي العام العالمي مفادها أن تحولات كبرى تجري في غرب آسيا، تحولات تمسّ التوازنات السياسية والعسكرية التي سادت المنطقة من قبل. فهو في حقيقته يحمل نبأ تحوّل استراتيجي عميق قد يكون فاتحة تغييرات جديدة في هندسة المنطقة وجغرافيتها السياسية وفي موازينها، تغييرات يمتدّ صداها إلى مجمل المعادلات الدولية.
وتنبع أهمية هذه التحولات من المكانة الخاصة التي تحتلها منطقة غرب آسيا في معادلات العالم؛ فالقوى الصناعية الكبرى وبلدان العالم الرأسمالي تعتمد، على نحو أو آخر، على الطاقة المصدَّرة من هذه المنطقة. ومن ثمّ فإن مجريات السياسة الدولية لا تستطيع أن تواصل سيرها بمعزل عمّا يجري فيها. ولهذا فإن الرسالة المنبعثة من انعقاد هذا الاجتماع قد تكون إيذاناً ببدء تحولات لا تقتصر آثارها على منطقتنا، بل تطال المسارات الاقتصادية والسياسية في العالم أجمع.
وعلى سبيل المثال، فإن التحولات والتنافسات السياسية داخل أمريكا، ومنها انتخاباتها، تتأثر بدورها بما يجري في غرب آسيا. وعليه، إذا استمر المسار الذي بدأ اليوم، جاز القول إن هذا الاجتماع يحمل رسالة تغيير من هذا النوع. وقد يعني استمرار هذا المسار انفتاح فصل جديد في المعادلات الإقليمية والدولية، فصل تضطر فيه دول العالم إلى التكيّف مع المعطيات المستجدة.
وخلاصة القول إن أهمية هذا الاجتماع لا تُختزل في انعقاد لقاء محدود أو في علاقات أربع دول، بل قد تمتدّ تبعاته إلى دول شتى في العالم. وهذا بحد ذاته قد يدلّ على تحولات استراتيجية في قرارات دول المنطقة السياسية، بل في مقارباتها العسكرية أيضاً؛ تحولات قد تفضي في نهاية المطاف إلى انتهاء هيمنة القوى الكبرى وحضورها العسكري في المنطقة أو تراجعهما.
الوقت: هل يمكن عدّ اجتماع طهران مؤشراً على تشكّل نظام أمني جديد في المنطقة، محوره دولها وبمنأى عن اللاعبين من خارجها؟
السيد قنادباشي: نعم، يمكن اعتباره بداية تشكّل نظام أمني جديد في المنطقة، مهّدت له تحولات الأشهر الماضية، بل العام الأخير. ونحن اليوم نقف عند منعطف تاريخي قد يغيّر وجهة مستقبل المنطقة والعالم. وعلى حدّ تعبير القائد الشهيد، نحن على أعتاب «انعطافة تاريخية» أو «منعطف تاريخي»، ويُعدّ هذا الاجتماع من علامات انطلاقها. فأوضاع الماضي لم يعد بوسعها أن تستمر على حالها، وقد أدركت دول المنطقة، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة قيام نظام يتّسق مع حاجاتها ومطالبها الوطنية.
لقد كانت الدول الغربية تسعى في الماضي إلى ثلاثة أهداف رئيسية في المنطقة: أولها، الهيمنة السياسية والاقتصادية على مصادر الطاقة وسائر الثروات المعدنية؛ وثانيها، إحداث شروخ بين دول المنطقة وفرزها إلى معسكرين، حلفاء لأمريكا وخصوم لها؛ وثالثها، تثبيت تفوّق "إسرائيل" وتوسيع نفوذها. أما اليوم فقد أصبحت هذه الأهداف الثلاثة كلها موضع تحدٍّ. فتراجع ثقة بعض دول المنطقة بدعم واشنطن، والشك في صدقية وعودها، قد يهيّئان لتقارب أكبر بين هذه الدول وإيران وتوسيع التعاون الإقليمي. ومن شأن هذا المسار أن يردم شروخ الماضي ويُضعف الاصطفافات القديمة.
كما أن تعاون دول المنطقة لتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة قد ينعكس على موقع الكيان الصهيوني، فيحدّ من تفوّقه ونفوذه، ومثل هذا النظام يحمل في ذاته القدرة على تقليص هيمنة الغرب على المنطقة.
وفي خضم ذلك، تضطلع طهران بدور محوري في هذه التحولات بحكم موقعها محوراً للمقاومة. فموقع إيران بين الدول المناهضة للسياسات الأمريكية، وقدرتها على إرساء التعاون الإقليمي وتوسيعه، وإمكاناتها الدفاعية، كلها عوامل تُبرز مكانة طهران في تشكيل النظام الأمني الجديد للمنطقة. وعلى هذا الأساس يمكن عدّ إيران أحد المحاور الرئيسية لهذا التحول الكبير، بل اللاعب الموجِّه لمسار تشكّل النظام الأمني الإقليمي.
الوقت: ما العوامل والاعتبارات التي دفعت الدول العربية وتركيا وباكستان إلى توسيع التعاون مع إيران؟
السيد قنادباشي: تضافرت عوامل شتى دفعت السعودية، وكذلك تركيا وباكستان، نحو توسيع التعاون والتقارب مع إيران. وأبرز هذه العوامل تراجع الثقة بأمريكا وسقوط مصداقية وعود واشنطن بالحماية الأمنية والعسكرية. فتجربة الدعم الأمريكي القاصر للسعودية في حرب اليمن، والخسائر الاقتصادية والأمنية التي خلّفتها التطورات الإقليمية، أقنعت هذه الدول بأن الركون إلى الغرب وحده لا يضمن أمنها ولا استقرارها الاقتصادي.
والعامل الثاني هو قوة إيران وقدرتها، وسياساتها المبدئية. فقد أظهرت إيران قدرات عسكرية لافتة، وأثبتت أنها قادرة على الدفاع عن نفسها وعن حلفائها، وعلى الصمود في وجه السياسات العسكرية والهجمات الواسعة للقوى الغربية، وقد أثّرت هذه القدرات في حسابات دول المنطقة وغيّرت نظرتها إلى مكانة إيران.
أما العامل الثالث فهو نهج الجمهورية الإسلامية تجاه دول المنطقة. فحتى مع بعض الدول التي دعمت العراق في الماضي أو ارتكبت أخطاءً بحق إيران، اتّبعت طهران نهجاً قوامه طيّ صفحة الماضي والتعفّف عن الانتقام. وهذا أمر بالغ الأهمية، إذ شعرت دول المنطقة أنها أمام قوة عسكرية مقتدرة، مستعدة، متى انتهجت هذه الدول سياسات سليمة، لأن تستقبل التعاون بروح بنّاءة وصدر رحب.
وتُعدّ المصالح الاقتصادية المتبادلة عاملاً مهماً آخر؛ فالتعاون في إطار «أوبك»، والتفاعل في سوق النفط والغاز، والإفادة من الطاقات الصناعية والاقتصادية لكل طرف، كلها تُنشئ مصالح مشتركة بين إيران ودول المنطقة. يضاف إلى ذلك أن التعاون مع إيران ليس خياراً أمنياً أو اقتصادياً فحسب، بل قد تكون له أبعاد سياسية ودبلوماسية أيضاً.
الوقت: هل يمكن أن يكون انعقاد مثل هذه الاجتماعات علامةً على تغيّر نهج دول المنطقة وابتعادها التدريجي عن أمريكا وميلها نحو طهران، أم أن التعاون مع إيران مجرد إجراء مؤقت لتجاوز الأزمات والتحديات الراهنة؟
السيد قنادباشي: من التحليلات المطروحة بشأن حضور ممثلي هذه الدول الثلاث في إيران، أن ميلها إلى طهران يتزايد وأنها تبتعد عن واشنطن. فقد فقدت هذه الدول جانباً كبيراً من ثقتها بالدعم الأمريكي، وخلصت إلى أن علاقاتها الوثيقة بأمريكا، خلافاً لما كانت تأمله، لم تحقق المصالح المرجوّة، بل فرضت عليها في بعض الأحيان تکاليف باهظة.
وفي داخل هذه الدول أيضاً، تطالب شرائح من الرأي العام والأحزاب المعارضة والنخب بمراجعة العلاقات مع أمريكا. ومن هنا فإن توسيع التعاون مع إيران قد يكون سبيلاً للاستجابة للمطالب الداخلية وخدمة المصالح الوطنية على نحو أفضل.
غير أن الدول الثلاث ما زالت تربطها بأمريكا علاقات استراتيجية، ويُطرح كذلك احتمال أن تسعى واشنطن إلى توظيف علاقاتها بإيران لتحقيق أهدافها الإقليمية. ومع ذلك، فإن تراجع مصداقية أمريكا وتبدّل الحسابات الأمنية لدول المنطقة، قد يحولان دون أن تنزلق هذه الدول بسهولة، كما في السابق، إلى مواجهة مع إيران. كما أن الإخفاق في تحقيق بعض الأهداف الإقليمية، ومنها ما يتصل باتفاق مكة والسياسات المرتبطة بمواجهة اليمن وإيران، أبرز لديها ضرورة مراجعة المقاربات السابقة.
ولذلك، فإن ميل هذه الدول إلى إيران لا يمكن اعتباره بالضرورة خطوةً عابرةً، فهو مسار تشكّل في سياق التحولات الإقليمية وتبدّل حسابات القوة. وعلى إيران أن تغتنم هذه الفرصة لتعزيز تعاون راسخ والمضيّ نحو تشكيل تحالف إقليمي.
وتحقيق هذا الهدف يستلزم دبلوماسيةً فاعلةً مبتكرةً، وعقد اجتماعات مشتركة، ودعوة المسؤولين الإقليميين إلى تشاور متواصل، والإفادة من طاقات النخب وأصحاب الرأي. كما أن تقديم مقترحات عملية والاستعانة بالكفاءات المبدعة وذوي الدماء الجديدة في الجهاز الدبلوماسي، من شأنهما أن يسهما في توسيع التعاون. وفي النهاية، فإن تحويل هذه الفرصة إلى آلية دائمة للتعاون الإقليمي قد يمهّد لقيام نظام أمني تضطلع فيه دول المنطقة، استناداً إلى مصالحها المشتركة، بدور أكبر في صون أمنها بنفسها.
الوقت: مع تشكّل الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة، كيف سيتغيّر دور أمريكا ومكانتها في معادلات الشرق الأوسط المقبلة؟
السيد قنادباشي: يمكن توقّع أن يتراجع دور أمريكا ونفوذها تدريجياً، وإن كان هذا المسار سيستغرق وقتاً. ومن المؤشرات التي قد تدل على تبدّل أحوال المنطقة، تقلّص جانب من الحضور العسكري الأمريكي وإغلاق بعض قواعده. كما أن تراجع ثقة الحلفاء الإقليميين بدعم واشنطن، ومعارضة شرائح من الرأي العام للوجود الأمريكي، وعجز واشنطن عن تلبية جميع الحاجات الاقتصادية لشركائها، كلها عوامل قد تقلّل اعتماد هذه الدول على أمريكا وتمهّد لقيام علاقات وترتيبات جديدة.
وثمة عامل آخر هو تراجع مكانة الكيان الصهيوني في الميدانين السياسي والاقتصادي، وتصاعد الاعتراض على سلوكه. ولما كان ضمان أمن "إسرائيل" من أعمدة السياسة الأمريكية في غرب آسيا، فإن أي تراجع في قوة هذا الكيان ونفوذه، قد ينعكس على موقع واشنطن نفسها.
لقد كانت أمريكا تسعى في المنطقة إلى هدفين استراتيجيين رئيسيين: تأمين أمن الكيان الصهيوني، وحماية أمن خطوط نقل النفط وتدفق الطاقة. غير أن التطورات الأخيرة وضعت تحقيق هذين الهدفين أمام تحديات، وألحقت الضرر بمصداقية واشنطن الدولية. وعليه، فإن قبولها بوقف إطلاق النار في النزاعات المتصلة بإيران واليمن، يدل على محدودية قدرة أمريكا على بلوغ أهدافها العسكرية، وعلى الفجوة بين ما تدّعيه من قوة عسكرية ووقائع الميدان. وإذا استمر هذا المسار، فقد تبتعد أمريكا تدريجياً عن موقعها المهيمن الحالي وتعود إلى مكانة أضيق في المعادلات الإقليمية والدولية، وضعٍ لن تتمتع فيه بمستوى النفوذ والقدرة الحاسمة الذي عرفته في الماضي.
