الوقت- إسماعيل باقري، خبير في شؤون أفغانستان وشبه القارة الهندية: أثارت التقارير التي نُشرت مؤخرًا حول نقل أراضٍ في جنوب إيران إلى أفغانستان ردود فعل واسعة على الإنترنت نظرًا لحساسية الموضوع، إلا أن الحقيقة تختلف عما تم تداوله في بعض وسائل الإعلام.
أولًا، صرّح السيد محسن زنغنه، عضو البرلمان، في مقابلة مع شبكة سحر، بأنه تم التوصل إلى تفاهم مبدئي لمنح طالبان 10,000 متر مربع من الأراضي في ميناء تشابهار. بالطبع، لم يقصد بنقل الأرض نقل ملكيتها، بل كان يناقش إنشاء بنية تحتية تجارية واستثمارات أفغانية في المنطقة.
مع ذلك، كان لدى بعض وسائل الإعلام فهم خاطئ لهذه القضية. كما أعلن بعض المسؤولين أنه وفقًا للدستور الإيراني، لا يجوز نقل ملكية منطقة أو أرض إلى دولة ثالثة. وقد أوضح السيد زنغنه في المقطع التالي ما قصده، وأن القضية الأساسية تكمن في استثمار حكومة طالبان في ميناء تشابهار، وليس في نقل ملكية الأرض إليهم.
أما النقطة الثانية فتعود إلى خلفية هذه القضية. خلال فترة الحكم السابق في أفغانستان، أي في عهد الجمهورية، ومنذ عام ٢٠١٦ فصاعدًا، شهدنا توترات حدودية بين أفغانستان وباكستان. خلال تلك الفترة، فُتحت وأُغلقت المعابر الحدودية والجماركية، بما في ذلك معابر تورخم، وشامان، وغلام خان، وخيبر، مرات عديدة، ولهذا السبب، اتجهت أفغانستان إلى ثلاثة طرق عبر إيران لتنويع مساراتها التجارية.
كان المسار الأول هو الاستثمار في خط سكة حديد خاف-هرات وتطويره، بالإضافة إلى معبر دوغارون-إسلام قلعة الحدودي، أما المسار الثاني فكان طريق ميلك-زرنج، والمسار الثالث كان معبر مهرود الحدودي الإيراني (الميل 78).
لذا، فقد طُرحت مسألة الاستثمار أو نقل الأراضي لأغراض استثمارية منذ عهد الحكومة السابقة (جمهورية) أفغانستان، وبعد وصول طالبان إلى السلطة، أُثيرت هذه الفكرة مجددًا، واتُخذت بعض الخطوات في هذا الصدد، حيث استثمرت حكومة طالبان حتى الآن حوالي 30 مليون دولار أمريكي هناك.
ويرجع ذلك إلى أن تنمية أفغانستان وازدهار تجارتها واقتصادها يُسهمان في أمن المنطقة وتوسيع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إيران، وفي الواقع، نعتبر تنمية أفغانستان تنميةً لنا، وقد كانت هذه المسألة دائمًا محل اهتمام إيران.
تجدر الإشارة إلى أن اتفاقية تشابهار التجارية بين إيران والهند وأفغانستان وُقِّعت عام ٢٠١٦، إلا أن الجانب الهندي، خلافًا لما قد يُتصوَّر، لم يستثمر كثيرًا في هذا الميناء، واقتصرت استثماراته على بعض المعدات المتنقلة، مثل الرافعات الشاهقة ورافعات الموانئ الخاصة، دون أي استثمار يُذكر في هذا المجال.
فوائد الاستثمار الأفغاني في تشابهار
يبدو أن هناك عدة أسباب وجيهة وراء ترحيب إيران باستثمار الحكومة الأفغانية في منطقة تشابهار.
أولًا، سيعود التطور الاقتصادي لمنطقة تشابهار الحرة بالنفع على إيران على المدى البعيد، إذ يُوفِّر من جهة قاعدةً لجذب الاستثمارات، ومن جهة أخرى، يُعزِّز التجارة والعبور، ويُوفِّر فرص عمل، ويزيد من عدد المصانع ووحدات الإنتاج في المنطقة.
يُذكر أن ميناء تشابهار يتمتع بمزايا كبيرة مقارنةً بالعديد من الموانئ على خليج عُمان والمناطق المحيطة به، وذلك لأسباب عديدة، منها موقعه على المحيط. يُعدّ هذا الميناء منطقةً بكرًا ذات إمكانات تنموية هائلة، ولذا توليه إيران اهتمامًا خاصًا.
أما النقطة الثانية فتتمثل في تطوير العلاقات بين إيران وأفغانستان، إذ يُمكن أن يُسهم توسيع الاستثمار والتجارة في ميناء تشابهار في تعزيز العلاقات بين البلدين في مجالات أخرى.
ويُعدّ تحوّل تشابهار إلى ممر عبور هام، وازدهار الممر الشمالي-الجنوبي، من الفوائد الأخرى لهذه العملية. كما يُثار موضوع ربط تشابهار بأفغانستان وآسيا الوسطى، ويمكن لهذا الطريق أن يُشكّل فرعًا أو طريقًا مكمّلًا للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CIPEC).
أما النقطة الثالثة فتتمثل في مناقشة التنافس الإقليمي. لا يقتصر نفع تطوير تشابهار على إيران فحسب، بل يمتدّ ليشمل بعض دول المنطقة، ويُمكن أن يُمهّد الطريق لتنافس اقتصادي إقليمي. فعلى سبيل المثال، يُمكن لهذه العملية أن تُشجّع الصين على زيادة استثماراتها في ميناء جوادر الباكستاني. في الواقع، يتشكل نوع من المنافسة الإيجابية في المنطقة، وبفضل التآزر والتكامل بين القدرات الاقتصادية للدول، يمكن أن يعود ذلك بالنفع في نهاية المطاف على اقتصادات إيران وأفغانستان والمنطقة بأسرها.
وتُعدّ هذه المنافسة الإقليمية الإيجابية حدثًا مرغوبًا فيه. ورغم أن باكستان تسعى جزئيًا إلى الحدّ من الاستغلال الكامل لطاقات ميناء تشابهار من خلال الاستثمار في الأسواق الحدودية، إلا أن تطوير هذه الأسواق وحده لا يكفي لتعزيز ممرات العبور وتنمية الاقتصاد الإقليمي، ولا سيما منطقة تشابهار الحرة. لذا، ينبغي على إيران السعي لجذب دول أخرى في المنطقة للاستثمار في تشابهار، إلى جانب أفغانستان، وخاصة دول مثل طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان التي لا تملك منفذًا مباشرًا على المياه المفتوحة. كما أن جذب رؤوس الأموال من هذه الدول من شأنه أن يُسهم في خلق منافسة إيجابية في المنطقة.
من بين الفوائد طويلة الأجل لهذه الخطة تطوير طرق عبور إلى آسيا الوسطى وتوفير منفذ إلى المياه المفتوحة لأفغانستان ودول المنطقة، وهو ما قد يعزز مكانة إيران في شبكة الممرات الإقليمية ويسهم بشكل كبير في تفعيل ممر الشمال والجنوب.
التحديات المستقبلية
إلى جانب هذه الفوائد، توجد تحديات محتملة، أهمها العقوبات الأمريكية التي لطالما منعت دولًا أخرى من الاستثمار في إيران، كما رأينا في حالة الهند.
ومن القضايا الأخرى المعارضة الداخلية وانعدام الشفافية بشأن آلية نقل الأراضي إلى الهند وأفغانستان. ولدراسة هذه المسألة بالتفصيل، ينبغي الاطلاع على نصوص مذكرات التفاهم. ومع ذلك، من الضروري توضيح كيفية نقل الأراضي، ومدة النقل، والشروط المترتبة عليه. كما ينبغي مراعاة التفاصيل المتعلقة بالضرائب والشروط المالية الأخرى.
ومن النقاط الأخرى التي قد تؤثر على أجواء هذا الاستثمار ونقل الأراضي مسألة ضريبة الأراضي في هلمند. يتساءل بعض السكان والمسؤولين المحليين عن سبب امتناع طالبان عن دفع الضرائب، بينما نحن على استعداد لتزويدهم بالأراضي.
أما القضية الأخيرة فتتعلق بانعدام الأمن والمخاطر الأمنية في سيستان وبلوشستان، والتي تفاقمت نوعًا ما في الأشهر الأخيرة. إن استشهاد السيدة نصرت افتخاري يوم الأربعاء 6 أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام في ضواحي زاهدان، والهجمات على نقاط التفتيش، والهجمات العشوائية، فضلًا عن ازدياد حالات الاعتداء على العسكريين في الأشهر الأخيرة، كلها عوامل تُشكل مخاطر أمنية في المنطقة.
هناك تيار في هذه المنطقة يُعارض بشدة أي تطوير لميناء تشابهار، بل وحتى ساحل مكران. بعض هذه المعارضة له جذور داخلية، ولكن يبدو أن بعض هذه التوجهات الداخلية تتأثر أيضًا بعوامل خارجية تُعيق تنمية المنطقة وتوسعها وتقدمها.
أما بخصوص مدة الإيجار، فيُذكر أنها مُعلنة لمدة عشر سنوات قابلة للتمديد. بالطبع، يُقال إن هناك تقارير تُشير إلى توفير أراضٍ بعقود إيجار تزيد مدتها عن عشر سنوات لرجال أعمال أفغان، وأنه تم التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، وهو أمر يحتاج إلى التحقق، ويُعتبر حاليًا مجرد تكهنات.
من جهة أخرى، كان من المفترض أن يصل استثمار الهند في ميناء تشابهار إلى 370 مليون دولار، إلا أنه لم يُنفذ منه حتى الآن سوى 120 مليون دولار، ويرتبط الجزء الأكبر من هذا الاستثمار بتجهيزات الميناء الاستراتيجية، بينما لم يُستثمر الكثير في مجال الأراضي.
من الضروري دراسة تفاصيل الاتفاق المتعلق بنقل ملكية الأراضي للاستثمار بدقة، بما في ذلك مساحة الأرض التي سيتم تأجيرها وشروطها، ونوع الملكية، وشروط الاستغلال، ويجب تحديد هذه الأمور بوضوح.
توقعات استثمارية غامضة في تشابهار
عند رسم ملامح التوقعات الاستثمارية لتشابهار، من الضروري مراعاة عدة جوانب. أولاً، هناك المسألة الجيوسياسية المتمثلة في أن إيران، بصفتها الميناء البحري الوحيد، تمتلك إمكانات استثمارية هائلة، شريطة أن تُدار هذه المنطقة بشكل أفضل وأن تُستغل القدرات الدبلوماسية والاستثمارية الإقليمية للدول الأخرى لتعزيزها.
في غضون ذلك، أصبح التعاون مع الهند قضية محورية، إذ يُطرح التساؤل حول مدى اهتمام الهند بممر الشمال-الجنوب، وهل تنوي فعلاً استخدامه أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت، وإلى أي مدى تتأثر بالسياسات الأمريكية. أدت كل هذه العوامل إلى جعل آفاق التنمية في المنطقة غير مؤكدة، وهو وضع يبلغ ذروته في حالة ميناء تشابهار. فمن جهة، أظهرت الهند أنها لا تكتفي بكسب الوقت عبر تفعيل طرق بديلة كالطريق الشرقي لممر الشمال-الجنوب وتنمية تجارتها مع روسيا، ومن جهة أخرى، مع انتهاء صلاحية استثناء تشابهار من العقوبات الأمريكية بموجب مرسوم أرديبهشت عام 1405، اضطرت الهند إلى إيقاف تطوير المرحلة الثانية من الميناء، وتدرس نقل حصتها مؤقتًا إلى كيان إيراني لتجنب العقوبات الثانوية؛ وهي خطوة تعتبرها إيران اختبارًا لإرادة الهند الحقيقية، ويمكن تفسيرها في الواقع كتكتيك للبقاء في ظل المعضلة بين الضرورات الجيواقتصادية والقيود الجيوسياسية التي تفرضها الولايات المتحدة. معضلة ستُبقي مستقبل الاستثمار في تشابهار وحصة الهند في ممر الشمال-الجنوب في حالة من عدم اليقين طالما استمرت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
رغم هذه الشكوك، تُبدي إيران جديةً في زيادة الاستثمار في هذه المنطقة وتهيئة الظروف لجذب المزيد من رؤوس الأموال. ولتنمية المنطقة، من الضروري تهيئة بيئةٍ تُمكّن الدول المستثمرة من العمل بثقةٍ أكبر في ميناء تشابهار. وفي هذا الصدد، قد يكون من الضروري تأجير أراضٍ تتراوح مساحتها بين 50 و100 هكتار للمستثمرين لتمكينهم من العمل بثقةٍ أكبر في هذه المنطقة. ومن شأن هذه الخطوة أن تُسهم في نهاية المطاف في تنمية المنطقة على المدى البعيد، وأن تُؤدي أيضاً إلى تعميق العلاقات والتعاون بين أفغانستان وباكستان.
