الوقت - تُمثل التصريحات الأحدث الصادرة عن اللواء محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بشأن تحديد “منطقة محظورة” جديدة في محيط مضيق هرمز، مؤشراً بالغ الأهمية على تحول نهج طهران في إدارة المشهد البحري في الخليج الفارسي. وهو تحولٌ يشي بأن إيران لم تعد تقبع في زاوية رد الفعل إزاء الحصار والضغوط البحرية الأمريكية، بل شرعت في صياغة قواعد جديدة لحركة الملاحة في المنطقة.
فقد أعلن اللواء رضائي أن إيران ستعمد، خلال الأيام والأسابيع المقبلة، إلى ترسيم منطقة محظورة خارج مضيق هرمز؛ وهي منطقة، وفقاً لإيضاحاته، ستمتد من النقطة التي يبدأ منها خط الحصار البحري الأمريكي، وسيجابه دخول القطع البحرية إليها بقيود وعقوبات صارمة. وبالتزامن مع ذلك، تعتزم إيران الكشف عن خارطة لمسار ملاحي دولي جديد عبر مضيق هرمز.
ويرى المراقبون أن تجلي أهمية القرار الإيراني الجديد يكمن في سعي طهران لقلب المعادلة القائمة في هرمز من “حصار أمريكي مضروب على إيران”، إلى “سيطرة متبادلة وباهظة التكلفة على الممرات البحرية”. وبعبارة أخرى، تبعث إيران برسالة مفادها أن أي مسعى لتضييق الخناق على صادراتها وتجارتها البحرية، لن يمر دون أن يتجشّم الطرف الآخر كلفة ذلك.
الخط الأحمر الجديد في مياه هرمز
ينبغي النظر إلى ترسيم المنطقة المحظورة الجديدة كجزء من مساعي طهران لفرض حزام أمني ورقابي يطوق مضيق هرمز. ولا تقف هذه الخطوة عند حدود التحذير السياسي العابر؛ بل إنها، إن وُضعت موضع التنفيذ، تعني أن طهران تسعى جاهدةً لسنّ قواعد صارمة لجزء من حركة الملاحة البحرية في نطاق يتجاوز المضيق ذاته.
وفي هذا الصدد، أوردت وكالة رويترز أن المنطقة المقترحة ستمتد من نقطة انطلاق الحصار البحري الأمريكي، وأن السفن التي ستدخل إليها ستصطدم بقيود إيرانية. كما تطرقت طهران إلى مسألة تدشين ممر ملاحي جديد بشراكة مع سلطنة عُمان.
ويكتسي هذا التطور أهميةً استراتيجيةً بالغةً، إذ يترجم مساعي إيران لتحويل ترسانتها العسكرية في هرمز إلى أداة ناظمة لحركة المرور البحري. فبدلاً من الاكتفاء بالرد على تحركات البوارج أو ناقلات النفط الأمريكية، تطمح طهران لتحديد هوية السفن العابرة، والمسارات المسموح بها، والشروط الناظمة لذلك؛ مما يعني تزاوج العبقرية الجغرافية لإيران في هرمز مع سطوتها العسكرية.
إغلاق منافذ الالتفاف على الضغوط النفطية
غير أن غاية طهران لا تنحصر في بسط الرقابة على القطع البحرية العسكرية الأمريكية فحسب. بل يجب التمحيص في أحد أهم أبعاد هذا النهج ضمن إطار “حرب النفط”، وسدّ الذرائع والمسارات الرامية للالتفاف على القيود المفروضة على إيران.
ففي الأشهر المنصرمة، أضحى الحصار والضغوط الأمريكية الرامية لخنق صادرات النفط الإيرانية، محوراً رئيسياً من محاور الحرب الاقتصادية. وفي المقابل، سعت طهران لإثبات أنه إذا ما وُضعت صادراتها النفطية في دائرة الاستهداف، فإن ضمان العبور الآمن واليسير لنفط الأطراف الإقليمية الأخرى، سيصبح في مهب الريح.
وما التقارير الأخيرة التي تتحدث عن تصاعد حدة الاشتباكات حول ناقلات النفط، إلا تصديقٌ لهذا التوجه. فقد ذكرت رويترز أن واشنطن استهدفت ثلاث ناقلات إيرانية، لترد طهران باستهداف السفن والناقلات التي تعتبر أنها تسلك مسارات غير مشروعة في مضيق هرمز. وتزامن ذلك مع تراجع حركة ناقلات النفط في هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ شهر مايو/أيار.
وبناءً عليه، فإن القضية تتجاوز مجرد “إغلاق مضيق هرمز”. إذ بمقدور طهران، عبر إحكام قبضتها على الممرات البحرية، أن ترفع من تكلفة عبور نفط المنطقة، وأن تضع المسارات غير المصرح بها أو الشبكات المتواطئة في الالتفاف على القيود الإيرانية تحت مرمى نيرانها.
ويحمل هذا النهج في طياته رسالةً جليةً للدول المصدرة للنفط في المنطقة؛ مفادها أن أمن صادرات الطاقة لم يعد قابلاً للفصل عن تداعيات التحركات السياسية والعسكرية الموجهة ضد إيران.
تحرير المعادلة النفطية من نير الهيمنة الأحادية
لا تقتصر قوة إيران الضاربة في هذه المعادلة على حجم ما تصدره من نفط فحسب؛ بل تستمد جذورها العميقة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي المتاخم لمضيق هرمز.
فهرمز يُعد أحد أشدّ شرايين الطاقة حيويةً في العالم، وأي تعكير لصفو الملاحة فيه يلقي بظلاله مباشرة على سوق النفط العالمية. وهو ما تجلى بوضوح في الأيام القليلة الماضية؛ حيث قفزت أسعار خام برنت في التداولات الأخيرة لتلامس حدود الـ 98 دولاراً للبرميل، فيما تخطى الخام الأمريكي حاجز الـ 91 دولاراً.
ومن هذا المنطلق، تحوز طهران ورقة تفوق استراتيجي لا يسع أمريكا طمسها بجرة قلم. فحتى لو نجحت واشنطن في توجيه ضربات للبنية التحتية النفطية أو لبعض الناقلات الإيرانية، فإنها ستقف عاجزةً عن محو الموقع الجغرافي الذي تتربع عليه إيران على ضفاف هرمز.
وهذا هو العامل عينه الذي يُحيل الحصار البحري إلى مقامرة باهظة الثمن بالنسبة لواشنطن. فلكي تفرض أمريكا ضغوطها على إيران، يتحتم عليها إبقاء مواردها وأساطيلها وقواتها متأهبةً في المنطقة؛ بينما تستطيع إيران، متسلحةً بجغرافيتها وترسانتها الصاروخية وقطعها البحرية العسكرية وأدواتها البحرية المتنوعة، أن تُضاعف من فاتورة هذا التواجد.
تغير السلوك الإيراني: من مربع الرد إلى زمام المبادرة
تتجلى الرسالة الأهم للخطوة الإيرانية الجديدة، في تغيير جوهر التعاطي الإيراني مع الحصار البحري الأمريكي. ففي المرحلة الأولى، كانت إيران تقف غالباً في خندق الرد على الضغوط الأمريكية؛ أما اليوم، فتلوح في الأفق بوادر التحول نحو الخطوات الاستباقية، ورسم الخطوط الحمراء، وفرض الأثمان المتبادلة.
وفي هذا السياق، أفادت رويترز في تقاريرها الأخيرة بتصاعد وتيرة الاشتباكات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة في مياه المنطقة، مشيرةً إلى تحذير طهران من أن ردودها المستقبلية على أي هجمات ستكون أسرع وتيرةً وأشدّ وطأةً.
وبناءً على ما تقدم، لا يمكن التعاطي مع إعلان “المنطقة المحظورة” الجديدة كخطوة رمزية محضة؛ بل هو جزء من رسالة أشمل وأعمق. فإيران تسعى عملياً للتأكيد على أن الحصار البحري ليس طريقاً ذا اتجاه واحد.
فإذا ما ساورت أمريكا الرغبة في إيقاف عجلة الصادرات النفطية الإيرانية، فإن طهران قادرة على جعل أمن وسلاسة الصادرات النفطية للآخرين رهينةً بسلوك واشنطن. وفي ظل هكذا ظروف، فإن الضغط الاقتصادي الممارس على إيران قد ينقلب سحراً على ساحر، ليتحول إلى ضغط اقتصادي يرزح تحته سوق الطاقة العالمي بأسره؛ وهو ما بدا جلياً في قفزة أسعار النفط خلال الأيام الماضية كجرس إنذار مبكر.
وفي خضم هذه الأجواء، تصبح رسالة طهران ناصعة الوضوح: إذا كانت أمريكا تبتغي تحويل هرمز إلى هراوة تسلطها على رقبة إيران، فإن لإيران من القدرة ما يكفي لتحويل هرمز إلى خنجر مسلط على خاصرة الاستراتيجية الاقتصادية وشرايين الطاقة لأمريكا وحلفائها.
