الوقت - تعرضت فتاة تبلغ من العمر عشرين عاماً، تعاني من إعاقةٍ ذهنية، للاعتداء الجنسي على يد مساعد مفتش شرطة، في مدينة لاهور، بتاريخ 7 أغسطس. وكانت الفتاة تتسول في الأزقة والشوارع حين استوقفتها قوات الشرطة، ثم نقلتها إلى مركز شرطة “غازي آباد”، حيث استولى العناصر على كل ما جمعته من مال، قبل أن يعتدي عليها مساعد المفتش جنسياً ثم يُطلق سراحها.
وبحسب تقرير “العربي الجديد”، تمكنت الضحية، وفق بيان الشرطة، من تحديد الغرفة التي زعمت أن الاعتداء وقع فيها. وعلى إثر هذه الحادثة، فُتحت قضيةٌ بتهمة الاغتصاب ضد المتهم، إلى جانب قضيةٍ أخرى تتعلق بسوء تصرف عناصر الشرطة. ولم تتوقف إجراءات الشرطة عند حدود توقيف العنصر المتهم، بل أوقفت شرطة لاهور جميع العاملين في مركز غازي آباد، البالغ عددهم 78 بين ضابطٍ وموظف، على اعتبار أن المسؤولية لا تقع على مرتكب الاعتداء وحده، بل تمتد لتشمل من قصّروا في منع الحادثة أو الإبلاغ عنها.
وجاء في بيان شرطة لاهور: “إن وجود امرأةٍ داخل المركز دون سببٍ مشروع، ونقلها إلى مكانٍ منعزل، ثم الاعتداء عليها، يثير تساؤلاتٍ جدية حول مدى الرقابة والانضباط داخل مراكز الشرطة”.
وتزامنت قضية غازي آباد مع حادثةٍ أخرى في لاهور، تتعلق بوفاة امرأتين، هما “أمينة” و"أنمول"، أثناء توقيفهما في مركز شرطة “تاون شيب” بتاريخ 4 أغسطس.
وأفادت الشرطة في بادئ الأمر بأن وفاة المرأتين ناجمةٌ عن توقفٍ قلبي، إلا أن منظمةً لحقوق الإنسان كشفت عن تناقضاتٍ جوهرية بين الرواية الرسمية ورواية أسرتَي الضحيتين. وطالبت الأسرتان بتشكيل لجنةٍ قضائية مستقلة، برئاسة أحد قضاة محكمة لاهور العليا، للتحقيق في ملابسات وفاة المرأتين وتحديد سببها الحقيقي.
وليست هذه المرة الأولى التي تشهد فيها باكستان وقائع اعتداءٍ جنسي على يد عناصر الشرطة؛ فقد اغتُصبت فتاةٌ، في يناير 2025، توجهت إلى مركز شرطةٍ في مدينة راولبندي لتقديم شكوى ضد مجرمين، على يد أحد الضباط في المكان نفسه. وفي سبتمبر 2024، تعرضت فتاةٌ أخرى للاعتداء الجنسي في مركز شرطة مدينة بهاولنغر.
عنف الشرطة: ظاهرةٌ متكررة في باكستان
وثّقت منظمات حقوق الإنسان الباكستانية، خلال السنوات الأخيرة، حالاتٍ متعددة من الضرب والتعذيب والاعتداء الجنسي وسوء المعاملة داخل مراكز الشرطة.
كما شددت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في تقاريرها السابقة، على أن النساء والفتيات المحتجزات يواجهن خطر الاعتداء الجنسي والاغتصاب، وأن هذه الأفعال تُرتكب في بعض الحالات مقابل الحصول على طعامٍ أو خدماتٍ معينة.
وقال الناشط الباكستاني وقاص كهوكر، في تصريحٍ لـ"العربي الجديد": “لا تنحصر المشكلة في تصرفات عناصر بعينهم، بل يتغذى جذرها من ضعف الرقابة المؤسسية وآليات المساءلة، وهو ما جعل مراكز الشرطة من أخطر الأماكن على النساء الواقعات ضحايا للظلم الاجتماعي”. وشدّد على ضرورة الحفاظ على تسجيلات كاميرات المراقبة والأدلة الطبية والجنائية، وإبعاد أي جهةٍ قد تكون هي نفسها موضع الشبهة عن سير التحقيقات.
وفي مايو 2026، أفادت وكالة التحقيقات الفدرالية الباكستانية محكمة لاهور العليا بأنها أجرت، في عام 2022، 364 تحقيقاً على مستوى البلاد بموجب قانون منع التعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز، لكن 52 تحقيقاً فقط تحوّلت إلى قضايا جنائيةٍ رسمية. أما في إقليم البنجاب، فلم تُفتح قضيةٌ رسمية إلا في 19 حالة من إجمالي 266 تحقيقاً.
ويؤكد كهوكر: “الإصلاح المطلوب يتجاوز مجرد معاقبة المتهم بعد وقوع الجريمة”، مشيراً إلى ضرورة اتخاذ تدابيرٍ إضافية، من قبيل تركيب كاميرات مراقبةٍ مستقلة، وتسجيل حركة دخول وخروج المحتجزين، وضمان حضور عناصر نسائية عند التعامل مع قضايا النساء، وتمكين المحتجزات من التواصل الفوري مع أسرهن ومحاميهن، وإجراء الفحوص الطبية بشكلٍ مستقلٍ وسريع.
ويكمن أعمق الأخطار في أن المرأة التي تتعرض للاعتداء قد تتجنب أصلاً التوجه إلى الشرطة، خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو انعدام ثقتها بقدرة الجهات المسؤولة على حمايتها، لا سيما إذا كان الجهاز الأمني نفسه طرفاً في الاعتداء أو متهماً بالتستر عليه. وهو وضعٌ يهدد في جوهره أسس العلاقة بين المواطن والشرطة.
ويكشف تكرار هذه الحوادث أن الأمر لم يعد مجرد سلسلة من الوقائع الفردية المتفرقة، بل تحوّل إلى اختبارٍ حقيقي لقدرة الشرطة الباكستانية على حماية النساء، وضمان أمن الضحايا، ومساءلة قوات الأمن عن تجاوزاتها.
