الوقت - حظيت زيارة محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، إلى بغداد، بتغطية واسعة في وسائل الإعلام العراقية والعربية؛ وهي تغطية تجاوزت، في كثير من جوانبها، الإطار المألوف للأخبار المرتبطة بزيارة مسؤول برلماني، لتضعها في سياق التحولات الأمنية في العراق ومستقبل المنطقة.
ووفق البرنامج المعلن، التقی قاليباف خلال زيارته عدداً من كبار المسؤولين العراقيين، من بينهم هبت الحلبوسي رئيس البرلمان، وعلي الزبيدي رئيس الوزراء، ونزار عميدي رئيس الجمهورية، إلى جانب مسؤولين سياسيين آخرين، وشارك في مراسم الأربعين في كربلاء.
وقد أكد محمد كاظم آل صادق، سفير إيران في بغداد، أن هذه الزيارة كانت مقررةً قبل التطورات الأخيرة في إقليم كردستان، ولا ترتبط مباشرةً بذلك الحدث؛ غير أن المستجدات الإقليمية جعلت مشاورات قاليباف في بغداد تكتسب أهميةً مغايرةً لما كانت عليه عند التخطيط الأولي للزيارة.
أما قاليباف، فقد وصف العراق، لدى وصوله إلى بغداد، بأنه بلد مهم، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين ذات «أهمية أساسية ومحورية» في تطورات المنطقة.
وبعد زيارته نصب قادة النصر، حيث النصب التذكاري للشهيد اللواء قاسم سليماني والشهيد أبو مهدي المهندس، شدّد على دور «المقاومة» في معادلات المنطقة، قائلاً إن مقاومة إيران والعراق تجاوزت حدود البلدين، وتحولت إلى قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي.
الجزيرة: مهمّة تتجاوز البرلمان
من بين وسائل الإعلام العربية، سعت قناة الجزيرة إلى مقاربة طبيعة زيارة قاليباف من زاوية تحليلية. ففي تقرير حمل عنوان: «مهمّة تتجاوز البرلمان؛ ماذا يحمل قاليباف إلى بغداد؟»، طرحت القناة في الأساس سؤالاً مفاده: لماذا يزور رئيس البرلمان الإيراني بغداد في هذا التوقيت بالذات؟
ولم تركّز الجزيرة كثيراً على العلاقات البرلمانية بين البلدين، بل وضعت قاليباف عند نقطة التقاء السياسة الخارجية بالبنى الأمنية والاعتبارات العسكرية الإيرانية. فمن وجهة نظرها، فإن موقع قاليباف، بوصفه رئيساً للبرلمان وفي الوقت نفسه رئيساً لفريق التفاوض الإيراني، يمنح زيارته قدرةً على نقل رسائل تتجاوز العلاقات التقليدية بين برلمانين.
كما وصفت القناة علاقات طهران وبغداد بأنها شبكة متداخلة من الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية، مشيرةً إلى تعاون البلدين في مواجهة تنظيم داعش بوصفه نموذجاً لهذه الاعتمادية المتبادلة.
غير أن أبرز ما في تحليل الجزيرة كان ربط زيارة قاليباف بملف «حصر السلاح بيد الدولة العراقية». فقد أكدت القناة أن حكومة علي الزبيدي تسعى إلى تنظيم وضع الأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، في وقت تبدي فيه الجماعات المسلحة تبايناً وخلافاً حيال هذا المسار.
ومن هذا المنظور، ترى الجزيرة أن زيارة قاليباف تندرج ضمن تفاعل أوسع بين طهران وبغداد، في مرحلة تتعرض فيها الحكومة العراقية لضغوط من واشنطن لدفع مشروع ضبط السلاح والسيطرة عليه.
أما الملف الثاني الذي توقفت عنده الجزيرة، فهو الاتفاق الأمني بين إيران والعراق بشأن الجماعات الإرهابية الانفصالية المتمركزة داخل أراضي إقليم كردستان العراق. وبذلك، تضع رواية هذه الوسيلة الإعلامية زيارة قاليباف عند تقاطع ملفين أمنيين شديدي الأهمية: سلاح الجماعات العراقية، وأمن الحدود بين إيران والعراق.
الميادين: زيارة قاليباف في ظل هجوم أربيل
اتخذت قناة “الميادين” مقاربةً مغايرةً؛ إذ وضعت هذه الزيارة، قبل كل شيء، في صميم العلاقات الاستراتيجية بين طهران وبغداد، وربطتها بالتطورات التي يشهدها إقليم كردستان العراق.
ووفقاً لسردية “الميادين”، كان الهجوم بالمسيّرات الذي استهدف مكتب مسرور بارزاني، رئيس وزراء الإقليم، من أبرز القضايا التي ألقت بظلالها على المناخ السياسي لزيارة قاليباف.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من مسارعة مسؤولي الإقليم، بادئ الأمر، إلى تحميل إيران مسؤولية الهجوم، وهو اتهامٌ دحضته طهران جملةً وتفصيلاً، حيث وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الحادث بأنه «تطور مشبوه للغاية».
الشرق: التركيز على «الإجراءات الأمنية المشتركة»
أما صحيفة “الشرق”، فقد اختارت زاويةً مختلفةً، مصوّبةً عدسة عنوانها العريض نحو الهاجس الأمني مباشرةً: «قاليباف يصل العراق لبحث الإجراءات الأمنية بين البلدين».
واستندت الصحيفة في تغطيتها إلى تصريحات قاليباف بشأن اتخاذ «خطوات عملية وهامة» لتعزيز أمن إيران والعراق، وتحقيق الرفاهية للشعبين.
لقد أطّرت “الشرق” هذه الزيارة، بالدرجة الأولى، ضمن سياق التعاون الأمني بين طهران وبغداد؛ وهو ملفٌ تزداد أهميته وتتضاعف في ضوء التطورات الحدودية، وهجوم أربيل، ومعضلة الجماعات المسلحة، والوجود الأجنبي في العراق.
الغد: التأكيد على استقلال العراق و«عدم التدخل الأجنبي»
من جهتها، سلّطت صحيفة “الغد” الضوء على جانب آخر من تصريحات قاليباف، ناقلةً عنه قوله إن العراق بلدٌ مهم، وإن الزيارة تهدف إلى التباحث حول سبل التعاون «بمنأى عن أي تدخل أجنبي».
وتكتسي هذه الزاوية أهميةً بالغةً؛ إذ يُعد مفهوم «عدم التدخل الأجنبي» أحد أبرز الكلمات المفتاحية في الخطاب السياسي لطهران حيال النظام المستقبلي للمنطقة.
روسيا اليوم: زيارة قاليباف وتشكّل توازن إقليمي جديد
وبدورها، ارتقت قناة “روسيا اليوم” بالزيارة إلى مستوى يتجاوز العلاقات الثنائية بين طهران وبغداد، لتضعها في خضم التحولات الجيوسياسية الإقليمية، مستلهمةً عنوانها من حديث قاليباف عن «مرحلة جديدة من معادلات القوة في المنطقة».
ووظّفت القناة تصريحات رئيس البرلمان الإيراني التي اعتبر فيها أن زيارته للعراق تمهّد الطريق لمرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية.
وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع): التأكيد على مصالح بغداد في مضيق هرمز
أما وكالة الأنباء العراقية الرسمية، فقد انصبّ اهتمامها الأكبر على اللقاء الذي جمع قاليباف بنظيره هبت الحلبوسي.
وخلال هذا اللقاء، أكد رئيس البرلمان العراقي على ضرورة تفعيل لجان الصداقة، وتعزيز الدبلوماسية البرلمانية، وتوسيع آفاق التعاون بين البلدين. بيد أن النقطة الأبرز تجلّت في طرح مسألة مضيق هرمز.
ففي إشارة منه إلى حساسية الموقف العراقي وتأثره بالتحولات الإقليمية، دعا الحلبوسي إلى مراعاة الظروف الخاصة للعراق فيما يتعلق بصادراته النفطية عبر مضيق هرمز.
ويكتسب هذا الشق من التغطية الإعلامية العراقية أهميةً استثنائيةً؛ فهو يعكس مساعي بغداد الحثيثة للنأي بمصالحها الاقتصادية وتدفق صادراتها النفطية عن التجاذبات والمنافسات الأمنية في المنطقة، لا سيما في ظل التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة.
وبعبارة أخرى، لا يمثل مضيق هرمز بالنسبة للعراق مجرد قضية أمنية، بل هو شريان حيوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائدات النفطية والاستقرار الاقتصادي للبلاد.
شفق نيوز: إبراز «المقاومة العراقية»
وعلى النقيض من وسائل الإعلام الرسمية التي تمحور اهتمامها حول الدبلوماسية البرلمانية والعلاقات الثنائية، أفردت وكالة “شفق نيوز” العراقية مساحةً معتبرةً من تغطيتها لتصريحات قاليباف بشأن المقاومة.
واستلهمت الوكالة حديث رئيس البرلمان الإيراني عن عبور المقاومة لحدود إيران والعراق، وتطورها لتصبح قوةً فاعلةً ومؤثرةً على الساحتين الإقليمية والدولية.
صحيفة “المستقبل” العراقية: سرديةٌ أكثر رسميةً وأقل حدّةً
استندت صحيفة “المستقبل” العراقية إلى وكالات الأنباء الإيرانية، لتركّز على البرنامج الرسمي للزيارة والقضايا التي أعلنتها طهران. وقد برزت في تغطية هذه الصحيفة محاور رئيسية، أهمها: تعزيز العلاقات الثنائية، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتطوير التعاون الاقتصادي، ومتابعة الاتفاقيات المشتركة.
“العربي الجديد”؛ قاليباف وملف «الإطار التنسيقي»
قدّمت صحيفة “العربي الجديد” واحدةً من أكثر المقاربات تسييساً لهذه الزيارة. إذ زعمت أن قاليباف سيحضر اجتماعاً لـ «الإطار التنسيقي»، وهو التحالف الحاكم في العراق؛ وهو اجتماع كان مقرراً عقده بحضور رئيس الوزراء العراقي. وتكمن أهمية هذا التقرير في كونه ينقل زيارة قاليباف من مستوى العلاقات بين حكومتين وبرلمانين، إلى مستوى التفاعل المباشر مع البنية السياسية الشيعية في العراق والقوى المشكّلة للتحالف الحاكم.
وركّزت “العربي الجديد” على قضيتين جوهريتين: الوجود الأمريكي في العراق، ومسألة حصر السلاح بيد الدولة. وبحسب سردية هذه الصحيفة، كان من المقرر أن ينقل قاليباف رؤية طهران إزاء مستقبل الوجود الأمريكي، وملف السلاح، ووضع الفصائل المسلحة.
“الشرق الأوسط”؛ المقاومة، النظام الجديد، وانحسار الدور الأمريكي
من جهتها، أبرزت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية تصريحات قاليباف حول المقاومة، بيد أنها وضعتها جنباً إلى جنب مع مفهوم «النظام الإقليمي الجديد». وأشارت الصحيفة إلى أن قاليباف وصف المقاومة العراقية بأنها عنصر أساسي في القوة العالمية، معتبراً أن العلاقات بين بغداد وطهران تمضي في مسار بناء نظام جديد خالٍ من التدخلات الأجنبية.
وفي السياق ذاته، سلّطت “الشرق الأوسط” الضوء على ملف سلاح الفصائل المسلحة والضغوط التي تمارسها واشنطن على بغداد. ونتيجةً لذلك، فإن مقاربة هذه الصحيفة تحلل، عملياً، زيارة قاليباف ضمن إطار التنافس على مستقبل النفوذين الأمريكي والإيراني في العراق؛ لا سيما في ظل تصدّر مسألة انسحاب القوات الأمريكية ومستقبل الفصائل المسلحة جدول الأعمال السياسي في بغداد في آن واحد.
“العربية”: الزيارة في إطار «النظام الإقليمي الجديد»
أما قناة “العربية”، وهي واجهة إعلامية سعودية بارزة أخرى، فقد ركزت جلّ اهتمامها على الأجزاء المتعلقة بمستقبل النظام الإقليمي والدور الأمريكي في تصريحات قاليباف. ومن خلال إبرازها لكلمة قاليباف أثناء زيارته للنصب التذكاري للشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، نقلت القناة عن رئيس البرلمان الإيراني قوله إن تدخل القوى الأجنبية في معادلات دول المنطقة سيتراجع في ظل النظام الإقليمي الجديد، مدّعيةً أن أمريكا تبحث عن مخرج لها من المنطقة.
وأطّرت “العربية” هذه التصريحات ضمن سياق التوترات المستعرة بين طهران وواشنطن، وتعثّر المفاوضات، والضغوط الاقتصادية الأمريكية، والخلافات بين الطرفين حول مضيق هرمز. وعليه، كانت الزاوية التي انطلقت منها “العربية” زاوية أمريكية - إيرانية بامتياز، إذ لم تكتفِ بسرد وقائع الزيارة في إطار العلاقات الثنائية بين طهران وبغداد، بل اعتبرتها فصلاً من فصول التنافس الأوسع بين إيران والولايات المتحدة على رسم مستقبل المنطقة.
“الهدف” الفلسطينية؛ زيارة قاليباف كإدارة متزامنة لأزمات متعدّدة
لعلّ بوابة “الهدف” الفلسطينية قدّمت التحليل الأكثر صراحةً ووضوحاً للطبيعة المتعددة الطبقات لمهمة قاليباف. فقد اعتبرت هذه المنصة الزيارةَ مسعىً إيرانياً لإدارة عدة ملفات في آن واحد: الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع بغداد، واحتواء تداعيات هجوم أربيل، والتعاطي مع ملف سلاح الفصائل المسلحة.
وإلى جانب إشارتها لزيارة سابقة مزعومة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اللواء إسماعيل قاآني، إلى بغداد، استنتجت “الهدف” أنه لا ينبغي النظر إلى حضور قاليباف على أنه مجرد زيارة برلمانية أو دبلوماسية روتينية. فمن منظور هذا المنبر الإعلامي، تشكّل زيارة قاليباف جزءاً من استراتيجية طهران الأشمل للتعاطي مع القوى السياسية والأمنية العراقية، في ظل التغيرات التي تطرأ على موازين القوى في هذا البلد.
سرديات متعددة ومتباينة؛ ما سرّ أهمية هذه الزيارة؟
إن إمعان النظر في مجمل هذه التقارير يكشف أن وسائل الإعلام العراقية والإقليمية، وإن أجمعت على أهمية زيارة قاليباف، إلا أن كلاً منها فسّرها من زاوية مختلفة. وفي المحصلة، يمكن اعتبار سعة التغطية الإعلامية لزيارة قاليباف وتنوّعها، دليلاً على وقوعها عند تقاطع تحولات بالغة الأهمية. فلو كانت هذه الزيارة مجرد مهمة برلمانية روتينية، لكان من المتوقع أن تنحصر جلّ التغطية الإعلامية في اللقاءات الرسمية والعلاقات الاقتصادية والتعاون البرلماني؛ غير أن ما يتبدّى في سردية وسائل الإعلام يمثّل مشهداً أوسع بكثير.
لقد حطّ قاليباف رحاله في بغداد في ظرفٍ تواجه فيه الحكومة العراقية قضيةً حساسةً وشائكةً تتمثل في حصر السلاح؛ وتضغط فيه واشنطن لحسم مصير الفصائل المسلحة؛ وتدنو فيه المواعيد المحددة للبتّ في وضع هذه الجماعات؛ وتتأثر فيه العلاقات بين بغداد وأربيل بالهجوم الأخير عبر الطائرات المسيّرة؛ ويغدو فيه أمن الحدود الإيرانية-العراقية ملفاً حساساً في ظل استمرار التوتر المخيّم على العلاقات بين طهران وواشنطن؛ وهو توتر أضفى في الوقت عينه أهميةً مضاعفةً على مكانة العراق كواحد من أهمّ دول الجوار الإيراني.
من ناحية أخرى، تكتسي مسألة مضيق هرمز أهميةً حيويةً بالنسبة لبغداد. فالعراق يجني الجزء الأكبر من عائداته عبر صادرات النفط، وأي اضطراب طويل الأمد في مسار تصدير الطاقة من شأنه أن يترك تداعيات مباشرة على اقتصاد البلاد. وإن تأكيد هبت الحلبوسي على الظرف الخاص للعراق فيما يتعلق بصادرات النفط عبر هرمز، يبرهن على أن بغداد تسعى، إلى جانب احتفاظها بعلاقات وثيقة مع طهران، إلى حماية مصالحها الاقتصادية أيضاً.
في خضم هذه الظروف، تكتسب تصريحات قاليباف حول «النظام الإقليمي الجديد» زخماً أكبر. ولهذا السبب، يمكن اعتبار التغطية الإعلامية الواسعة لهذه الزيارة، أبعد من كونها مجرد حدث خبري، بل هي انعكاس للأهمية الاستراتيجية للعلاقات بين طهران وبغداد في معادلات ما بعد الحرب، وتجسيد لمساعي الفاعلين الإقليميين لترك بصمتهم على تبلور النظام الجديد في غرب آسيا.
