الوقت - رأت “فايننشال تايمز” أن الحرب على إيران تُعيد صياغة التحالفات الإقليمية بطرق لم تكن في حسبان واشنطن ولا تل أبيب. ففي اللحظة التي ضرب فيها ترامب بنصائح حلفائه العرب عرض الحائط، وأصدر أوامره للقوات الأمريكية بضرب إيران، فإنه قد ألقى بمستقبل الشرق الأوسط في أتون الخطر.
واليوم، وبعد انقضاء قرابة ستة أشهر على اندلاع العمليات العسكرية التي توقع الرئيس الأمريكي ألا تستغرق سوى أربعة إلى خمسة أسابيع، أضحت المنطقة عالقةً بين الحرب والسلام، وتكابد الأمرّين لتحمل التبعات الكارثية للحرب التي أشعل فتيلها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبحسب الصحيفة، فإن تمخضات هذه الحرب تتجلى في إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط بأساليب من شأنها أن تفرز تداعيات طويلة الأمد على واشنطن؛ إذ يسعى قادة المنطقة جاهدين للتكيّف مع هذا الواقع الجديد.
وأردفت الصحيفة قائلةً: “تعكف دول حوض الخليج الفارسي حالياً على إعادة تقييم مدى ارتهانها للولايات المتحدة بوصفها الضامن الأول لأمنها، لاسيما في أعقاب الهجمات التي شنتها إيران واستهدفت القواعد العسكرية، ومنشآت الطاقة، والمطارات، وغيرها من البنى التحتية الحيوية في شتى أرجاء المنطقة”.
فضلاً عن ذلك، أجّجت هذه الحرب هواجس القادة العرب والمسلمين حيال الدور الذي تلعبه "إسرائيل" كقوة مزعزعة للاستقرار. إذ يسود اعتقاد واسع بأن نتنياهو قد زجّ بالمنطقة في أتون حرب مع إيران خدمةً لمصالح "إسرائيل"، وضرباً بالاستقرار الإقليمي عرض الحائط.
واعتبرت “فايننشال تايمز” أن من أولى البوادر الدالة على مآلات هذا المشهد، الاتفاق الذي أُبرم مؤخراً بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان لتأسيس حلف دفاعي مشترك؛ وهو اتفاق جرى توقيعه في مكة المكرمة في خطوة تحمل دلالات رمزية عميقة. وقد شددت هذه الدول الثلاث، ذات الأغلبية السكانية من المسلمين السُّنة، على أن هذا الميثاق يكتسي طابعاً دفاعياً بحتاً، ولا يستهدف أي دولة بعينها.
وأوضحت الصحيفة أن هذا التحالف الجديد ينبني على أساس الاتفاق الدفاعي الذي أُبرم بين السعودية وباكستان في سبتمبر المنصرم. وهذا الميثاق من شأنه أن يشرّع الأبواب أمام أنقرة للظفر بعقود دفاعية مجزية، ويتيح لإسلام آباد حصد مزيد من الدعم المالي من الرياض. أما بالنسبة للسعودية، فإن هذا الاتفاق يعزز، ولو من الناحية الرمزية على أقل تقدير، من قدرتها الردعية في مواجهة أي هجمات محتملة.
وتكمن أهمية هذا الاتفاق، في خضم الظروف الراهنة، في بُعده الرمزي قبل كل شيء، وفي الرسالة التي يبعث بها حيال تشكّل اصطفافات جديدة بعد ما يربو على ثلاث سنوات من الصراعات التي عصفت بالشرق الأوسط إثر هجوم حرکة حماس على "إسرائيل" في 7 أكتوبر 2023. ومع ذلك، لا يزال من المبكر لأوانه الحديث عن تبلور محاور متجابهة.
وفي المقلب الآخر من هذا التحالف، يقف حلفاء “اتفاقيات أبراهام”؛ وعلى رأسهم دولة الإمارات التي تشهد تصاعداً في حدة التوترات مع السعودية، وتسعى بخطى حثيثة أكثر من أي وقت مضى لشقّ مسار مستقل في سياستها الخارجية بعيداً عن شركائها العرب التقليديين، بالتوازي مع توسيع رقعة علاقاتها مع "إسرائيل". وستبقى الديناميكيات الإقليمية تتأرجح على وقع عدم الاستقرار، في حين ستلوذ باقي الدول العربية والإسلامية بالحذر الشديد في اصطفافها مع أي من الأطراف.
ولفتت الصحيفة إلى أن مصر، على الرغم من علاقاتها الوثيقة وتحالفها المتين مع دول “اتفاق مكة” الثلاث، لم تنخرط في هذا الاتفاق. ولكن، إن كان ترامب ونتنياهو يمنّيان النفس بأن الحرب على إيران ستُفضي إلى تقارب دول المنطقة مع "إسرائيل" وتُعبّد الطريق أمام توسيع نطاق “اتفاقيات أبراهام”، فمن المرجح أن يصطدما بخيبة أمل مريرة.
ستعيد الحرب على إيران صياغة الشرق الأوسط، ولكن بأساليب لم يتوقعها ترامب ونتنياهو، بل ولم يتخيلاها قط.
