الوقت - تم إبرام اتفاقية الدفاع الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، والتي وُقعت مؤخرًا، في ظلّ تراجع ثقة دول المنطقة بالترتيبات الأمنية التي تتمحور حول الولايات المتحدة، نتيجةً للحرب والأزمات الأمنية في غرب آسيا، ما دفع العديد من القوى الإقليمية إلى إنشاء آليات أكثر استقلالية لضمان أمنها.
في الواقع، قررت الرياض وأنقرة وإسلام آباد تحديد جزء من أمنها في إطار دفاعي مشترك خارج نطاق الترتيبات الأمريكية؛ إطار يُعتبر بموجبه أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء هجومًا على الأعضاء الثلاثة جميعهم.
ولهذه الاتفاقية، بطبيعة الحال، سياق سابق. فقد وقّعت السعودية وباكستان سابقًا اتفاقية دفاع مشترك في عام 2025، ورفعت الاتفاقية الجديدة مستوى هذا التعاون بانضمام تركيا. ومع ذلك، يبدو أن هذه الاتفاقية تفتقر إلى طرف رئيسي. غياب اسم القاهرة، إذ لم يرد اسم مصر في هذه الاتفاقية، يثير تساؤلاً هاماً: لماذا بقيت دولةٌ ذات ثقل عسكري وسياسي كمصر، والتي تُعدّ من أقرب شركاء السعودية الأمنيين لسنوات، خارج هذا الإطار؟
مصر: شريك الرياض القديم باختلافات جديدة
لطالما اتسمت العلاقات العسكرية والأمنية بين مصر والسعودية بالوثوق على مدى العقود الماضية. فقد تبنّت الدولتان مواقف مشتركة بشأن العديد من القضايا الإقليمية، وتعاونتا في قضايا مثل أمن الخليج الفارسي، ومواجهة التهديدات الإقليمية، ودعم الدول العربية. مع ذلك، لا يعني التقارب الاستراتيجي بين القاهرة والرياض تطابق جميع حساباتهما الجيوسياسية.
في الواقع، يكمن جوهر المشكلة في هذا التباين في المصالح. ففي السنوات الأخيرة، اتفقت مصر والسعودية على بعض المواقف العامة بشأن قضايا هامة كاليمن وفلسطين، لكنهما لم تتبنيا بالضرورة سياسة موحدة.
فيما يخص اليمن، تُعدّ مسألة أمن حدود السعودية الجنوبية، وتهديد صواريخ وطائرات أنصار الله المسيّرة، ذات أهمية بالغة. ترتبط الحرب اليمنية ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي السعودي، وقد خصصت الرياض جزءًا كبيرًا من سياستها الإقليمية لمواجهة التهديدات الناجمة عن اليمن في السنوات الأخيرة.
لكن حسابات مصر مختلفة. فبحكم موقعها الجغرافي، تسعى القاهرة إلى الحفاظ على استقرار البحر الأحمر، وتأمين قناة السويس، ومنع امتداد الأزمة اليمنية إلى طرق التجارة البحرية الحيوية، بدلًا من الانخراط في حرب استنزاف في شبه الجزيرة العربية.
من هذا المنطلق، تختلف سياسة مصر تجاه صنعاء عن سياسة السعودية المتشددة. فقد سعت القاهرة في السنوات الأخيرة إلى الحفاظ على قنوات اتصالها مع مختلف الأطراف اليمنية، بل وأسست رحلات جوية مباشرة بين القاهرة وصنعاء في إطار وقف إطلاق النار اليمني، بناءً على طلب الحكومة اليمنية والأمم المتحدة، لتخفيف المعاناة الإنسانية. ويُظهر هذا الإجراء أن مصر، إلى جانب علاقاتها مع السعودية، حافظت أيضًا على قنوات اتصالها مع صنعاء.
وبالطبع، هذا لا يعني أن القاهرة حليفة لأنصار الله أو مؤيدة لسياسات صنعاء. ففي بيانات مشتركة مع السعودية، أدانت مصر هجمات أنصار الله على أهداف سعودية وتهديداتها لأمن خطوط الملاحة. لكن الفرق الجوهري يكمن في أن مصر، على عكس السعودية، أقل ميلاً لتحويل القضية اليمنية إلى مواجهة عسكرية طويلة الأمد، وتفضل تقليدياً إبقاء أبواب الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف.
فلسطين؛ نقطة خلاف أكثر أهمية
يبرز أيضاً اختلاف حسابات القاهرة والرياض بشأن القضية الفلسطينية. فمصر، بحكم حدودها المشتركة مع قطاع غزة، وسيطرتها على معبر رفح، ودورها التاريخي في الوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، مضطرة للحفاظ على اتصال مباشر ومستمر مع الأطراف الفلسطينية، بما فيها حماس. وقد استضافت القاهرة مراراً وتكراراً مفاوضات تتعلق بوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، ومستقبل غزة في السنوات الأخيرة. ولذلك، حتى في ظل توتر العلاقات بين مصر وحماس، لم تنقطع قنوات التواصل بين الجانبين.
وهذا يختلف عن موقف السعودية تجاه حماس. ركزت الرياض في السنوات الأخيرة بشكل أكبر على الدبلوماسية العربية الرسمية، وحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية، وعلاقاتها مع حماس ليست وثيقة وعميقة كعلاقات القاهرة مع هذه الحركة. كما تُظهر البيانات المشتركة الصادرة عن مصر والسعودية دعم البلدين لإقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين، إلا أن أدواتهما وقنوات تأثيرهما في القضية الفلسطينية تختلف.
تركيا: سبب آخر لغياب مصر
لا ينبغي إغفال سبب آخر لغياب مصر عن تحالف مكة، ألا وهو وجود تركيا، خصم مصر القديم، في التحالف. فرغم التحسن الملحوظ في العلاقات بين مصر وتركيا في السنوات الأخيرة، إلا أن الخلافات الاستراتيجية بين البلدين لم تختفِ تمامًا. فقد شهدت العلاقات بينهما خلافات حادة في الماضي حول قضايا مثل ليبيا، وشرق المتوسط، وجماعة الإخوان المسلمين. لذا، فإن انضمام القاهرة إلى حلف دفاعي ملزم، تُعد تركيا أحد أركانه الأساسية، سيكون قرارًا مختلفًا تمامًا عن التعاون الدبلوماسي مع أنقرة.
من جهة أخرى، تُظهر الأبحاث المنشورة حول تشكيل البنية الأمنية الجديدة للمنطقة أن مصر وتركيا والسعودية وباكستان قد شاركت في بعض المشاورات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة، إلا أن اختلاف سياساتها تجاه إيران، فضلاً عن تباين مصالحها الاستراتيجية، حال دون تشكيل تحالف أوسع.
رفض مصر القتال إلى جانب الآخرين
إن أهم ما يميز اتفاقية مكة هو طابعها الدفاعي الجماعي. فمبدأ "الاعتداء على عضو واحد هو اعتداء على الجميع" يعني أن أي أزمة أمنية في علاقات أي عضو مع قوة أجنبية أو جهة إقليمية فاعلة قد تتحول إلى مشكلة مشتركة لجميع الأعضاء.
بالنسبة لمصر، قد يعني الانضمام إلى مثل هذه الاتفاقية قبول مخاطر لا تتفق بالضرورة مع مصالحها الأمنية الوطنية المباشرة. في الوضع الراهن، تسعى القاهرة بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على حرية تصرفها في قضايا فلسطين والسودان وليبيا والبحر الأحمر واليمن. وقد يحد الانضمام إلى اتفاقية دفاع جماعي من هذه الحرية.
من هذا المنظور، لا ينبغي اعتبار غياب مصر عن اتفاقية مكة دليلاً على انهيار العلاقات المصرية السعودية، مع أن هذا الغياب يكشف حقيقة مهمة: وهي أن التحالفات الإقليمية الجديدة لا تتشكل بالضرورة على أساس العلاقات التقليدية بين الدول، بل على أساس تعريفها المشترك للتهديدات والمصالح الأمنية.
وتقوم المملكة العربية السعودية ببناء شبكة أمنية جديدة يمكن لتركيا وباكستان أن تلعبا فيها أدواراً تكاملية. تتمتع تركيا بقدرات عسكرية وصناعية وموقع جيوسياسي مميز، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وردعًا نوويًا. وقد أكدت التحليلات المنشورة لاتفاق مكة هذا التباين في القوى العسكرية.
في المقابل، فضّلت مصر البقاء خارج الالتزام الدفاعي الثلاثي في هذه المرحلة، مُبقيةً خياراتها مفتوحة.
بدلًا من أن يُشير هذا القرار إلى ابتعاد القاهرة التام عن الرياض، فإنه يعكس اختلافًا جوهريًا في رؤية البلدين لمستقبل الشرق الأوسط: تتجه السعودية نحو بناء قوة ردع جماعية جديدة، بينما تُواصل مصر سعيها للحفاظ على هامش مناورتها عبر الدبلوماسية والوساطة، وإقامة علاقات مع طيف أوسع من الفاعلين.
ونتيجةً لذلك، قد يكون غياب مصر عن اتفاق مكة بنفس أهمية حضور تركيا وباكستان، لأنه يُظهر أنه حتى بين الدول العربية الأقرب إلى السعودية، لا يوجد إجماع على شكل وطبيعة بنية الأمن الإقليمي المستقبلية.
