الوقت - لم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية الأخيرة على إيران على الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية فحسب، بل أذكت نار نقاشٍ جديدٍ في أروقة الدوائر الاستراتيجية الأمريكية؛ يتمحور حول تساؤل جوهري: هل يمتلك الجيش الأمريكي حقاً القدرة علی الصمود في أتون حرب استنزاف؟ هذا التساؤل، الذي كان يُهمس به في البداية عبر بعض المنابر الإعلامية، غدا اليوم من أمهات القضايا التي تُطرح على طاولات مراكز الأبحاث الدفاعية، والكونغرس، والمحافل العسكرية في البلاد.
ويُشير تقرير تحليلي أورده موقع “العربي الجديد”، مستنداً إلى تقييمات مراكز الأبحاث وتقارير الإعلام وتصريحات المسؤولين، إلى أن الهاجس الأكبر لم يعد مقتصراً على مجرد المواجهة مع إيران، بل يتعداه إلى تأثير هذه الحرب على مدى جاهزية الجيش الأمريكي لمجابهة أزمات مستقبلية قد تلوح في الأفق، لاسيما في تخوم شرق آسيا وأوروبا.
حربٌ أفرغت مستودعات العتاد من جعبتها
وفقاً لما أورده “العربي الجديد”، استهلكت واشنطن في خضم عملياتها العسكرية كماً هائلاً من صواريخ الكروز، والصواريخ بعيدة المدى، والقنابل الموجهة، والصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي. وتُعد صواريخ “توماهوك”، وصواريخ الهجوم المشترك جو-أرض، والصواريخ الهجومية الدقيقة، فضلاً عن الصواريخ الاعتراضية لمنظومات “باتريوت”، و"ثاد"، و"SM-3"، و"SM-6"، من أبرز الأسلحة التي تُشير التقارير إلى استنزاف قسطٍ وافرٍ من مخزوناتها. وقد أوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في تقريرٍ له، أنه وعلى الرغم من احتفاظ الجيش الأمريكي بقدرته على شن العمليات العسكرية، إلا أن تآكل مخزونات بعض الذخائر المتطورة بات حقيقةً لا مراء فيها، وأن تعويضها قد يستغرق من عام إلى أربعة أعوام، تبعاً لنوع السلاح. وحذّر المركز من أن المعضلة الجوهرية لا تكمن في استمرار الحرب مع إيران، بل في تراجع الاستعداد الأمريكي للتعاطي المتزامن مع أزمات محتملة قد تنفجر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أو في القارة الأوروبية.
حرب الاستنزاف والقيود المُكبِّلة للصناعات الدفاعية
من أبرز المحاور التي سلّط التقرير الضوء عليها، عجز الصناعات الدفاعية الأمريكية عن التعويض السريع للذخائر المستنفدة. ويرى الخبراء أن البنية التحتية لمصانع السلاح الأمريكية قد شُيدت على مدار العقود الثلاثة الماضية على أساس الإنتاج المحدود في أوقات السلم، ولم تُصمم قط لتلبية نهم حربٍ واسعة النطاق وممتدة الأمد. وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الإنتاج السنوي لبعض الصواريخ الأمريكية المتطورة، يقلّ بكثير عن معدل استهلاكها في ساحات الحرب. ولهذا، فإن ضخّ المزيد من الأموال في الميزانية الدفاعية لا يُترجم بالضرورة إلى زيادة فورية في وتيرة الإنتاج؛ إذ إن توسيع خطوط الإنتاج، وتأمين المواد الخام، وتدريب الكوادر المتخصصة، أمورٌ تتطلب ردحاً من الزمن. وفي السياق ذاته، أفادت نشرة “واشنطن بوست إنتليجنس” بأن أمريكا استنزفت في غضون أسابيع معدودات ما يعادل إنتاج سنوات من بعض الصواريخ المتقدمة، وأن إعادة بناء هذه الترسانة يستوجب ضخّ مليارات الدولارات وتوسيع القدرة الاستيعابية للصناعات الدفاعية.
أزمة الذخيرة؛ ناقوس خطر يقرع في أمريكا
يذهب المحللون إلى أن نضوب المخزون الصاروخي لا يمثّل مجرد معضلة لوجستية، بل يتعداها ليقوّض أسس استراتيجية الردع العالمي للولايات المتحدة. وفي حديث لشبكة الجزيرة، أكد بريان فينوكين، الباحث في مجموعة الأزمات الدولية، أن جُلّ الصواريخ التي استُهلكت في الحرب مع إيران، هي ذات الأسلحة التي ستكون واشنطن في أمسّ الحاجة إليها إن اندلع صراع مرتقب مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأضاف أنه إن استمر نزيف الذخيرة على هذه الوتيرة، فإن الخيارات العسكرية لواشنطن في شتى بقاع العالم ستضيق وتتقلّص. من جانبه، أطلق مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في مشاة البحرية وكبير الخبراء في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تحذيراً مفاده أن الحروب الحديثة تلتهم الذخائر بسرعة تفوق بكثير قدرة المصانع على إنتاجها. وأشار إلى أن دروس حرب أوكرانيا، ومن ثم الحرب مع إيران، قد برهنت على أن تقديرات البنتاغون السابقة حول حجم استهلاك الذخيرة في الحروب الكبرى، كانت غارقةً في التفاؤل المفرط.
صفّارة الإنذار تدوّي في واشنطن
يرى سيث جونز، رئيس قسم الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الحروب الأخيرة قد عرّت هشاشة “القاعدة الصناعية الدفاعية” للولايات المتحدة. ويؤكد أنه لو كُتب على أمريكا أن تخوض غمار أزمة في شرق آسيا تزامناً مع حربها ضد إيران، فإن عبئاً ثقيلاً سيوضع على كاهل الصناعات الدفاعية، ولن يكون من اليسير الإسراع في إنتاج العديد من الصواريخ المتقدمة بين عشية وضحاها. من زاوية أخرى، شدّد المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في تقييمه، على أن الحروب الممتدة لا تستنزف العتاد فحسب، بل تضع قدرات الإنتاج وسلاسل التوريد للصناعات الدفاعية تحت وطأة ضغط شديد، وهو أمرٌ قد يخلط أوراق موازين القوى على الساحة الدولية.
تباين الرؤى بين البيت الأبيض والخبراء
سعت إدارة دونالد ترامب إلى التقليل من شأن المخاوف المتعلقة بتناقص مخازن الذخيرة. وقد صرح ترامب بأن أمريكا ما زالت تمتلك احتياطيات ضخمة من الأسلحة، وأن الإدارة، عبر تخصيص ميزانيات جديدة، قد رفعت من وتيرة إنتاج صواريخ باتريوت وتوماهوك وغيرها من الأسلحة الاستراتيجية. غير أن تقارير وكالة رويترز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وموقع “فوكس” الإخباري، تشي بأن ثمة قلقاً يعتمل داخل أروقة الإدارة الأمريكية ذاتها إزاء السرعة الفائقة في استهلاك العتاد. بل إن تسريب بعض التقارير حول تراجع المخزون الصاروخي قد أثار حفيظة ترامب بشدة، مما دفعه للإيعاز بفتح تحقيق لمعرفة مصدر إفشاء هذه المعلومات.
وبحسب مارك كانسيان، فإنه إذا ما نشب صراع آخر فرض نفسه على الولايات المتحدة تزامناً مع أزمة في شرق آسيا أو أوروبا، فإن البنتاغون سيجد نفسه مجبراً على ترتيب الأولويات في استهلاك الذخيرة؛ وهو أمر من شأنه أن يكبّل حرية التحرك العسكري الأمريكي. ويُظهر تقييم مراكز الأبحاث الأمريكية والدولية أن الحرب مع إيران لم تكن مجرد تحدٍ عسكري واجهته واشنطن، بل كانت كاشفةً للعيوب البنيوية التي تنخر في جسد الصناعات الدفاعية الأمريكية.
وما يستقطب أنظار المحللين اليوم ليس مجرد الخوف من نفاد المخزون التسليحي، بل ذلك البون الشاسع بين سرعة استهلاك الذخيرة وقدرة المصانع على إنتاجها. ويدق الخبراء ناقوس الخطر محذّرين من أنه في حال اضطرت أمريكا لخوض غمار عدة أزمات كبرى في آن واحد، فإن هذه الفجوة قد تتحول إلى معضلة استراتيجية تعصف بالجيش الأمريكي. ومن هذا المنطلق، لم تكن الحرب مع إيران مجرد صدام عسكري، بل امتحاناً عسيراً للقدرة الصناعية واللوجستية وطاقة التعبئة الاقتصادية الأمريكية؛ وهو امتحانٌ يرى طيف واسع من المحللين أنه أماط اللثام عن نقاط الضعف الدفينة في آلة الحرب الأمريكية أكثر من أي وقت مضى، وسيمنح الجيش الأمريكي، لا محالة، درجة الرسوب.
