الوقت - لم تعد الحرب في قطاع غزة تُقاس بعدد الشهداء والجرحى فحسب، بل أصبحت تُقاس أيضًا بما تعجز الإحصاءات عن رصده، وبما يغيب عن عدسات الكاميرات وتقارير المتابعة اليومية. فمع استمرار العمليات العسكرية الصهيونية وتفاقم الأزمة الإنسانية، تتكشف معاناة المرضى، وأصحاب الأمراض المزمنة، وذوي الإعاقة، والأطفال، وكبار السن، إلى جانب الآثار الناتجة عن انهيار الخدمات الصحية، وشح المياه النظيفة، وتراكم النفايات، وانتشار الأمراض. وفي الوقت نفسه، يتصاعد الجدل حول مستقبل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، بعد التحذيرات التي أطلقتها منظمات حقوقية، من بينها هيومن رايتس ووتش، من أن تقليص دور الوكالة أو تعطيل عملها ستكون له آثار إنسانية خطيرة. ومن هنا تبرز العلاقة بين الحدثين؛ فالمعاناة الإنسانية تتسع في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة المؤسسة الدولية الأهم على تقديم الخدمات وتوثيق الاحتياجات.
الضحايا الذين لا تظهرهم الأرقام
تكشف التقارير الإنسانية أن الحروب لا تخلّف ضحايا يسقطون تحت القصف فقط، بل تترك أيضًا آلاف المتضررين الذين لا تظهر معاناتهم في الإحصاءات اليومية. فالمريض الذي يفقد دواءه، والطفل الذي يُحرم من العلاج أو التعليم، وكبير السن الذي يعجز عن الوصول إلى الرعاية الصحية، جميعهم يدفعون ثمن الحرب بصورة قد تستمر سنوات. كما يؤدي انهيار شبكات المياه والصرف الصحي وتراكم النفايات إلى انتشار الأمراض، بينما تبقى الذخائر غير المنفجرة خطرًا يهدد حياة المدنيين حتى بعد توقف القتال. لذلك، فإن الخسائر الإنسانية لا تقتصر على الوفيات المباشرة، بل تشمل تراجع جودة الحياة وتدهور الظروف الصحية والاجتماعية، وهو ما يجعل فهم الأزمة يتطلب النظر إلى الإنسان ومعاناته اليومية، وليس إلى الأرقام وحدها.
الأونروا ودورها في حماية المدنيين
تُعد الأونروا إحدى أهم المؤسسات الإنسانية العاملة في خدمة اللاجئين الفلسطينيين، إذ توفر التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الغذائية والخدمات الاجتماعية لملايين المستفيدين. وفي قطاع غزة، تضاعفت أهمية الوكالة مع تفاقم الأزمة الإنسانية، فأصبحت جزءًا رئيسًا من جهود الإغاثة وتشغيل مراكز الإيواء وتوزيع المساعدات. ولهذا، فإن أي قيود تحد من عملها تنعكس مباشرة على حياة السكان، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا. كما تؤدي الوكالة دورًا مهمًا في متابعة الاحتياجات الإنسانية وتوفير البيانات التي تساعد على توجيه المساعدات، الأمر الذي يجعل استمرار عملها ضرورة إنسانية في ظل الظروف الراهنة.
العلاقة بين المعاناة الإنسانية والغياب المؤسسي
تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة الإنسانية في غزة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة المؤسسات الإنسانية على أداء دورها. فكلما تراجعت قدرة هذه المؤسسات على الوصول إلى السكان وتقديم الخدمات، ازدادت معاناة المدنيين، وأصبح من الصعب رصد احتياجاتهم بصورة دقيقة. ولا يقتصر أثر ذلك على الجانب الإغاثي، بل يمتد إلى قدرة المجتمع الدولي على تكوين صورة واضحة عن حجم الأزمة واتخاذ قرارات تستند إلى معلومات موثوقة. ومن هنا، فإن الحفاظ على المؤسسات الإنسانية لا يمثل دعمًا للعمل الإغاثي فحسب، بل يسهم أيضًا في ضمان استمرار توثيق الواقع الإنساني وحماية الفئات الأكثر ضعفًا.
أهمية التوثيق ودور الإعلام
إلى جانب المؤسسات الإنسانية، يؤدي الإعلام دورًا أساسيًا في نقل معاناة المدنيين إلى العالم. فالتوثيق المستمر يساعد على إبراز الاحتياجات الإنسانية، ويمنح صناع القرار معلومات أكثر دقة حول تطورات الأزمة. وكلما ضعفت قدرة المؤسسات الإنسانية أو الإعلامية على أداء عملها، أصبح من الصعب تكوين صورة كاملة عن الواقع الميداني، وهو ما يزيد من تعقيد الاستجابة الإنسانية ويحد من فاعلية الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف معاناة السكان.
تؤكد التطورات في قطاع غزة أن الأزمة الإنسانية تتجاوز آثار الحرب المباشرة، لتشمل التحديات التي تواجه المؤسسات العاملة في مجال الإغاثة والتوثيق. فالمدنيون لا يحتاجون إلى الغذاء والدواء فحسب، بل يحتاجون أيضًا إلى مؤسسات قادرة على الوصول إليهم، وتوثيق احتياجاتهم، وتقديم الدعم لهم بصورة مستمرة. ومن ثم، فإن مستقبل العمل الإنساني في غزة سيظل مرتبطًا بقدرة المجتمع الدولي على ضمان استمرار عمل المؤسسات الإغاثية، بما يسهم في تخفيف معاناة السكان والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
المجتمع الدولي بين مسؤولية الاستجابة وتحديات الواقع
لا تقف الأزمة الإنسانية في قطاع غزة عند حدود الدمار الذي خلفته الحرب، بل تمتد إلى قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة الفاعلة لهذه الكارثة. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت احتياجات السكان، في وقت تواجه فيه المؤسسات الإنسانية تحديات كبيرة في إيصال المساعدات وتقديم الخدمات الأساسية. وتؤكد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن استمرار نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية يفاقم أوضاع المدنيين، ويجعل الفئات الأكثر ضعفًا، مثل الأطفال والمرضى وكبار السن، أكثر عرضة للمخاطر. وفي هذا السياق، يبرز دور المجتمع الدولي ليس فقط في تقديم المساعدات الإنسانية، وإنما أيضًا في توفير الظروف التي تضمن وصولها بصورة آمنة ومنتظمة، ودعم المؤسسات التي تعمل على الأرض لتلبية احتياجات السكان. كما أن استمرار عمليات التوثيق وجمع المعلومات حول الأوضاع الإنسانية يمثل عنصرًا أساسيًا في فهم حجم الأزمة وتوجيه جهود الإغاثة بالشكل المناسب. ومن جهة أخرى، فإن أي تراجع في دعم المؤسسات الإنسانية أو الحد من قدرتها على العمل ينعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين، ويزيد من صعوبة الاستجابة للاحتياجات المتزايدة. لذلك، فإن معالجة الأزمة في غزة تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الدعم الإنساني الفوري، وتعزيز دور المؤسسات الدولية، وحماية العاملين في المجال الإنساني والإعلامي، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية ونقل صورة دقيقة عن الواقع. فاستقرار الأوضاع الإنسانية لا يتحقق بالمساعدات الطارئة وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تسمح للمؤسسات بأداء مهامها بكفاءة واستمرار، بما يحفظ كرامة المدنيين ويخفف من معاناتهم، ويؤسس لاستجابة إنسانية أكثر فاعلية في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات التي يشهدها العالم اليوم.
