الوقت- في الأيام الأخيرة، شهدت منطقة الخليج الفارسي وسواحل إيران سلسلةً من الاعتداءات وإشعال النزاعات بذريعة مختلفة من جانب الأمريكيين. وفي هذا السياق، هناك ثلاث نقاط تستحق الوقوف عندها:
1- الانهيار والتآكل التدريجي
كرّر ترامب مرارًا وبثبات، في محاولة لخداع الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يشعر بالتأثيرات المقلقة للحرب رغم بُعده عن ساحتها، ادعاءه الكاذب بأنه قد دمّر القوة الدفاعية والعسكرية لإيران. ومع ذلك، فإن الواقع يكشف أن إيران هي التي توجّه الضربات الثقيلة والخسائر الفادحة من هذه النقطة بالذات.
لذا، يبدو أن ترامب يهدف من خلال الهجمات العسكرية المتقطعة والتي تبقى دون عتبة التصعيد الكامل، إلى إضعاف القدرات والمعدات العسكرية الإيرانية بشكل تدريجي ومنهك على سواحلها والمناطق المحيطة بها، بل وحتى في المناطق الأبعد، وذلك لتهيئة الأرضية لاحتمال استمرار الصراع العسكري، وتحضير الظروف لعمليات أوسع وأشمل في المرحلة التالية إذا دعت الحاجة.
وبناءً عليه، يتعين أن يكون إصلاح وتعزيز ما تضرر أو دُمر خلال الاشتباكات أولويةً عاجلةً لإيران، بحيث يُحفظ التوازن القائم من جهة، ويُقضی علی أي احتمال لإعداد الساحة للتصعيد القادم من جهة أخرى.
2- تدمير منخفض الشدة للبنى التحتية
يشير الهجوم الأمريكي على قارب نقل يحمل مواد غذائية أساسية، وعلى منشآت صناعية صغيرة، ومصادر المياه الصالحة للشرب في المناطق الساحلية الجنوبية في إيران، إلى أن الولايات المتحدة تسعى بهدوء، خطوةً بخطوة وبشكل غير محسوس، إلى إخراج الموارد الصغيرة لكنها الحيوية في حياة الناس اليومية من دائرة النشاط والإنتاج والتوفير، بهدف زيادة الضغوط تدريجياً على السكان، الذين يشكّلون الحلقة الأساسية والوسيط الفاعل في هذه السلسلة، لتحويل هذا الضغط إلى الحكومة.
إن التعويض السريع عن هذه الأضرار، كما حدث في قضية مصدر المياه بمنطقة "بماني" الإيرانية، وكذلك الرد المكافئ والمماثل على مصدر الهجوم، يمكن أن يحقّق إلى حد ما توازناً في الردع في هذا المجال، محافظًا بذلك على استقرار الوضع ومنع تفاقم الأضرار.
3- جني المكاسب عبر الضغط
بعد الهجوم الأمريكي على بعض المناطق الساحلية في جنوب إيران خلال الليالي الماضية، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أن هذه الهجمات جاءت بهدف تحقيق مكاسب من إيران في المفاوضات.
هذا الإعلان الرسمي، الذي لا يبتعد كثيرًا عن الواقع، يتضمن إشارةً ضمنيةً إلى أن المفاوضين الإيرانيين تمسكوا حتى الآن بمواقفهم الصلبة، وأن الجانب الأمريكي فشل في تجاوز هذا الحاجز الصلب، فاضطر للجوء إلى الحل العسكري كوسيلة للتغلب عليه، إلا أن ذلك أيضاً لم يحقّق له أي مكسب.
في هذه الحالة، يصبح من الضروري للمفاوض الإيراني أن يصعّد شروط التفاوض ليعاقب الجانب الأمريكي، وليجعلهم يدركون عجز وضرر الحل العسكري، ويُخرجوه من بين الخيارات المرتبطة بالمفاوضات.
وفي هذا السياق، كان تبادل العمليات العسكرية خلال الأيام القليلة الماضية ذا قيمة كبيرة لإيران، وذلك على النحو التالي:
فقد حاول ترامب قبل هذه العمليات أن يُرهب إيران بالتهديدات، والتي تبعتها تصريحات بعض المقربين منه، ووسائل الإعلام، وبعض المسؤولين الصهاينة، لكن إيران تجاهلت هذه التهديدات. حينها لجأ ترامب إلى تنفيذ التهديدات على أرض الواقع، سعياً لإضفاء مصداقية عليها، واستخدامها كأداة ضغط في اللحظات الحاسمة، محاولاً بذلك استعادة جزء من سمعته المتضررة في الرأي العام العالمي.
في المقابل، ردّت القوات الإيرانية بتهديد مماثل، وأظهرت رد فعل قويًا بعد العمليات العسكرية الأمريكية، مما أوضح لترامب أنه إذا كان يسعى لإطلاق لعبة التهديدات الموثوقة، فإن الطرف الإيراني قادر على الرد بردّ مدمر وواسع، وعرض رد فعل أكثر مصداقيةً وأقوى تهديدًا، ليحرق ورقة التهديد الموثوق التي يلعب بها ترامب.
إذا كان الهدف الذهني الأساسي لترامب من هذه العمليات المتقطعة هو ما ذُكر آنفاً، فإن التهديد الإيراني الأكثر مصداقيةً يكفي لكسره، إلا إذا كان ترامب ينوي استخدام هذه العمليات في سياق معقّد ومخطّط له، يستوجب تناوله بشكل منفصل وموسع.
