الوقت - في خضم الحرب المشتركة التي يشنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ضد إيران، تشير التقارير الواردة من الأراضي المحتلة إلى وجود تصدعاتٍ وخلافاتٍ عميقة في تل أبيب حول الأهداف الاستراتيجية لهذه الحرب. فوفقاً لما أوردته صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية، وبينما يحصر جيش الاحتلال "إنجازه النهائي" في هدف إخراج اليورانيوم من الأراضي الإيرانية، يرى جهاز التجسس (الموساد) أن الغاية القصوى من الحرب يجب أن تكون الإطاحة بنظام الحكم في إيران.
من جهة أخرى، كشفت "إسرائيل هيوم" عن حالة من الإحباط الشديد تسود كبار قادة الجيش في تل أبيب جراء القرار الأمريكي القاضي بعدم مصادرة اليورانيوم المخصب في عملية عسكرية. وتشير التقديرات هناك إلى أن الحرب الأخيرة التي استمرت 38 يوماً ضد إيران قد توقفت دون تحقيق أي تقدم أو مكاسب تُذكر، مقارنةً بحرب الـ 12 يوماً السابقة.
ويُرافع "الموساد" لصالح رؤيته بالقول: إن بقاء نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، حتى مع بقاء بضعة أطنان من اليورانيوم المخصب بنسبة 3%، يعني مجرد تأخير البرنامج النووي لسنوات قليلة، دون إحداث أي تغيير استراتيجي حقيقي. كما يزعم خبراء "الموساد" أن إيران في ظل الجمهورية الإسلامية، إذا ما تحررت من القيود الاقتصادية، ستكون أكثر ثراءً وخطورةً، ومصممةً على محو الكيان الصهيوني؛ ولذا يرى الجهاز أن تغيير النظام وحده هو الكفيل بوقف خطط "إبادة إسرائيل" في طهران.
وبحسب تقرير الصحيفة، فإن "الموساد" يحرض على تدمير محطات الطاقة ومصافي الوقود، ويسعى حرفياً لإغراق إيران في ظلام دامس؛ ظناً منه أن ذلك سيعجّل من وتيرة الاضطرابات والاحتجاجات في الداخل الإيراني.
تحطم أوهام الموساد: إخفاق المخططات الطموحة في الحرب ضد إيران
كشفت منابر إعلامية عبرية، وفي مقدمتها "سنديكالية الأنباء اليهودية" (JNS)، النقاب عن مخططات الموساد الجسورة والمتعذرة التي صيغت في أتون الحرب ضد إيران. فقد أوردت هذه الوسائل الصهيونية أن الموساد كان يعتزم الزج بآلاف المسلحين الأكراد من التخوم الغربية نحو العمق الإيراني، بيد أن هذا المخطط قد مُني بفشل ذريع؛ إذ أعرب الرئيس التركي "أردوغان" في اتصال بنظيره الأمريكي عن سخطه حيال تسليح الأكراد، معتبراً تحركهم داخل إيران تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، مما أدى إلى وأد المخطط في مهده.
أما المخطط الآخر الذي تداعى أمام صمود الواقع، فتمثّل في استهداف البنى التحتية للطاقة والكهرباء في إيران؛ وهو رهانٌ كان الموساد يظن أنه سيشكّل القشة التي تقصم ظهر السلطة وتؤدي لسقوطها. غير أن تحركاً دبلوماسياً من قِبل أمير قطر قد حال دون تنفيذ ذلك، حيث تواصل مع الرئيس الأمريكي معرباً عن مخاوفه من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية، ومطالباً واشنطن بوقف الهجمات التي تستهدف المرافق الحيوية الإيرانية.
وبناءً على هذه المعطيات، تظل استراتيجيات الموساد الرامية للإطاحة بالمنظومة السياسية في إيران بلا منجزٍ ملموس حتى الساعة، بعد أن أخفقت في حشد الدعم اللازم أو نيل التأييد المطلوب في أروقة صنع القرار بواشنطن.
الجذور التاريخية للصراع بين "الجيش" و"الموساد"
ليست هذه المرة الأولى التي يقع فيها "الموساد" وجيش الكيان الصهيوني في أتون التباين واختلاف الرؤى حيال العمليات الميدانية. إذ يذهب جلُّ الخبراء إلى أن الجيش الصهيوني، وتحديداً منذ أعقاب حرب عام 1973، بات ينحو منحىً شديد التحفظ، متهيّباً في طرح مرئياته ومستهدفاته؛ وذلك لكون قادته يجدون أنفسهم على الدوام تحت مجهر النقد الإعلامي المباشر.
وفي المقابل، يبدو "الموساد" -بحكم طبيعة مهامه المرتكزة أساساً خارج المناطق المحتلة ومن خلال عمليات التجسس والتخريب في دول المنطقة- أكثر جسارةً واندفاعاً في مخططاته مقارنةً بجيش الاحتلال.
غير أن هذه الخصومة بين الجيش والموساد تضرب بجذورها في أعماق التربة السياسية الداخلية والتناحر البيني داخل المؤسسات الأمنية في تل أبيب. فغالباً ما يسعى الجيش للحيلولة دون هيمنة الأجهزة الاستخباراتية، كالموساد، على القرارات المصيرية؛ ولذا يبدي القادة العسكريون نوعاً من المقاومة تجاه ما يطرحه الموساد، أو يسارعون لتقديم مخططات بديلة. وعلى المنوال ذاته، ينسج الموساد خيوط مناوراته ضد الجيش؛ فكلما أصرّ الأخير على نهجٍ معين، سارع الموساد بعرض رؤيته الخاصة على مكتب رئاسة الوزراء، ساعياً لإحلال تصوراته محل خطط القادة العسكريين.
في واقع الأمر، ثمة صراعٌ مستعر لا ينطفئ بين الجيش والموساد على مراكز القوة في تل أبيب، حيث يسعى كل طرف لتقويض مساعي الآخر في أروقة صنع القرار. واليوم، يتجلى هذا الخلاف في أبهى صوره حول أهداف الحرب ضد إيران؛ وهو صراعٌ يبدو أنه قد كشف مرةً أخرى عن هوة الخلاف العميقة في تل أبيب، حتى في أعلى هرم السلطة وفي خضم المعركة.
