الوقت - لقد حلَّ الملك تشارلز الثالث ضيفاً على الولايات المتحدة منذ ثلاثة أيام؛ وهي زيارةٌ تأتي في خضمّ تأزمٍ واضح في العلاقات بين واشنطن ولندن، أشعلت فتيلَه التبايناتُ الحادة حول تطورات الحرب ضد إيران، والمشاركة في حلف "الناتو"، فضلاً عن النزاعات التجارية العابرة للمحيط الأطلسي.
وفي قراءةٍ للمشهد، استعرضت وسائل الإعلام والخبراء تقييماتهم لهذه الزيارة؛ حيث أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) -باعتبارها المنبر الإخباري الرسمي للحكومة البريطانية- بأن الدبلوماسيين البريطانيين كانوا واقعيين وعمليين بشأن مكتسبات هذه الزيارة الرسمية حتى قبل وصول الملك تشارلز إلى الأراضي الأمريكية. فقد أدركوا يقيناً أن هذه الزيارة لن تملك العصا السحرية لإعادة ضبط العلاقات البريطانية الأمريكية التي ران عليها البرود.
ووفقاً لتقرير "جيمز لانديل"، المراسل الدبلوماسي لـ (BBC)، فإن الخلافات حول ملفات إيران، والناتو، وأوكرانيا، والتجارة، بالإضافة إلى الهجمات اللفظية التي شنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد "كير ستارمر"، تبدو أعمق بكثير من أن تُرأب بزيارة ملكية. وكان أقصى ما يصبو إليه الدبلوماسيون هو أن يفلح هذا اللقاء، على الأقل، في تلطيف حدة الخطاب المتبادل وتخفيف وطأة التوتر بين لندن وواشنطن.
من جانبه، صرّح "ديفيد مانينغ"، السفير البريطاني الأسبق لدى الولايات المتحدة، قبيل الزيارة، بأن الملك يمثّل "عنصر استقرار وامتصاص للصدمات"، وبمقدوره "توفير مناخ أفضل لمعاودة التواصل مع إدارة ترامب بشأن بعض القضايا الثنائية الشائكة للغاية"، ولعل هذا هو المقصد الجوهري لرحلة الملك.
ومع ذلك، جاءت نبرة العاهل البريطاني في خطابه خلال مأدبة عشاء البيت الأبيض، ومن ثمَّ أمام الكونغرس، حادةً وجريئةً. وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، فقد ذكّر الملك البريطاني الأمريكيين بنعومةٍ وهدوء بأصولهم الجذورية وما الذي يصهرهم كأمة واحدة متحدة.
بل إن الملك ذهب في الكونغرس إلى القول: "إن شراكتنا ولدت من رحم الخلاف، لكن ذلك لم يفتَّ في عضد قوتها. لعلنا نتفق على أننا لا نتفق دائماً". وبهذه الكلمات، سعى ملك بريطانيا إلى وضع الخلافات الدبلوماسية الراهنة في سياق تاريخي أرحب، بيد أنه يبدو أن الخلافات بين لندن وواشنطن لن تجد طريقاً سهلاً للزوال.
لقد وضع ملك بريطانيا إصبعه في أمريكا على الجراح ذاتها التي دأب ترامب على مهاجمتها ورفضها. فبينما لا يُبدي ترامب وداً كبيراً تجاه "الناتو"، أكد الملك أن الحلف لم يكتفِ بدعم أمريكا "كتفاً بكتف" عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بل إنه يعيننا على "مواجهة التحديات العالمية التي تزداد تعقيداً وصراعاً".
أما فيما يخص أوكرانيا، التي يبدو أن ترامب يشيح بوجهه عنها هذه الأيام، فقد شدّد الملك البريطاني على أن "الدفاع عن أوكرانيا وشعبها الأبيّ" يتطلب "عزماً راسخاً وإرادةً لا تلين".
حين استلَّ العاهل البريطاني سيف التاريخ بوجه ترامب
تجلّت إحدى أكثر تلميحات العاهل البريطاني إثارةً للجدل وأبعدها صدىً في تلك المأدبة التي استضافها البيت الأبيض؛ ففي غمرة الاحتفاء، استلّ الملك تشارلز الثالث من جعبة الذاكرة تصريحاً قديماً لترامب كان قد أطلقه في "منتدى دافوس"، حين ادّعى الرئيس الأمريكي آنذاك أنه لولا الدور الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، لكانت أوروبا اليوم تتحدث اللغة الألمانية. وبنبرةٍ لم تخلُ من تهكّمٍ مهذب وابتسامةٍ هادئة، ردّ تشارلز قائلاً: "أجرؤ على القول إنه لولانا، لكنتم تتحدثون الفرنسية الآن."
لم تكن تلك الدعابة التي ضجّت بها القاعة ضحكاً مجرد فكاهة عابرة، بل يرى المحللون فيها إشارةً تاريخيةً حاذقةً تضرب بجذورها في أعماق التنافس الاستعماري المرير بين التاجين البريطاني والفرنسي في أمريكا الشمالية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ وهو الصراع الذي حُسم بانتصار إنجلترا في "حرب السنوات السبع" (1756-1763) وتوِّج بتوقيع "معاهدة باريس".
لقد أفضت تلك التحولات التاريخية إلى بسط السيطرة البريطانية على مساحاتٍ شاسعة من المستعمرات الفرنسية، لتزيح اللغة الإنجليزية نظيرتَها الفرنسية تدريجياً عن عرش السياسة واللسان في تلك المستعمرات، التي غدت فيما بعد النواة الأولى للولايات المتحدة.
ويرى عدد من الخبراء أن زيارة العاهل البريطاني وخطاباته فوق التراب الأمريكي، لم تكن مجرد طقوسٍ بروتوكولية غارقة في الشكلانية، بل كانت محملةً برسائل سياسية تشي بخلافاتٍ دفينة لكنها غائرة بين لندن وواشنطن؛ خلافاتٌ تتخفّى وراء ستار الدبلوماسية الناعمة والدعابات الظاهرية، لكنها في لُبّها ترتبط بملفاتٍ إستراتيجية شائكة كحلف الناتو، وحرب أوكرانيا، وسياسات الطاقة، ومستقبل النظام العالمي الجديد.
رحلةٌ في ظلال "إبستين" القاتمة
لم تكن رحلة تشارلز إلى واشنطن بمنأى عن لغط الرأي العام، إذ خيّم عليها ظلال ملف "جيفري إبستين" المثير للجدل. فقد أوصد القصر الملكي الأبواب أمام مطالباتٍ بلقاء الناجين وعائلات ضحايا ذلك المجرم الجنسي الراحل. ومما زاد المشهد تعقيداً، تلك الصداقة المديدة التي جمعت الأمير "أندرو" -شقيق الملك الأصغر- بإبستين، والاتهامات التي وجهتها "فيرجينيا جيوفري" للأمير باستغلالها في طفولتها، وهي اتهاماتٌ دأب أندرو على إنكارها جملةً وتفصيلاً. وكما كان متوقعاً، آثر تشارلز الصمتَ المطبق حيال هذا الملف الشائك.
ويذهب مراقبون كُثر إلى أن العلاقات البريطانية الأمريکية، رغم وجود الملك في أمريكا، لم تعد تنبض بذاك الدفء التاريخي. وفي تقريرٍ لشبكة "سي بي سي نيوز"، وُصف خطاب تشارلز المفعم بالتلميحات أمام الكونغرس، بأنه جاء في وقتٍ تهاوت فيه "العلاقة الخاصة" إلى أدنى مستوياتها التاريخية؛ وتلك "العلاقة الخاصة" هي المصطلح الذي نحته رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "ونستون تشرشل" غداة الحرب العالمية الثانية لوصف وشائج القربى بين البلدين، أما اليوم، فلا يبدو في الأفق ما يشي بخصوصيةٍ أو تميُّز.
