الوقت - قبل عدة أشهر، كان ترامب قد أعلن لوسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية عن خطته لضمّ غرينلاند، ورغم أنه بدا منذ البداية أن كل تلك الأحاديث قد تكون مجرد لعبة إعلامية، إلا أنه في الوقت الذي كان يتحدث فيه ترامب عن نشر القوات في غرينلاند، طرح العديد من الخبراء فرضيةً، رغم كونها بعيدةً، لكنها منطقية: ماذا سيحدث للناتو إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا على الدنمارك؟
في الواقع، الناتو، الذي يُعتبر آليةً تعود إلى فترة الحرب الباردة، يحمل مبدأً أساسيًا ومهمًا، وهو أن الهجوم على أحدنا يعني الهجوم على الجميع. لذا، في تلك اللحظة المحددة، إذا هاجمت الولايات المتحدة الدنمارك، فإن الناتو، الذي يُعد القوة العسكرية الرئيسية لجبهة الغرب، سيتفكك بسبب هذا التناقض.
حسنًا، لم يحدث ذلك، لكن مثل هذه التخمينات بين الخبراء تنقل رسالةً مهمةً، وهي أن هناك انقسامًا متزايدًا في جبهة الغرب، وقد أظهرت حرب رمضان وقضية مضيق هرمز هذه المسألة بوضوح.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، رأت الولايات المتحدة، كقوة عظمى ناشئة، نفسها حاميةً ومدافعةً عن الديمقراطية الليبرالية في جميع أنحاء العالم، في مواجهة الاتحاد السوفيتي والشيوعية. ولهذا السبب، سعت لعقود من الزمن من خلال برامج عسكرية وأمنية مثل الناتو، وكذلك من خلال خطط اقتصادية مثل خطة مارشال، إلى إعادة بناء وإعادة تسليح حلفائها في جبهة الغرب. وكانت هذه بمثابة رحلة مجانية لمنع نفوذ الشيوعية إلى الغرب.
مع انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلة الشرق، انتهى هذا الاتجاه، ومع مرور الوقت، ومع تراجع القوة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة، ظهرت قوى جديدة مثل الصين، التي لم تعد، مثل السوفيت، مهتمةً بالتصادم المباشر مع الولايات المتحدة، بل ركزت على تطوير بنيتها التحتية والاقتصادية. وفي ظل هذه الظروف، تمكنت التيارات اليمينية في الولايات المتحدة في العقد الأخير من ترسيخ رواية حول السياسة الخارجية الأمريكية داخل البلاد، مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى تحمل التكاليف من أجل أوروبا. كانوا يرون أن الأموال التي تُنفَق اليوم في إطار الناتو لحماية أوروبا، يجب أن تُستثمر في إعادة بناء وتطوير البنية التحتية الداخلية لأمريكا. وباختصار، وجّهوا خطابهم إلى أوروبا قائلين إن الإنفاق المجاني قد انتهی.
يمكن رؤية ذروة هذا الاتجاه في وصول دونالد ترامب إلى السلطة في ولايته الثانية، حيث كان ترامب يؤكد بشدة على أن الدول الأعضاء في الناتو، مثل ألمانيا وإنجلترا، ملزمة بزيادة حصتها من تكاليف الناتو. كما كانت لدى إدارة ترامب خطط جدية لتقليل القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في أوروبا. من جهة أخرى، كانت حرب روسيا وأوكرانيا قد أثارت مخاوف العديد من الأوروبيين، وكأن الولايات المتحدة لا ترغب ولا تستطيع حماية أوروبا.
تعمقت هذه الخلفية المقلقة في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا من خلال التصرفات العدوانية لشخص ترامب. لم يعجب الأوروبيين وضع التعريفات الجمركية الثقيلة ضد حلفائهم الأوروبيين وإجبارهم على الابتعاد عن الصين. من ناحية أخرى، كانوا يرون كيف أن ترامب، من خلال التلاعب بالأسواق المالية، يؤثّر يومياً على الوضع الاقتصادي في أوروبا، وأخيراً، كانت قضية غرينلاند التي تم الإشارة إليها في البداية.
يمكن اعتبار الأوروبيين في هذا السياق مشكوكين وغير مطمئنين بشأن علاقاتهم الخارجية. لقد تقدموا لسنوات في العراق وليبيا وأفغانستان تحت قيادة الأمريكيين، لكنهم في حرب رمضان فضّلوا اتخاذ مسار مختلف. في الأسبوع الأول من حرب رمضان، كانت وسائل الإعلام الغربية تذكر في قائمة ادعاءاتها حول النقاط المستهدفة بالصواريخ الإيرانية، مصالح ومواقع دول إنجلترا وفرنسا وتركيا. وإذا أضفنا القواعد الأمريكية إلى هذه القائمة، فإن ادعاء الدول الغربية هو أن إيران قد هاجمت أربع دول عضو في الناتو.
لو تم الحديث عن هذا الموضوع قبل حرب رمضان، لكان العديد من الخبراء قد وصفوا هذه الخطوة بأنها انتحار كامل من جانب إيران وجبهة المقاومة، لكننا اليوم نرى أن الناتو، في أفضل الأحوال، لم يفعل شيئًا سوى الصمت أمام هذا الحدث. علاوةً على ذلك، فإن العديد من زعماء الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، قد رفضوا بجدية دعوة ترامب للمشاركة في هذه الحرب، ويشعر الأوروبيون بأن مصالحهم المشتركة مع الأمريكيين قد تضاءلت إلى حد كبير.
هنا تبرز عدة مسائل مهمة. أولاً، هناك ملف الحرب الروسية الأوكرانية، الذي لا يزال مفتوحًا على الرغم من وعود ترامب. ربما تحملت أوروبا أكبر قدر من الضغط نتيجةً لهذه الحرب، حيث اضطرت إلى التخلي عن واردات الغاز والنفط من روسيا في حربٍ بدأت بتحريض من الولايات المتحدة نفسها، وقدّمت كميات كبيرة من الأسلحة والمال والمعدات لأوكرانيا، وفي النهاية، لم تؤدِّ كل هذه الجهود إلى هزيمة روسيا، ولا حتى اليوم تستطيع الولايات المتحدة التوصل إلى خطة لوقف إطلاق النار.
يرى الأوروبيون أن ترامب، الذي لم يتمكن من إنهاء تلك الحرب، قد أطلق الآن حربًا أخرى، ويريد أن يجذب الأوروبيين معه إلى هذه الحرب. لكن ما يؤلم أوروبا هو أنه حتى اليوم، عندما يحتاج ترامب والولايات المتحدة إليهم، لا يزال ترامب يهين أوروبا ويعرض مصالحهم للخطر، وأحد الأمثلة البارزة على ذلك هو السماح للهند بشراء النفط الروسي. تُعتبر روسيا تهديدًا قريبًا وواقعيًا للغاية بالنسبة للأوروبيين الغربيين، لكن ترامب، من جهة أخرى، يسهل عودة موسكو إلى القوة من خلال السيطرة على الوضع الذي خلقه هو بنفسه.
والمسألة الأخرى التي تعمّق الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة، هي سلوك أمريكا تجاه الدول العربية. أظهرت حرب رمضان أن سلعة الأمن الأمريكية، التي تم بيعها للعرب مقابل مليارات الدولارات، تشبه أكثر ما تكون عملية احتيال، لأن الکيان الصهيوني هو الذي يستفيد فقط من مظلة الأمن الأمريكية، وهذه القضية تزيد من مخاوف الأوروبيين. فالأمريكيون، الذين تركوا اليوم الإمارات والسعودية من أجل مصالحهم، ما الضمانة التي تضمن عدم تكرار هذا السلوك تجاه لندن وبرلين؟ خاصةً في ظل الظروف التي لم تعد فيها الولايات المتحدة قادرةً على إنهاء الحروب التي خلقتها بنفسها.
لقد أظهرت حرب رمضان هذه الحقيقة بوضوح. ترامب، بكلماته، لا يسعى فقط إلى طمأنة أوروبا للوقوف إلى جانبه، بل ينقل إليهم شعورًا بالارتباك والضياع. ويرى الأوروبيون أن ترامب، رغم أنه يتبنى كل يوم موقف النصر أمام إيران، إلا أنه يتوسل فورًا إلى جميع الدول للمساعدة في الشرق الأوسط. من الواضح أن أوروبا ستتأثر بشكل خطير إذا تم إغلاق مضيق هرمز. وبالتأكيد، هم يأملون أيضًا أن تتمكن الولايات المتحدة من إعادة فتح هذا المضيق.
ليس لدی أوروبا أي نية للوقوف إلى جانب إيران، وإذا اختارت أوروبا اليوم أن تتراجع، فإن السبب في ذلك هو أن ثقتها في الولايات المتحدة وقوتها قد تضررت، وهم قلقون بشدة من الوقوع أكثر في مستنقع عواقب الحرب مع إيران، خاصةً في ظل الظروف التي تتيح لأوروبا خيارات أكثر من الماضي. الخيار هو ألا تعتمد فقط على الولايات المتحدة ووعودها، وأن تتعامل مع القوى الناشئة باستقلالية أكبر لحماية حدودها ومستقبلها.
