الوقت- في تطور أثار نقاشاً اقتصادياً وسياسياً واسعاً، تحوّل الحديث عن احتمال بيع شركة الشحن البحري الإسرائيلية «زيم – خدمات الشحن المتكاملة» إلى أحد أبرز الملفات المطروحة داخل الكيان الإسرائيلي خلال الأسابيع الأخيرة. فالشركة التي تُعد من أقدم وأهم ركائز النقل البحري والتجارة الخارجية تواجه اليوم مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل ملكيتها ودورها الاستراتيجي، وسط مخاوف أمنية وانتقادات داخلية وتحليلات اقتصادية متباينة.
وبحسب تقارير إعلامية متداولة، فإن صفقة محتملة تتعلق بانتقال ملكية «زيم» إلى تحالف استثماري يضم شركة الشحن الألمانية «هاپاگ-لويد» وصندوق الاستثمار الإسرائيلي «FIMI» أثارت موجة من ردود الفعل، خاصة مع الحديث عن نية شطب الشركة من بورصة نيويورك وتغيير هيكلها الإداري والملكي. ورغم عدم صدور تأكيد نهائي رسمي شامل بشأن جميع تفاصيل الصفقة، فإن مجرد طرحها فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الأمن الاقتصادي والاستقلال اللوجستي للكيان الإسرائيلي.
شركة «زيم»: تاريخ استراتيجي يتجاوز الاقتصاد
تأسست «زيم» عام 1945، أي قبل قيام دولة إسرائيل بثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين لعبت دوراً محورياً في ربط الاقتصاد الإسرائيلي بالعالم الخارجي عبر النقل البحري. ومع توسعها على مدى العقود، أصبحت من بين أبرز شركات الشحن البحري بالحاويات على مستوى العالم، إذ تعمل في أكثر من 90 دولة وتغطي معظم خطوط التجارة الدولية الرئيسية.
ولا تقتصر أهمية الشركة على دورها التجاري فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى البعد الاستراتيجي. ففي فترات الأزمات والحروب، حافظت «زيم» على استمرارية حركة الإمدادات إلى الموانئ الإسرائيلية، ما ساعد في ضمان تدفق السلع الأساسية، بما فيها المواد الغذائية والدوائية والمعدات الصناعية. ولهذا السبب، ظلّت الشركة تُعد جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية الحساسة للكيان الإسرائيلي.
صفقة البيع: دوافع اقتصادية أم تحوّل استراتيجي؟
تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن قطاع الشحن البحري العالمي يمرّ بمرحلة تحوّل كبيرة منذ جائحة كورونا، حيث شهد ارتفاعاً حاداً في الأرباح خلال 2020–2022، تلاه تراجع ملحوظ بسبب تباطؤ التجارة العالمية وارتفاع التكاليف التشغيلية. وفي هذا السياق، واجهت «زيم» تقلبات مالية وضغوطاً تنافسية دفعتها إلى دراسة خيارات استراتيجية، من بينها إدخال شركاء جدد أو إعادة هيكلة الملكية.
ويقدّر حجم الصفقة المتداولة بأكثر من 3.5 مليار دولار، وهو رقم يعكس القيمة السوقية للشركة، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول ما إذا كان بيعها خطوة اقتصادية بحتة تهدف إلى تعزيز الكفاءة والاستثمار، أم بداية لتحول أعمق في بنية السيطرة على أحد أهم الأصول اللوجستية للكيان الإسرائيلي.
ردود الفعل الداخلية: مخاوف أمنية واعتراضات عمالية
لم تمرّ أنباء الصفقة دون ردود فعل حادة داخل الكيان الإسرائيلي. فقد أعلنت لجنة عمال «زيم» رفضها لأي نقل للملكية إلى جهة أجنبية، معتبرة أن الشركة تلعب دوراً حيوياً في الأمن القومي وسلاسل الإمداد، خصوصاً في أوقات الطوارئ.
وحذّر ممثلو العمال من أن انتقال السيطرة إلى مستثمرين أجانب قد يضعف التزام الشركة تجاه احتياجات الكيان الإسرائيلي في الأزمات، كما أشاروا إلى احتمال فقدان ما بين 400 و700 موظف إسرائيلي وظائفهم في حال نقل الإدارة أو المقر الرئيسي خارج إسرائيل.
كما دخلت السلطات المحلية على خط الجدل، حيث شدد مسؤولون في مدينة حيفا، التي تُعد مركزاً بحرياً رئيسياً، على أن «زيم» تمثل عنصراً أساسياً في اقتصاد المنطقة، وأن بيعها قد ينعكس سلباً على الأمن الغذائي والدوائي وسلاسل التوريد الحيوية.
السهم الذهبي: ورقة الدولة في مواجهة الصفقة
عند خصخصة «زيم» سابقاً، احتفظت الحكومة الإسرائيلية بما يُعرف بـ«السهم الذهبي»، وهو أداة قانونية تمنح الدولة حق الاعتراض على أي تغيير استراتيجي في ملكية الشركة، خاصة إذا كان يمس الأمن القومي أو المصالح الحيوية.
ومع تصاعد الجدل، أشارت تقارير إلى أن الجهات الحكومية المختصة لم تحسم موقفها بعد، وأنها تدرس إمكانية التدخل أو فرض شروط على الصفقة. ويعكس هذا التردد حساسية القرار، إذ تحاول الحكومة الموازنة بين جذب الاستثمارات الأجنبية والحفاظ على السيطرة على البنية اللوجستية الاستراتيجية.
البعد الإقليمي: اضطرابات البحر الأحمر وتأثيرها على «زيم»
لا يمكن فصل التطورات المتعلقة بـ«زيم» عن السياق الجيوسياسي الأوسع في المنطقة. فمنذ أواخر 2023، تعرضت خطوط الشحن في البحر الأحمر لاضطرابات نتيجة هجمات استهدفت سفناً تجارية، ما دفع شركات شحن عالمية، بما فيها «زيم»، إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر قناة السويس.
وقد أدى هذا التحول إلى زيادة كبيرة في التكاليف التشغيلية ومدة الرحلات، كما زاد من حالة عدم اليقين في قطاع الشحن. ويرى بعض المحللين أن هذه الضغوط ربما دفعت «زيم» إلى التفكير في خيارات استراتيجية مثل بيع جزء من الملكية أو البحث عن شريك دولي قوي، رغم أن هذه العوامل لا تُعد السبب الوحيد.
بين الاقتصاد والسيادة: نقاش يتجاوز الصفقة
تحولت قضية «زيم» إلى نقاش أوسع حول مفهوم السيادة الاقتصادية في الكيان الإسرائيلي. فالمعارضون للصفقة يرون أن فقدان السيطرة على شركة شحن وطنية كبرى قد يضعف قدرة الدولة على إدارة الأزمات وتأمين سلاسل الإمداد، خاصة في ظل بيئة إقليمية متوترة.
في المقابل، يرى مؤيدو الانفتاح الاستثماري أن العولمة الاقتصادية تفرض شراكات دولية، وأن دخول مستثمرين كبار قد يعزز القدرة التنافسية للشركة ويضمن استمراريتها في سوق عالمي شديد المنافسة. ويشير هؤلاء إلى أن كثيراً من الشركات الاستراتيجية حول العالم تعمل ضمن هياكل ملكية دولية دون أن تفقد الدول سيطرتها الفعلية عليها.
التأثيرات الاقتصادية المحتملة
إذا تمّت الصفقة، فقد تحمل مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية:
1. تعزيز الاستثمار والتكنولوجيا: دخول شريك عالمي قد يوفر رأس مال إضافياً وتكنولوجيا حديثة.
2. إعادة الهيكلة: قد تؤدي الصفقة إلى تغييرات إدارية وعمليات دمج أو تقليص.
3. تأثير على العمالة: احتمالات فقدان وظائف أو نقل مراكز تشغيل.
4. تغيير موقع القرار: احتمال انتقال جزء من صنع القرار خارج الكيان الإسرائيلي.
لكن في المقابل، قد يؤدي فشل الصفقة إلى استمرار الضغوط المالية والتنافسية على الشركة، خاصة في ظل تذبذب سوق الشحن العالمي.
سيناريوهات المستقبل
أمام «زيم» عدة مسارات محتملة:
إتمام الصفقة مع شروط حكومية: مثل الحفاظ على مراكز تشغيل داخل إسرائيل أو ضمان تلبية احتياجات الطوارئ.
تعطيل الصفقة عبر السهم الذهبي: إذا اعتبرت الحكومة أن المخاطر الأمنية مرتفعة.
إعادة التفاوض: لتعديل هيكل الصفقة أو تقليل حصة المستثمرين الأجانب.
البحث عن بدائل: مثل شراكات جزئية أو إعادة هيكلة داخلية.
وكل سيناريو يحمل تداعيات اقتصادية وسياسية مختلفة، ما يجعل القرار النهائي بالغ الحساسية.
صفقة اقتصادية أم اختبار استراتيجي؟
قضية «زيم» لم تعد مجرد صفقة بيع شركة شحن، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للتوازن بين الاقتصاد والأمن والسيادة في الكيان الإسرائيلي. فهي تمسّ أحد أعمدة التجارة الخارجية والبنية اللوجستية، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة الدولة على الحفاظ على استقلالها الاقتصادي في عالم مترابط.
وبين مخاوف العمال وتحفظات المسؤولين وتحليلات الخبراء، يبقى مستقبل «زيم» مفتوحاً على احتمالات متعددة، في وقت يراقب فيه الداخل والخارج ما إذا كانت الاعتبارات الاقتصادية ستتغلب على الهواجس الاستراتيجية، أم أن حسابات الأمن القومي ستفرض كلمتها في نهاية المطاف.
