الوقت- أثارت نتائج تحقيق إعلامي بثّته شبكة الجزيرة موجة واسعة من الجدل والاهتمام، بعدما تناول مزاعم تتعلق بطبيعة الأسلحة المستخدمة في الهجمات على قطاع غزة، وتأثيرها المدمّر على الضحايا، في ظل استمرار الحرب وما يرافقها من تداعيات إنسانية خطيرة.
التحقيق أشار إلى روايات وشهادات ميدانية تفيد باختفاء أو “تبخر” أجساد عدد كبير من الضحايا نتيجة حرارة وضغط شديدين، وهو ما فتح باباً واسعاً للتساؤلات الفنية والقانونية والإنسانية حول ما يجري في القطاع.
مزاعم حول اختفاء جثامين الضحايا
حسب ما ورد في التحقيق، فإن بيانات صادرة عن جهاز الدفاع المدني في غزة، إلى جانب شهادات مسعفين وسكان محليين، تشير إلى حالات متعددة لم يُعثر فيها على جثامين جميع الضحايا رغم التأكد من وجودهم في أماكن القصف، ووفق هذه الروايات، فإن عدد الحالات التي اختفت فيها الجثامين كلياً أو جزئياً يتجاوز 2800 حالة، حيث لم يُعثر سوى على آثار دماء أو بقايا بشرية محدودة في مواقع الاستهداف.
هذه الشهادات، إن صحت، تعكس حجم الدمار الهائل الذي خلفته الهجمات، وتثير تساؤلات حول نوعية الذخائر المستخدمة ومدى توافقها مع القوانين الدولية المنظمة للحروب.
شهادات إنسانية مؤلمة
تضمّن التحقيق روايات إنسانية مؤثرة لعائلات فقدت أبناءها دون أن تتمكن من العثور على جثامينهم، ومن بين تلك الشهادات، تحدث رفيق بدران عن فقدان أربعة من أبنائه خلال قصف عنيف أدى إلى تدمير عشرات المنازل، مشيراً إلى أنه لم يجد سوى ما وصفه بـ “رمال سوداء” وبقايا متناثرة في موقع الانفجار.
كما روت ياسمين، وهي والدة أحد الضحايا، تفاصيل بحثها الطويل عن جثمان ابنها بين المستشفيات والمشارح والمساجد بعد قصف مدرسة في حي الدرج، قبل أن تبلغ بأن جثمانه اختفى دون أثر، مثل هذه الشهادات تعكس المعاناة النفسية العميقة التي يعيشها المدنيون في ظل الحرب، وتسلط الضوء على الأبعاد الإنسانية للمأساة.
تفسير تقني محتمل
التحقيق أشار إلى آراء خبراء تحدثوا عن احتمال استخدام أسلحة تولّد درجات حرارة وضغطاً شديدين، مثل الذخائر الحرارية أو ما يعرف بالأسلحة الترْموبارية، هذه الأسلحة تعتمد على إطلاق موجة انفجار عالية الحرارة تستهلك الأكسجين في محيط الانفجار وتولد ضغطاً هائلاً، ما يؤدي إلى تدمير شديد داخل الأماكن المغلقة.
ويقول بعض الخبراء إن درجات الحرارة الناتجة عن هذه الذخائر قد تكون كافية لإحداث احتراق واسع النطاق في الأنسجة البشرية، إلا أن مسألة “تبخر الجثامين بالكامل” تبقى موضع جدل علمي، إذ يرى متخصصون آخرون أن الاختفاء الكامل للأجساد نادر جداً ويعتمد على عوامل عديدة، منها شدة الانفجار وطبيعة المكان ومدة التعرض للحرارة.
أنواع الذخائر المذكورة في التحقيق
تطرق التقرير إلى عدة أنواع من القنابل والذخائر التي يُعتقد أنها استُخدمت في الهجمات، من بينها قنابل ثقيلة شديدة الانفجار وقنابل مخصصة لاختراق التحصينات، إضافة إلى ذخائر موجهة بدقة تُستخدم عادة في العمليات العسكرية ضد أهداف محددة.
بعض هذه الذخائر معروف بقدرته على إحداث موجات انفجار وحرارة عالية، وخصوصاً في المناطق المغلقة أو المأهولة، ما قد يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة حتى في حال عدم تدمير المباني بالكامل، ومع ذلك، فإن استخدام أي سلاح في النزاعات المسلحة يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين ويمنع استخدام الأسلحة العشوائية أو غير المتناسبة.
البعد القانوني والإنساني
القانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقيات جنيف، ينص على ضرورة حماية المدنيين في أوقات النزاع، ويمنع استخدام الأسلحة التي تسبب معاناة مفرطة أو أضراراً غير مبررة، وفي حال ثبت استخدام أسلحة محظورة أو غير متناسبة، فإن ذلك قد يشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
حتى الآن، لا يوجد تأكيد مستقل وموثق على صحة جميع المزاعم الواردة في التحقيق، إذ تتطلب مثل هذه الادعاءات تحقيقات دولية محايدة تشمل فحوصاً ميدانية وتحليلات علمية للأدلة، ومع ذلك، فإن تكرار الروايات حول اختفاء الضحايا أو عدم العثور على جثامين كاملة يعزز المطالب بفتح تحقيقات شفافة.
ردود فعل وتحليلات
أثارت هذه المزاعم ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية والإعلامية، فبينما يرى البعض أن ما ورد في التحقيق يعكس واقعاً إنسانياً مأساوياً يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً، يشدد آخرون على ضرورة التحقق الدقيق من المعلومات وعدم القفز إلى استنتاجات قبل استكمال الأدلة.
خبراء في الشؤون العسكرية يشيرون إلى أن بعض الأسلحة الحديثة، رغم عدم حظرها بشكل مطلق، يمكن أن تسبب آثاراً مدمرة للغاية إذا استُخدمت في مناطق مكتظة بالسكان، وفي المقابل، يرى مختصون في الطب الشرعي أن اختفاء الجثامين قد يكون أحياناً نتيجة عوامل أخرى مثل الانفجارات الشديدة التي تمزق الأجساد أو تدفنها تحت الأنقاض، وليس بالضرورة نتيجة “تبخر” كامل.
مقارنات تاريخية
أشار التحقيق إلى أن مشاهد مشابهة سُجلت في نزاعات سابقة، بما في ذلك معارك شهدت استخدام ذخائر شديدة الانفجار أو حرارية، هذه المقارنات تهدف إلى إظهار أن تأثيرات بعض الأسلحة يمكن أن تكون مدمرة للغاية، لكنها في الوقت نفسه لا تشكل دليلاً قاطعاً على تكرار السيناريو نفسه في كل نزاع، نظراً لاختلاف الظروف العسكرية والبيئية.
أزمة إنسانية متفاقمة
بعيداً عن الجدل التقني، يعكس هذا الملف مأساة إنسانية عميقة يعيشها سكان غزة، حيث يعاني المدنيون من القصف المستمر، ونقص الخدمات الطبية، وصعوبة انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، كثير من العائلات لا تزال تبحث عن مفقوديها، فيما تتزايد الضغوط على المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع.
المنظمات الدولية تؤكد أن أي حرب في مناطق مأهولة بالسكان تؤدي إلى آثار كارثية على المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء، وتدعو إلى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وضمان وصول المساعدات الطبية والإنسانية دون عوائق.
الحاجة إلى تحقيق مستقل
في ظل تضارب الروايات، تبرز الحاجة إلى تحقيقات دولية مستقلة تعتمد على الأدلة العلمية والتقنية، بما في ذلك تحليل بقايا الذخائر وفحوص الطب الشرعي، مثل هذه التحقيقات قد تسهم في توضيح حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات أي انتهاكات محتملة من المساءلة.
يبقى ما ورد في التحقيق الإعلامي محل نقاش واسع بين الخبراء والمراقبين، بين من يرى فيه دليلاً على استخدام أسلحة ذات تأثير مدمر للغاية، ومن يطالب بالتثبت العلمي الدقيق قبل إصدار الأحكام، لكن المؤكد أن الحرب في غزة خلّفت مأساة إنسانية كبيرة، وأن معاناة المدنيين، سواء عُثر على جثامينهم أم لا، تظل الحقيقة الأكثر إيلاماً.
في ظل استمرار الصراع، تتزايد الدعوات الدولية لوقف التصعيد، وحماية المدنيين، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني، فيما تبقى الأسئلة حول طبيعة الأسلحة المستخدمة ومصير آلاف الضحايا مفتوحة بانتظار تحقيقات موثوقة وشاملة تكشف الحقيقة كاملة.
