الوقت- لم تعد سجون الاحتلال الإسرائيلي مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت إلى فضاءات مغلقة تمارس فيها أشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية والمواثيق الإنسانية، وفي ظل الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، تتكشّف أوضاع الأسرى الفلسطينيين بوصفها أحد أكثر وجوه هذه الحرب قسوة، حيث يُترك آلاف المعتقلين لمصير بطيء من الجوع، والمرض، والإهانة، والعزل، حتى بات كثير منهم يفقدون عشرات الكيلوغرامات من أوزانهم، ويتحولون إلى ما يشبه “هياكل عظمية متحركة”.
هذا الوصف لم يأتِ من تقارير حقوقية فحسب، بل من شهادة حيّة كتبها الأسير والكاتب الفلسطيني حسن سلامة، الذي لخّص تجربته القاسية في كتابه الشهير «5000 يوم في عالم البرزخ»، قبل أن يعود اليوم ليعيش فصولاً أشدّ ظلمة داخل زنازين الاحتلال، حيث يتعرض لتعذيب ممنهج، ويقبع في سجن انفرادي إلى جانب ثمانية أسرى آخرين، في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها جريمة مستمرة بحق الإنسانية.
سوء التغذية: سلاح قتل بطيء
أحد أخطر أشكال التعذيب التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون اليوم هو سوء التغذية المتعمّد، فحسب شهادات متقاطعة من أسرى محررين ومؤسسات حقوقية، قلّصت إدارة سجون الاحتلال كميات الطعام إلى حدّ لا يسدّ الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للإنسان، الوجبات شحيحة، رديئة النوعية، وتفتقر إلى البروتينات والخضروات والفيتامينات الأساسية.
النتيجة كارثية: أسرى يفقدون بين 15 و30 كيلوغراماً خلال أشهر قليلة، عضلاتهم تذوب، وجلودهم تلتصق بعظامهم، وملامحهم تتغير بشكل صادم، كثيرون يعانون من دوار دائم، إغماءات متكررة، ضعف حاد في المناعة، وتساقط الشعر، بينما تُسجَّل حالات فقر دم حاد ونقص حاد في الكالسيوم والفيتامينات، دون أي تدخل طبي حقيقي.
هذا التجويع لا يمكن اعتباره إهمالاً أو نقصاً عرضياً، بل سياسة عقابية جماعية تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحويل أجسادهم إلى ساحات استنزاف دائم.
“هياكل عظمية تتحرك”: شهادة حسن سلامة
في توصيف مؤلم، شبّه حسن سلامة حال الأسرى الفلسطينيين اليوم بأنهم “هياكل عظمية تمشي على قدمين”، هذا التعبير لا يحمل مبالغة أدبية، بل يعكس واقعاً جسدياً ونفسياً يعيشه الأسرى يومياً، سلامة، الذي أمضى آلاف الأيام في سجون الاحتلال، يعرف جيداً معنى العزل والقهر، لكنه يؤكد أن المرحلة الحالية هي الأسوأ على الإطلاق.
يقبع سلامة اليوم في سجن انفرادي إلى جانب ثمانية أسرى آخرين، في ظروف قاسية: زنازين ضيقة، انعدام التهوية، حرمان من الشمس، ومنع شبه كامل من الزيارات، إضافة إلى التفتيشات المهينة والاقتحامات الليلية المتكررة، هذا العزل لا يُستخدم كإجراء أمني، بل كوسيلة تعذيب نفسي تهدف إلى تفكيك الإنسان من الداخل.
التعذيب الجسدي في سجون الاحتلال: أدوات العنف الممنهج
إلى جانب التجويع، لا يزال التعذيب الجسدي يمارس على نطاق واسع داخل سجون الاحتلال، وتشمل أساليبه:
الضرب المبرح خلال التحقيق أو أثناء الاقتحامات المفاجئة للأقسام.
التكبيل المؤلم لساعات طويلة، أحياناً في أوضاع مجهدة تسبب آلاماً مزمنة.
الشبح، أي إجبار الأسير على الوقوف أو الجلوس في وضعيات قسرية لفترات طويلة.
الحرمان من النوم عبر الإضاءة المستمرة أو الضجيج المتعمّد.
استخدام الكلاب في عمليات التفتيش والترهيب.
هذه الممارسات موثقة منذ سنوات، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة، في ظل مناخ سياسي وإعلامي إسرائيلي يشرعن العنف ضد الفلسطينيين، ويصوّر الأسرى بوصفهم “أعداء بلا حقوق”.
التعذيب النفسي: كسر الروح قبل الجسد
ربما يكون التعذيب النفسي أكثر فتكاً من الجسدي. فالأسرى يُتركون في حالة دائمة من القلق والترقّب: تهديدات مستمرة، شتائم، إهانات، ومنع من التواصل مع العائلة. كما تُستخدم سياسة العقاب الجماعي، حيث يُعاقَب القسم بأكمله بسبب فرد واحد، فيُحرم الجميع من الزيارة أو “الفورة” أو المقتنيات الأساسية.
العزل الانفرادي، كما في حالة حسن سلامة ورفاقه، يُعدّ من أخطر أشكال التعذيب النفسي وفق تصنيف الأمم المتحدة، لأنه يؤدي إلى الاكتئاب الحاد، الهلوسة، فقدان الإحساس بالزمن، وقد يصل في بعض الحالات إلى الانهيار الكامل.
الإهمال الطبي: موت بطيء تحت الإشراف
الإهمال الطبي داخل سجون الاحتلال يشكل وجهاً آخر من وجوه الانتهاك، فالأسرى المرضى يُحرمون من العلاج المناسب، وتُؤجَّل الفحوصات، وتُعطى المسكنات بديلاً عن العلاج الحقيقي، حالات السرطان، وأمراض القلب، والسكري، وحتى الإصابات الخطيرة، تُترك دون متابعة جدية.
وفي ظل سوء التغذية، تتفاقم الحالات الصحية بسرعة، بينما تتعامل إدارة السجون مع المرض كأداة ضغط إضافية، لا كمسؤولية إنسانية.
انتهاكات قانونية صارخة
كل ما يجري داخل سجون الاحتلال يشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تضمن حقوق الأسرى والمعتقلين، التعذيب، التجويع، العزل الطويل، والإهمال الطبي، كلها ممارسات مصنّفة كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ورغم ذلك، يواصل الاحتلال سياسة الإفلات من العقاب، في ظل صمت دولي مخزٍ، وعجز المؤسسات الدولية عن فرض أي مساءلة حقيقية.
الأسرى في قلب المعركة المفتوحة
لم يعد الأسرى الفلسطينيون قضية جانبية، بل باتوا في قلب المعركة على الوجود والكرامة، ما يجري داخل السجون هو امتداد مباشر لما يحدث خارجها: منطق القوة، نزع الإنسانية عن الفلسطيني، واستخدام كل الأدوات الممكنة لإخضاعه.
وحين يتحول كاتب مثل حسن سلامة، الذي وثّق معاناة الأسرى بالكلمة، إلى ضحية جديدة للتعذيب والعزل، فإن الرسالة واضحة: الاحتلال لا يحارب السلاح فقط، بل يحارب الذاكرة، والرواية، والإنسان ذاته.
جريمة مستمرة أمام أعين العالم
إن أوضاع الأسرى الفلسطينيين اليوم تمثل إبادة صامتة تُرتكب خلف الجدران العالية، بعيداً عن عدسات الكاميرات، لكنها لا تقل وحشية عما يجري في ساحات القصف، هياكل عظمية تمشي، أجساد منهكة، وأرواح تُستنزف ببطء، بينما يواصل العالم صمته.
إن كسر هذا الصمت لم يعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل واجباً إنسانياً عاجلاً، فالتاريخ لا يرحم، ومن يعتاد رؤية الإنسان يُسحق دون أن يتحرك، يصبح شريكاً في الجريمة، حتى وإن لم يحمل سوط السجّان.