الوقت- بينما تحاول الولايات المتحدة خلق عقبات في العلاقات الإيرانية العراقية وتقليل مستوى التفاعلات السياسية والاقتصادية بين البلدين الجارين، يحاول المسؤولون في طهران وبغداد رفع مستوی التعاون الثنائي من خلال اجتماعات مستمرة.
وفي هذا السياق، سافر وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى طهران للقاء كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية ومناقشة المواضيع ذات الاهتمام المشترك، وسط تصاعد التوترات في غرب آسيا ومتابعة الاتفاقيات السابقة. وقد استقبل وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي نظيره العراقي فؤاد حسين في طهران يوم الأحد.
خلال زيارته التي تستغرق يوماً واحداً إلى إيران، سيلتقي فؤاد حسين بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية السيد عباس عراقجي، ورئيس مجلس الشورى الإيراني السيد محمد باقر قاليباف، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين ومستشار الأمن القومي.
وأوضح مصدر عراقي في مقابلة مع صحيفة "العربي الجديد"، أن الغرض من هذه الرحلة هو إجراء محادثات حول العلاقات الثنائية بين بغداد وطهران في إطار المشاورات الدورية بين البلدين الجارين، وحول القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.
وقال إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عن أهداف هذه الزيارة: "خلال زيارة وزير الخارجية العراقي إلى طهران، سيتم تبادل وجهات النظر حول العلاقات الثنائية بين إيران والعراق، فضلاً عن التطورات الإقليمية والدولية". وبعد اجتماعهما الثنائي، حضر عراقجي وفؤاد حسين مؤتمراً صحفياً مع الصحفيين، وقدّما تفاصيل مناقشاتهما.
تطوير العلاقات الثنائية
لطالما كانت العلاقات الثنائية الجزء الأهم من زيارات المسؤولين العراقيين إلى طهران، وهذه المرة، يُعد تعزيز العلاقات في جميع المجالات على جدول أعمال زيارة فؤاد حسين.
وفي مؤتمر صحفي مع نظيره العراقي، أشار عراقجي إلى التعاون الاقتصادي بين البلدين وضرورة زيادة مستوى هذا التعاون، وقال: "إن العلاقات التجارية بين البلدين حالياً في مستوى جيد، ولكن هناك إمكانات كبيرة لتوسيع هذه العلاقات". وفي إشارة إلى القدرات الحالية بين البلدين لتوسيع العلاقات في مختلف المجالات، صرّح عراقجي قائلاً: "نحن نعمل معاً للتوصل إلى اتفاق استراتيجي شامل بين البلدين، وكما ذكرت، هناك قدرة جيدة لدى البلدين".
لقد سعت إيران والعراق في السنوات الأخيرة إلى تحسين علاقاتهما الاقتصادية، متجاهلتين الضغوط الأمريكية. ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حالياً أكثر من 10 مليارات دولار، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 30 مليار دولار مع إنجاز مشاريع السكك الحديدية. ولذلك، فإن الزيارات المتكررة التي يقوم بها المسؤولون العراقيون إلى طهران والعكس، ستكون فعالةً في توطيد هذه العلاقات الودية ومواصلتها.
وتجدر الإشارة إلى أن جزءًا كبيرًا من احتياجات العراق من الكهرباء والغاز يتم توفيره من إيران، وبما أن العراقيين في حاجة ماسة إلى موارد الطاقة هذه، فإذا أزالت الولايات المتحدة العقبات، فسيكونون قادرين على شراء المزيد من الكهرباء والغاز من خلال إيران، وهذا سيساعد بشكل كبير في تطوير علاقات الطاقة بين البلدين الجارين.
من ناحية أخرى، يمكن أن يكون العراق، كدولة تقع في غرب آسيا، أحد أسواق التصدير غير النفطية لإيران، وإذا تم افتتاح خط سكة حديد شلامجه-البصرة، فسيتم تنفيذ عملية نقل البضائع بسهولة، في أقصر وقت ممكن، وبتكلفة أقل، ويحاول كلا البلدين إكمال هذا المشروع في أسرع وقت ممكن.
منع تصعيد التوترات في المنطقة
جاءت زيارة فؤاد حسين في وقتٍ تصاعدت فيه التوترات بين إيران والولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وقد أثارت هذه القضية مخاوف لدى دول أخرى في المنطقة.
وفي إشارة إلى الدور الإقليمي المتزايد للعراق، قال عراقجي: "لقد ناقشنا أيضاً قضايا إقليمية في هذا الاجتماع. وأظهر أصدقاؤنا العراقيون أنهم قادرون على لعب دور إيجابي في تقريب مواقف ووجهات نظر دول المنطقة، ونحن على استعداد للتعاون مع العراق في هذا الصدد. وفي هذا الاجتماع، ناقشنا أيضًا المقترحات التي يمكن وضعها بين إيران والعراق لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة، واتفقنا على الحفاظ على الأمن الإقليمي".
وقال وزير الخارجية العراقي في هذا الصدد: "قبل هذه الرحلة، أجريت مناقشات وتبادلت وجهات النظر مع العديد من وزراء خارجية دول المنطقة حول التطورات الأخيرة في المنطقة، وأكد مسؤولون من مختلف الدول على أن التشاور وتبادل الآراء أمران مهمان في مثل هذه الظروف، وأن أمن دول المنطقة مترابط".
بحسب بعض الخبراء، يسعى العراق، الذي تربطه علاقات ودية مع إيران ويحاول الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة بالشكل الحالي، إلى منع تصعيد التوترات بين طهران وواشنطن. ذلك أن العراق يلعب دوراً محورياً في المنطقة ويشترك في حدود مع إيران، وإذا نشب صراع بين الولايات المتحدة وإيران، فسوف ينجرّ العراق حتماً إلى الصراع بسبب وجود جماعات المقاومة واستضافة القوات الأمريكية.
لذلك، يحاول فؤاد حسين خلال هذه الرحلة طمأنة الجانب الإيراني بأن العراق لن يسمح بخلق تهديد لسلامة أراضي إيران انطلاقاً من أراضيه. حيث تأتي هذه الرحلة في وقتٍ انسحبت فيه القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد الجوية في غرب العراق، وسلمتها بالكامل للجيش العراقي.
کذلك، صرح عراقجي بأن "هناك تقاسماً متبادلاً للمصالح والتحديات الأمنية بين البلدين"، وفي جزء من تصريحاته، أشار إلى إخلاء الأمريكيين لقاعدة عين الأسد وتسليمها إلى الحكومة العراقية، وقال: "هذه علامة على تعزيز الاستقرار والسيادة السياسية في العراق، ونحن نريد عراقاً مستقراً ومستقلاً يتمتع بسيادة سياسية قوية، والعراق يمتلك كل القدرات اللازمة لتحقيق هذا الوضع."
على الرغم من انسحاب الأمريكيين من عين الأسد، فإن هذا لا يعني انسحاباً كاملاً من العراق، بل يعني فقط نقل القوات إلى قواعد في إقليم كردستان. ومع ذلك، يمكن اعتبار الانسحاب من قاعدة عين الأسد في هذا الوقت فألاً حسناً، لأنه كان نتيجة سنوات من الضغط من جماعات المقاومة، وربما في المستقبل، سيتم جلاء الأمريكيين نهائياً من الأراضي العراقية.
المساعي المبذولة لتنفيذ الاتفاقية الأمنية
من بين القضايا التي اكتسبت أهميةً کبيرةً في السنوات الأخيرة في العلاقات بين إيران والعراق، تبرز الشؤون الأمنية. فإلی جانب التهديدات الأمريكية، كان تواجد الجماعات الانفصالية في إقليم كردستان العراق دائمًا أحد مخاوف الجمهورية الإسلامية الإيرانية الأمنية، حيث حاولت هذه الجماعات استغلال اضطرابات العقد الماضي في أراضي إيران، لمحاولة زعزعة أمن البلاد وتحقيق أهدافها.
ولهذا السبب، وقعت إيران والعراق منذ ثلاث سنوات اتفاقًا أمنيًا، وفقًا لشروطه تعهدت الحكومة العراقية بطرد هذه العناصر الانفصالية من الحدود الإيرانية وضمان أمن الحدود بين البلدين، وهو الأمر الذي تم مناقشته في لقاءات المسؤولين في البلدين.
وبالنظر إلی أعمال الشغب الأخيرة في بعض المدن الإيرانية، وتزويد عناصر إرهابية يُقال إنها قدمت من الأراضي العراقية إلى إيران، فيمكن اعتبار زيارة فؤاد الحسين ضمن سياق تعزيز التعاون بين البلدين في مجال تأمين الحدود بهدف مواجهة العناصر الانفصالية.
وقال وزير الخارجية الإيراني في هذا الصدد: "قدّمت شرحًا حول التطورات الأخيرة في إيران إلى وزير الخارجية العراقي، وهنا من الضروري أن أشكر مرةً أخرى موقف الحكومة والشعب العراقي في دعمهم وتعاطفهم مع الشعب الإيراني، ونحن سعداء بأن العلاقات بين البلدين تسير في اتجاه جيد جدًا".
بما أن التيارات السياسية في العراق سيتعين عليها في الأيام القادمة انتخاب رئيس للجمهورية، فإن زيارة فؤاد حسين إلى طهران ترتبط أيضًا بالسياسة الداخلية للعراق. فـ حسين هو أحد الخيارات الرئيسية لرئاسة الجمهورية في العراق، وسيُقدّم إلى البرلمان من قبل حزب الاتحاد الوطني، وهو يمتلك فرصةً حقيقيةً للوصول إلى منصب الرئاسة.
وقال فؤاد حسين في هذا الصدد: "في لقائي اليوم مع السيد عراقجي، شرحت الوضع في العراق بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة". وأضاف: "نحن نسعى لتشكيل الحكومة الجديدة في العراق في أقرب وقت ممكن".
