الوقت- عندما تصف منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) قطاع غزة بأنه أخطر مكان في العالم على حياة الأطفال، فإن هذا الوصف لا يُعد مجرد تحذير إنساني عابر، بل يمثل شهادة دولية خطيرة على واقع كارثي غير مسبوق في التاريخ الحديث، فهذا التصريح الصادر عن جهة أممية متخصصة بحماية الأطفال يعني، بلغة القانون والسياسة، أن الطفولة في غزة لم تعد مهددة فحسب، بل مستهدفة بشكل مباشر ومنهجي.
في غزة، لا يواجه الأطفال خطر القصف وحده، بل يعيشون تحت حصار خانق يمنع عنهم الغذاء والدواء والمأوى، ويحوّل أبسط مقومات الحياة إلى أدوات قتل بطيء، ومع منع كيان الاحتلال الإسرائيلي إدخال المساعدات الإنسانية والغذائية والطبية، يصبح البرد القارس عاملًا إضافيًا في معادلة الموت، لا نتيجة طبيعية لفصل الشتاء، بل نتيجة سياسة مدروسة تهدف إلى كسر إرادة المجتمع عبر استهداف أضعف حلقاته: الأطفال.
وحين يصل الأمر بمنظمة أممية معنية بحقوق الطفل إلى هذا التوصيف، فإننا لا نكون أمام أزمة إنسانية عادية، بل أمام واقع يرقى بوضوح إلى جريمة إبادة جماعية بحق الأطفال، تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم، وفي ظل صمت دولي يرقى هو الآخر إلى مستوى التواطؤ.
البرد في غزة… سلاح آخر في حرب الإبادة
في أي مكان آخر من العالم، يُنظر إلى البرد كظرف موسمي يمكن التكيّف معه، أما في غزة، فقد تحوّل البرد إلى أداة قتل غير مباشرة، آلاف الأطفال يعيشون في خيام مهترئة لا تقي من الرياح ولا من الأمطار، أو بين أنقاض منازل دمّرها الاحتلال، لا تدفئة، لا كهرباء، ولا وقود، فيما ينام الأطفال على الأرض الباردة بأجساد هزيلة أنهكها الجوع والخوف.
الرضّع وحديثو الولادة هم الأكثر عرضة للخطر، انخفاض درجات حرارة أجسادهم، ونقص الحليب، وسوء التغذية، تؤدي إلى وفيات يمكن منعها بسهولة لو توفرت أدنى شروط الرعاية الصحية، لكن الاحتلال، عبر سيطرته على المعابر ومنعه دخول المستلزمات الطبية، يجعل من هذه الوفيات نتيجة متوقعة ومقصودة.
منع المساعدات، جريمة متعمدة لا خطأ عارض
لم يعد منع إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة إجراءً استثنائيًا أو مرتبطًا بظروف أمنية كما يدّعي الاحتلال، بل سياسة ثابتة تُستخدم كسلاح جماعي ضد السكان، الغذاء يُمنع، الأدوية تُحتجز، اللقاحات لا تصل، والمستشفيات تُترك بلا معدات ولا وقود.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر. سوء التغذية الحاد أصبح حالة عامة، لا استثناء، أمراض بسيطة تتحول إلى قاتلة، ليس لعدم وجود علاج في العالم، بل لأن الاحتلال يمنع وصوله، وهنا لا يمكن الحديث عن “أضرار جانبية”، بل عن سياسة عقاب جماعي ممنهجة تستهدف تفريغ غزة من مقومات الحياة.
تصريح اليونيسيف… إدانة أخلاقية وقانونية
تصريح اليونيسيف بأن غزة أخطر مكان في العالم للأطفال يحمل في طياته إدانة مزدوجة:
إدانة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي بوصفه الجهة المسؤولة عن خلق هذا الواقع،
وإدانة غير مباشرة للمجتمع الدولي الذي سمح باستمراره.
فعندما تعجز المنظمات الأممية عن حماية الأطفال، وعندما يُقتل الأطفال أمام أعين العالم دون رادع، فإن ذلك يعني أن المنظومة الدولية القائمة على حماية المدنيين قد فشلت فشلًا ذريعًا، أو قررت أن تتخلى عن دورها عندما يكون الضحايا فلسطينيين.
الإبادة الجماعية… تعريف قانوني ينطبق على غزة
وفق القانون الدولي، لا تقتصر جريمة الإبادة الجماعية على القتل المباشر، بل تشمل فرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدمير جماعة بشرية جزئيًا أو كليًا، ما يجري في غزة ينطبق على هذا التعريف بشكل صارخ.
تجويع الأطفال، تعريضهم للبرد، منع الدواء، تدمير المستشفيات، وحرمانهم من المأوى، كلها أفعال تشكل معًا جريمة إبادة جماعية، حتى وإن لم تُرتكب بسلاح ناري مباشر، إنها إبادة بوسائل “ناعمة” ظاهريًا، لكنها أكثر فتكًا واستدامة.
التناقض الفاضح للدول التي تتاجر بحقوق الإنسان
الأكثر فجاجة في هذه المأساة هو التناقض الصارخ لدى الدول التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، هذه الدول نفسها التي لا تتردد في التدخل العسكري والسياسي في دول أخرى بذريعة “حماية المدنيين” أو “الدفاع عن حقوق الأطفال”، تقف اليوم صامتة، أو داعمة، أو مبررة لجرائم الاحتلال في غزة.
بعض هذه الدول شنّ حروبًا مدمرة، وفرض عقوبات خانقة، وأسقط أنظمة، بحجة انتهاكات أقل بكثير مما يحدث اليوم في غزة، لكنها حين يتعلق الأمر بأطفال فلسطينيين يُقتلون بردًا وجوعًا، تختفي لغة حقوق الإنسان، وتُستبدل بخطاب سياسي بارد يبرر الجريمة أو يتجاهلها.
هذا التناقض لا يعكس ازدواجية معايير فحسب، بل يكشف أن “حقوق الإنسان” لدى هذه الدول ليست قيمة عالمية، بل أداة سياسية تُستخدم حيث تخدم المصالح، وتُدفن حيث تعارضها.
الصمت الدولي… شراكة في الجريمة
الصمت أمام جريمة بهذا الحجم ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة، فالدول التي تواصل تزويد الاحتلال بالسلاح، أو تمنحه الغطاء السياسي في المحافل الدولية، أو ترفض وقف الحرب، تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن مصير أطفال غزة.
وحين تُقتل الطفولة تحت الأنقاض وفي الخيام، يصبح هذا الصمت شاهد زور على سقوط النظام الأخلاقي العالمي.
أطفال غزة… مرآة انهيار العالم
أطفال غزة اليوم ليسوا مجرد ضحايا حرب، بل مرآة تعكس انهيار القيم التي طالما تباهى بها العالم الحديث، وجوههم الشاحبة، أجسادهم النحيلة، وعيونهم التي فقدت البراءة مبكرًا، تشكل لائحة اتهام مفتوحة ضد الاحتلال، وضد كل من دعمه أو صمت عنه.
جريمة لا تمحوها البيانات
إن ما يتعرض له أطفال غزة في ظل البرد القارس والحصار ومنع المساعدات ليس مأساة عابرة، بل جريمة تاريخية ستبقى وصمة عار في سجل الإنسانية، جريمة يتحمل الاحتلال الإسرائيلي مسؤوليتها المباشرة، وتتحمل الدول الداعمة له مسؤولية الشراكة، ويتحمل المجتمع الدولي مسؤولية التواطؤ بالصمت، أطفال غزة اليوم ليسوا مجرد ضحايا، بل شهود أحياء على سقوط الضمير العالمي، أجسادهم النحيلة، وجوههم الشاحبة، وعيونهم التي فقدت الطفولة مبكرًا، كلها أدلة دامغة على جريمة تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم.
وسيأتي يوم يُسأل فيه هذا العالم:
كيف سمحتم بأن تصبح غزة أخطر مكان في العالم للأطفال؟
وحينها، لن تنفع البيانات، ولا خطابات حقوق الإنسان، لأن دماء الأطفال لا تُمحى بالكلمات، ولا تسقط بالتقادم.
